تزامنا مع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يلوح في الأفق تصعيد مواز في ساحة الاقتصاد، إذ لا يقتصر الضغط على الضربات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى تشديد القيود المالية والتجارية، ضمن ما يعرف بـ"السلاح الاقتصادي"، الذي بات يمثل ركنا أساسيا في إدارة الصراعات الحديثة.
تتمثل أبرز الأساليب الاقتصادية المستخدمة في الحروب المعاصرة في العقوبات المالية والتجارية، بما يشمل تجميد الأصول، وقطع الوصول إلى الأنظمة المصرفية الدولية، وحظر تصدير السلع الإستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، كما يستخدم الحصار الاقتصادي الشامل أو الجزئي لقطع الإمدادات الحيوية من الغذاء والطاقة، إلى جانب توظيف الرسوم الجمركية والعقوبات الثانوية لمعاقبة الأطراف المتعاملة مع الدولة المستهدفة.
وفي سياق أكثر تعقيدا، تلجأ بعض القوى إلى سلاح العملة عبر تقييد الوصول إلى الاحتياطيات الأجنبية أو الضغط على سعر الصرف، فضلا عن استهداف سلاسل الإمداد العالمية والتحكم في تدفقات الاستثمارات والتمويل، بما يجعل الاقتصاد ساحة اشتباك موازية للمعارك العسكرية.
والعقوبات الاقتصادية سلاح ضغط يطمح إلى تحقيق نتائج سياسية ولا يقل طموحا عن نتائج القوة العسكرية، فبحسب المؤرخ نيكولاس مولدر في كتابه "السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة"، لم تأت فكرة "السلاح الاقتصادي" بوصفها مجرد عقوبة رمزية، بل بصفتها آلية ردع تقوم على تهديد الخصم بالعزل الشامل عن التجارة والتمويل، بما يفرض عليه كلفة اجتماعية واقتصادية واسعة.
وقد عبر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1919 عن هذا التصور حين وصف العقوبات بأنها "أشد رهبة من الحرب"، لأنها تقوم على عزل مطلق يخنق الدولة المستهدفة دون إطلاق النار. ويعيد مولدر هذا المنطق إلى تجربة الحصار البحري الذي فرضته بريطانيا وحلفاؤها على القوى المركزية أثناء الحرب العالمية الأولى، حين أفضى قطع إمدادات الطاقة والغذاء إلى إنهاك المجتمعات المستهدفة وإضعاف قدرتها على الاستمرار.
غير أن التجربة التاريخية تظهر أن هذا السلاح لا يعمل دائما كما صمم. ففي ثلاثينيات القرن العشرين استخدمت أشكال من الضغط الاقتصادي ضد إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية واليابان، لكن هذه الإجراءات -وفق تحليل مولدر- لم تمنع التصعيد، بل دفعت بعض تلك القوى إلى تسريع سياسات الاكتفاء الذاتي والتوسع الإقليمي لتأمين الموارد التي خشيت انقطاعها تحت وطأة الحصار، مثل الفحم والحديد والحبوب والنفط. وهنا تتحول العقوبات من أداة ردع إلى عامل يدفع نحو إعادة ترتيب الإستراتيجيات الاقتصادية للدول المستهدفة.
في السياق المعاصر، اتسع مفهوم "الحرب الاقتصادية" ليشمل أدوات أكثر تعقيدا من مجرد الحظر التجاري. فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودا مالية صارمة على إيران منذ عام 2006، استهدفت النظام المصرفي وصادرات النفط، مما أدى إلى انكماش اقتصادي متكرر وتراجع حاد في العملة المحلية.
كما فرضت عقوبات واسعة على روسيا عقب ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم توسعت بشكل غير مسبوق بعد حرب أوكرانيا، لتشمل تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي وقطع بنوك عن نظام "سويفت" الدولي لتحويل الأموال.
وفي المقابل استخدمت الصين نفوذها التجاري لمعاقبة دول اعتبرت مواقفها السياسية معادية، عبر فرض قيود على واردات زراعية أو صناعية، كما حدث مع أستراليا في أعقاب التوترات الدبلوماسية بين البلدين.
وتبرز الحرب التجارية بين واشنطن وبكين مثالا واضحا على انتقال الصراع إلى ميادين الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة وأشباه الموصلات.
وتظهر هذه الوقائع أن الاقتصاد لم يعد مجرد خلفية للصراع، بل أصبح مسرحا رئيسيا له، إذ تستخدم العملة والائتمان والطاقة والتكنولوجيا سلاحا للضغط يعادل في تأثيره أدوات القوة الصلبة، ويعكس ذلك تحولا في وظيفة السلاح الاقتصادي داخل ترسانة القوى الكبرى، ليصبح أداة ضغط مرافقة للمعارك العسكرية أو التهديدات الأمنية، لا بديلا كاملا عنها.
وتكشف التجربة الممتدة منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، وفق تحليل مولدر، أن سلاح الاقتصاد ينطوي على مفارقة بنيوية، فهو يكتسب قوته من قدرته على فرض ضغط واسع ومنسق، لكنه يفقد جزءا من فاعليته كلما تحول إلى أداة روتينية متكررة الاستخدام.
فالعقوبات المحدودة غالبا ما تعجز عن إحداث تغيير جوهري في السلوك السياسي، في حين أن العقوبات الشاملة قد تدفع الدول المستهدفة إلى تبني إستراتيجيات مضادة، مثل تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز الاكتفاء الذاتي، أو تطوير أنظمة مالية وتجارية موازية.
كما أن الإفراط في استخدام هذا السلاح قد يسرع من اتجاهات تفكك النظام الاقتصادي العالمي إلى كتل متنافسة، بما يضعف درجة الترابط التي شكلت أحد الأعمدة الأساسية للعولمة في العقود الماضية.
يرى الباحث الاقتصادي مصطفى يوسف أن السلاح الاقتصادي أصبح أحد أكثر الأدوات فاعلية في الحروب الحديثة، فالاقتصاد يمثل "شريان الحياة" لأي دولة تخوض نزاعا. ويشير إلى أن تجربة عام 1973 وورقة النفط تؤكد قدرة الأدوات الاقتصادية على إحداث تحولات إستراتيجية واسعة من خلال قطع الإمدادات والتقييد التجاري.
ويضيف في حديث للجزيرة نت أن العقوبات المفروضة على روسيا أثناء حربها على أوكرانيا أسهمت في إنهاك الاقتصاد الروسي، وأدى تجميد الأصول وتقييد التعاملات المالية إلى ضغوط كبيرة على الروبل والمالية العامة، مما اضطر موسكو إلى إعادة توجيه صادراتها النفطية وتقديم خصومات للحفاظ على حصتها السوقية.
كما يؤكد أن التحكم في المواد الخام والقيود التكنولوجية، مثل الحد من تصدير أشباه الموصلات إلى الصين، تمثل أدوات ضغط إستراتيجية تستهدف إبطاء التطور الصناعي والعسكري.
ويوضح يوسف أن الضغوط الاقتصادية لا تقتصر على حالات الحرب المعلنة، بل تمتد إلى الحصار والمناوشات الجيوسياسية كما في فنزويلا وكوبا، حيث تستخدم أدوات المنع التجاري والمالي لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بإعادة تشكيل مواقف الحكومات.
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب أن البعد الاقتصادي يمثل الركيزة الأهم في أي عملية عسكرية، مؤكدا أن كثيرا من الحروب عبر التاريخ كان دافعها الأساسي تحقيق مكاسب اقتصادية أو السيطرة على الموارد.
ويشير إلى أن سياسات رفع الرسوم الجمركية وفرض القيود التجارية في أوروبا أسهمت في تعميق الاختلالات الاقتصادية التي مهدت للحربين العالميتين الأولى والثانية.
وفي قراءة للحروب المعاصرة، يوضح في حديث للجزيرة نت أن التضييق الاقتصادي وتهديد الأمن المعيشي يمكن أن يكونا عاملا مفجرا للصراع، كما في الحالة الفلسطينية، التي أدى فيها تقييد النشاط الاقتصادي ومصادرة الأراضي والقيود على الزراعة والصيد إلى حالة احتقان مرتبطة بالأمن الاقتصادي.
أما في الحرب الروسية الأوكرانية، فيؤكد أن العقوبات مثلت سلاح ضغط رئيسيا، إذ تراجع الروبل الروسي في بداية الحرب من نحو 80 روبلا مقابل الدولار إلى قرابة 120 روبلا قبل أن يستعيد جزءا من استقراره، كما تأثر الناتج المحلي الإجمالي نتيجة القيود على النفط والقطاع المالي.
ويخلص عبد المطلب إلى أن توجيه الموارد نحو المجهود الحربي في النزاعات يؤثر سلبا في مسارات التنمية داخل الدول المتحاربة، ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار بعيدا عن القطاعات المدنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الاقتصادية أداة مركزية في إدارة الصراعات الحديثة، تعكس تحولا تدريجيا من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع ممتد على مفاصل الاقتصاد العالمي، مع بقاء فعاليتها مرهونة بقدرتها على تحقيق أهداف سياسية واضحة دون التسبب في تداعيات إنسانية واقتصادية يصعب احتواؤها.
المصدر:
الجزيرة