آخر الأخبار

ثرفانتس و"دون كيشوت".. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل موريسكي؟

شارك

يُعدّ كتاب "دون كيخوتي دي لا مانشا" (الشهير بين العرب باسم "دون كيشوت") العمل الأدبيّ الأكثر عالميّة باللغة الإسبانية. كما يُعتبر مؤلّفه ميغيل دي ثرفانتس سآبيدرا (1547-1616) مؤسِّس الرواية الأوروبية، إذ تُنسب إليه فضيلة ابتداع هذا الجنس الأدبي وتحديد مكوّناته ومقوّماته الرئيسية.

فلقد نُقل هذا السِّفر الاستثنائيّ إلى عدد لا يُحصى من لغات العالم، بل أُعيد طبعه عدّة مرّات وعبر عصور مختلفة كما هو الحال مع الإنجليزية والفرنسية أو العربية وغيرها، إلى أكثر من ثمانين لغة. وتعكس هذه الطبعات المتجدّدة اهتماما مطّردا باستعادة هذا النصّ الغنيّ الأبعاد، في سبيل التعمّق في معانيه ودلالاته الظاهرة والمضمرة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
* list 2 of 2 الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة "صلاة مدنية للمقاومة – رحلة لأماكن المناضلين" end of list

وبلغ نتاج ثرفانتس -وخصوصا رائعته هذه- مبلغا من الصّيت والسمعة على الصعيد العالميّ بحيث اعتُبر تاريخ وفاته في 23 أبريل/نيسان 1616 المناسبة المثلى للاحتفاء باليوم العالمي للغة الإسبانية.

على هذا الأساس، ليس من المستغرَب أن يكون الأدباء والنقّاد والدارسون قديما وحديثا قد أَفردوا دراسات وتحليلات وبحوثا ذات ميول متنوّعة لشرح "حكاية الفارس الفطن"، من أجل تأويل مغزاها ورموزها وتجلّياتها الأدبية والاجتماعية والتاريخية، دون التغاضي عن التدقيق في أهداف كاتبها من وراء تخطيط هذا الكتاب.

رواية أم موسوعة؟

ولمّا كانت "حكاية" دون كيشوت مليئة بالإيحاءات والإحالات التي يبدو أنّها تَمتّ بصلة إلى سيرته الذاتية، فإنّهم دأبوا كذلك على التعمّق في أهمّ أحداث حياته ومواقفه وآرائه الشخصية. ولا نُغالي في القول لو قلنا إنّ هذا النصّ يَتعدّى حدود العمل الروائيّ الأدبي، ليرتقي إلى موسوعة حيوية تَشمل معارف وتجارب إنسانية متنوّعة، لا سيّما تلك المرتبطة بالتاريخ وعلومه، إذ إنّه يَحرص في هذا الكتاب وغيره على التمييز بين الخيال والواقع، مشدّدا على ضرورة "نقل الأحداث مثلما وقعت".

إعلان

لذلك فإنّ "دون كيشوت" حظي باهتمام لافت للنظر عند المؤرّخين الإسبانيّين والأجانب، الذين عدّوه مرجعا ثمينا جدا لرصد واقع المجتمع الإسبانيّ خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، اعتقادا منهم بأنّ هذه الرواية لا تُشكّل نتاجا أدبيا وحسب، وإنّما دراسة موضوعية لزمنه.

وفضلا عن التنقيب عن "رسالة" أو رسائل دون كيشوت -وهو الكتاب الحافل بالتعابير والأفكار الملتبسة التي قد تَحتمل أكثر من قراءة واحدة- فإنّهم انهمكوا في إعادة تصوير الشخصية الحقيقية للكاتب، من خلال ما تَضمّ الرواية من شهادات وأقوال واعتبارات يمكن نسبتها إليه. ومما يزيد من صعوبة مشروعهم هذا أنّ كاتبنا يَلجأ باستمرار إلى لعبة "تعدّدية المؤلّفين"، كما هو الحال مع شخصية سيدي حامد بن إنجيلي "المؤرّخ العربي" (أو ابن العالي حسب بعض المترجمين العرب)، وهو من يُعزى إليه تخطيط الجزأين الأوّل والثاني من الرواية.

مصدر الصورة " لوحة زيتية فنية تصور دون كيشوت النحيف مرتدياً درعاً ويحمل رمحاً على حصان نحيف رث، إلى جانب سانشو بانزا السمين الذي يركب حماراً (شترستوك)

السيرة الغامضة وفرضيّة الأصل العربيّ

وفي استقصائهم الدؤوب عن هوية ثرفانتس، اندفع النقاد والدارسون إلى مراجعة أي وثيقة رسمية أو خبر أو شائعة متصلة به وَردت في سجلات تلك الفترة، مع الإشارة إلى أن تلك المصادر المحتملة كانت شحيحة أو لم تقدم معطيات قاطعة عنه وعن أصوله العائلية. أو قُل إنها كانت شحيحة وغامضة إلى أن أصاب ثرفانتس قدرا من الشهرة، وهي شهرة نالها على كل حال في مرحلة متقدمة جدا من عمره، أي في أعقاب نجاح طبعة دون كيشوت الأولى (1605) وانتشارها لدى القراء.

ولكن معظم هذه الدراسات امتنعت عن التطرق إلى صلاته بالثقافة العربية، وهو الذي يتحدث بإسهاب في أعماله -بصريح العبارة أو بالإيماء- عن سنوات أَسره في الجزائر وعلاقته بعدد من الموريسكيين الذين عانوا من الاضطهاد ثم فُرض عليهم الرحيل في الربع الأول من القرن السابع عشر. فلم تظهر دراسات تسعى لربط سيرة ثرفانتس وموضوعات مؤلفاته -سواء أكانت الروائية أو المسرحية أو القصصية منها- بالتركة العربية الإسلامية الأندلسية، إلا في أوائل القرن العشرين، وذلك على يد نخبة من المستعربين المختصين بتاريخ الأندلس والموريسكيين، ومعهم مجموعة من الخبراء في اللغة الإسبانية ممن اضطلعوا بخصائص اللغة العربية وآدابها.

ولا يسع المجال هاهنا لإحصاء أسماء هؤلاء وعناوين مقالاتهم العلمية الوفيرة، بل نكتفي بإرجاع القارئ اللبيب إلى رسالة دكتوراه تكتنز بمعلومات مفيدة، وطروحاتها متجددة وملهمة، عنوانها "الخلفية العربية لثرفانتس وأعماله"، من تأليف الصديق الأديب والأكاديمي العراقي المعروف محسن (مطلك) الرملي ("آثار الثقافة الإسلامية في دون كيشوت"، جامعة أوتونوما بمدريد، 2003).

مصدر الصورة كتاب منسوب لـ"دون كيشوت" في القصر الملكي بنابولي الإيطالية (شترستوك)

فذهبت هذه الدراسات الداعية إلى نظرية الخلفية الاجتماعية لمؤلفنا إلى أن عائلته تنحدر من مسلمين أُجبروا على التنصر (دخول الدين المسيحي) بعد عقود من سقوط غرناطة عام 1492. ولقد أبرز البعض ميله إلى التأكيد في مؤلفاته على تمسكه بتعاليم الديانة المسيحية، فيما بدا للبعض الآخر محاولة لنفي شبهات "الهرطقة" عنه أمام محاكم التفتيش الإسبانية المنهمكة في ملاحقة المسلمين واليهود (وكذلك المسيحيين البروتستانت) الذين ما زالوا يكنون الولاء لديانتهم القديمة.

إعلان

إلا أن هذه الغيرة على المذهب الكاثوليكي لا يجوز أن تخفي علينا أن أعماله، في مقدمتها "دون كيشوت"، تبرهن على إلمامه بالثقافة العربية والديانة الإسلامية واحترامه لهما، إن لم نقل إنه كان متعاطفا مع العرب والمسلمين، بصرف النظر عن بعض الألفاظ والأحكام الشديدة اللهجة بشأنهم.

وفي حين اكتفت كتب النقد الأدبي التقليدية بالإشارة إلى أن ما أثاره البعض حول فرضية انتماء ثرفانتس إلى عائلة مسلمة تحولت إلى المسيحية في أوائل القرن السادس عشر لهو "أمر مشكوك فيه أو غير مؤكَّد"، فإن دعاة النظرية العربية الإسلامية سلكوا طرقا مختلفة تماما. فقد خلص الكثير منهم إلى أن أهله قد هاجروا من قرطبة، مسقط رأس والده، إلى بلدة ألكالا دي إيناريس (قلعة النهر أو قلعة عبد السلام) الواقعة في محافظة مدريد (مَجريط)، وهي البلدة التي وُلد فيها عام 1547.

وثمّة من يَزعم أنّ بيته الأوّل كان من الطراز المعماري العربي (المُدَجَّن)، كما أنّه قام في شبابه برحلات متعدّدة قادته إلى مدن عربيّة في شمال أفريقيا. زد على ذلك أنّ هناك أدلّة تَدعو إلى ربط مراحل مسيرته الأكثر غموضا، مثل فترات سجنه، بصلاته المحتملة (أو "المشبوهة") بالجالية الموريسكية والمسلمين في إشبيلية -حيث أقام ثلاث سنين- ومدن أندلسية أخرى. وفي وقت دأب المؤرّخون "التقليديّون" على ردّ أسباب التحقيق معه إلى ديونه المتزايدة، أو "حسابات ماليّة أجراها بشكل خاطئ" حين عمل جابيا للضرائب، فإنّ مصادر أخرى تُرجِّح أن تكون أحكام الحبس هذه مرتبطة بمشاكله الخاصة مع محاكم التفتيش.

تَبقى هذه الفرضيّة، على رجاحتها عند فريق من الباحثين، فرضيّة تَنتظر مزيدا من الفحص والتحجّج. غير أنّ ما يَلفت النظر فيها أنّها لا تَتوقّف عند سيرة ثرفانتس الخارجية، بل تَدّعي أنّ آثارها تَتسرّب إلى نصّ "دون كيشوت" نفسه: في تقنياته السردية، وفي شخصياته، وفي معجمه، بل في بنية فصوله. فهل صَدقت هذه الدعوى داخل النصّ كما صَدقت في الخارج؟ هذا ما نَتناوله في مقال تال نَقرأ فيه "دون كيشوت" من الداخل.


* أستاذ اللغة والأدب العربيّ والتاريخ المعاصر في العالم الإسلامي – بقسم الدراسات العربية والإسلامية – جامعة أوتونوما بمدريد
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار