في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع تصاعد أسعار الطاقة بسبب التوترات في الشرق الأوسط، لم تعد سوق السيارات الكهربائية مجرد ساحة تنافس تقني، بل أصبحت ساحة لإعادة توزيع النفوذ الصناعي على مستوى العالم.
في قلب هذا التحول تصعد الصين، التي انتقلت من دور "مركز تصنيع" لعلامات عالمية، إلى لاعب يسعى لقيادة التحول في سلاسل القيمة عبر مزيج من الإنتاج، والتكنولوجيا، والشراكات العابرة للحدود.
تذكر وكالة الأنباء الصينية شينخوا أن طفرة الطلب على السيارات الكهربائية تزامنت مع ارتفاع حاد في أسعار النفط، مما دفع المستهلكين في 37 دولة ومنطقة إلى تسجيل مستويات قياسية لمبيعات السيارات الكهربائية خلال الشهرين الماضيين، مع نمو في 91% من الأسواق التي شملتها تقارير شركات الأبحاث المتخصصة.
في هذا السياق، لعبت الصين دور "المورد المتكامل" بفضل سلسلة قيمة مكتملة تشمل البطاريات، والإلكترونيات، والبرمجيات، وقدرة على التسليم السريع جعلتها فاعلا أساسيا في استقرار سلاسل توريد السيارات الكهربائية عالميا.
بيانات الجمعية الصينية لصناعة السيارات، كما أوردتها شينخوا، تظهر أن صادرات السيارات من الصين واصلت نموها بأكثر من 70% على أساس سنوي في أبريل/نيسان، مع تصدّر سيارات الطاقة الجديدة بنمو يقارب 110%، وتوجه جزء كبير من هذه الصادرات إلى أسواق آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
وتبرز تقارير غربية، نقل عنها التقرير، زيادة مضاعفة في واردات بعض الدول من السيارات الكهربائية الصينية مثل البرازيل، مما يعكس انتقال هذه الصناعة من الاعتماد على السوق المحلية إلى تنويع عميق في الأسواق الخارجية.
في موازاة هذا التوسع في الطلب، تعاني شركات السيارات التقليدية في أوروبا واليابان من فائض طاقة إنتاجية، مما أدى إلى انخفاض معدلات استخدام المصانع إلى نحو 55% في أوروبا، وفقا لما أوردته صحيفة الاقتصاد الصينية في تقريرها عن نماذج التعاون الجديدة.
هذا الفائض دفع شركات مثل "نيسان" إلى إعادة هيكلة مصانعها؛ إذ قررت الشركة تخصيص خط الإنتاج الأول في مصنع سندرلاند في المملكة المتحدة لتجميع سيارات "شيري" الصينية اعتباراً من السنة المالية 2027، بعد نقل إنتاج سيارات نيسان إلى خط الإنتاج الثاني.
ويوثق التقرير سلسلة من التحركات الصينية للاستحواذ على طاقات إنتاجية قائمة: فـ "غريت وول" استحوذت على مصنع جنرال موتورز في تايلاند، و"بي واي دي" على قاعدة إنتاجية تابعة لفورد في البرازيل، بينما استثمرت "شيري" في مصنع نيسان في برشلونة لتوطين إنتاج محلي باستخدام مزيج "تقنية شيري + علامة إيبرو التجارية".
وتوضح صحيفة "ساوث تشاينا مورننغ بوست" أن شركات مثل "شيري" المملوكة للدولة و"بي واي دي" باتت تحقق النصيب الأكبر من أرباحها في الخارج وليس من السوق المحلية.
وتمكنت "شيري"، أكبر مصدّر سيارات في الصين، من تسليم نحو 181571 سيارةً للأسواق الخارجية في غضون شهر واحد، وبزيادة تقدر بـ 81% عن العام السابق، وشكلت المبيعات الخارجية ما نسبته 73% من إجمالي مبيعاتها، بحسب ما ينقله التقرير عن محلل البيانات "فات جانغ".
وتذكر الصحيفة أن "بي واي دي" حققت نموا مماثلا بنسبة 81% في المبيعات الخارجية، مع ارتفاع حصة هذه المبيعات إلى 42% من إجمالي مبيعاتها، وهو ما يساعد على تعويض ضعف الطلب المحلي الناتج عن تراجع الدعم الحكومي للمستهلكين.
ويشير محللون من بنك "جي بي مورغان" إلى أن السيارات الصينية تُباع بهوامش ربح أعلى في أسواق أوروبا وجنوب شرق آسيا، حيث يمكن أن يرتفع متوسط الربح الصافي لكل سيارة من نحو 5000 يوان (نحو 739 دولاراً أمريكياً) في السوق المحلية إلى ما يقارب أربعة أضعاف ذلك في الخارج.
لا يقتصر التوسع الصيني على بيع سيارات كهربائية تحمل علامات تجارية صينية، بل يمتد إلى بيع المنصات التقنية نفسها لشركات أجنبية تسعى لتسريع تحولها الكهربائي.
لا يقتصر التوسع الصيني على بيع سيارات كهربائية تحمل علامات تجارية صينية، بل يمتد إلى بيع المنصات التقنية نفسها لشركات أجنبية تسعى لتسريع تحولها الكهربائي.
تنقل صحيفة "تشاينا ديلي"عن وسائل إعلام غربية أن "تاتا موتورز" الهندية قررت استخدام منصة "فريلاندر" التي طُورت ضمن مشروع مشترك بين "شيري" و"جاغوار لاند روفر" في الصين، لإنتاج سيارات كهربائية تحت علامتها التجارية الفاخرة "أفينيا" في مصنعها الجديد في تاميل نادو بجنوب الهند.
هذه الخطوة تشكل تحولا جذريا لخطة "تاتا" الأصلية التي كانت تعتمد على منصة كهربائية تخص "جاغوار لاند روفر"، لكنها انهارت عندما أوقفت "جاغوار لاند روفر" خططها لتصنيع سيارات كهربائية تعتمد على بنية إيما (EMA) في الهند؛ مما دفع الشركة إلى البحث عن بديل يختصر الوقت والتكلفة.
وتوضح "شيري" في بيان نقلته الصحيفة أنها ستعمل كمورد لمنصة السيارات لصالح "تاتا", في إطار اتفاقات مستقلة وبشروط تجارية اعتيادية، مما يرسخ دورها كمزود للتكنولوجيا والبنية الهندسية وليس مجرد منتج لسيارات مكتملة.
تعتبر إسبانيا نموذجا لسرعة تغلغل العلامات الصينية في سوق أوروبي متقدم؛ إذ تشير أرقام رسمية نقلتها صحيفة الشعب الصينية إلى أن حصة السيارات الصينية بلغت 13.7% من إجمالي السيارات الجديدة المسجلة بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2026، أي ما يعادل تقريبا سيارة واحدة من كل سبع سيارات جديدة.
راؤول موراليس، المتحدث باسم اتحاد وكلاء السيارات في إسبانيا، يوضح أن هذه الحصة سترتفع إلى نحو 20% عند مقارنتها بمبيعات الأفراد والعائلات، ويتوقع أن تقترب النسبة من 30% خلال عامين أو ثلاثة، بحسب ما نقلته الصحيفة.
ويعزو موراليس هذا الاختراق إلى استثمار مكثف في بناء العلامة التجارية، وسلوك أسعار تنافسي في سوق شديدة الحساسية للسعر، إلى جانب إستراتيجية توزيع تعتمد على شبكات وكلاء قائمة بدلا من إنشاء شبكة موازية من الصفر.
ووفق الأرقام التي نقلها، توسعت شبكة منافذ بيع العلامات الصينية إلى 600 منفذ في عام 2025، مع توقع بلوغها 1000 منفذ في وقت قريب، مما يجعل اقتناء سيارة صينية خيارا طبيعيا للمستهلك الإسباني إلى جانب العلامات الأوروبية واليابانية والكورية.
لم يعد صعود السيارات الكهربائية الصينية مجرد أرقام صادرات قياسية، بل هو إعادة هندسة لسلاسل القيمة العالمية من خلال استغلال الفائض الإنتاجي في مصانع الغرب، تصدير المنصات التقنية، توسيع شبكات التوزيع، وتحقيق هوامش أعلى خارج السوق المحلية.
مع ذلك، تبقى قدرة بكين على التحول من "التصنيع" إلى "القيادة" مرهونة بحسن الإدارة الدقيقة للمخاطر التنظيمية والبيئية والعمالية في الأسواق المتقدمة، علاوة على نجاح الشركات الصينية في بناء سلاسل توريد محلية عميقة وخدمات ما بعد البيع تلائم توقعات المستهلكين.
وإذا ما استمرت الشركات الصينية في الجمع بين تفوقها الصناعي والمرونة في عقد الشراكات، وبين سياسات تسعير ذكية واستثمار في العلامات التجارية والخدمة، فإنها قد تنجح فعلا في أن تصبح أحد المراجع الرئيسة التي تعيد رسم خارطة صناعة السيارات الكهربائية العالمية خلال العقد القادم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة