آخر الأخبار

"العلم الزائف".. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟

شارك

تعد العلاقة بين الرؤى الدينية الميتافيزيقية والمناهج العلمية من أعقد الإشكالات المعرفية في العصر الحديث، حيث يسعى العقل البشري باستمرار إلى التوفيق بين النص الديني والمعرفة التجريبية.

غير أن هذا السعي، في كثير من الأحيان، أفرز منطقة ملتبسة يطلق عليها "العلم الزائف"، حيث تستخدم لغة العلم وأدواته لتبرير قناعات مسبقة أو إضفاء شرعية حديثة على تصورات غير علمية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "زمن مغربي".. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن
* list 2 of 2 ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية end of list

ولا يقتصر أثر هذا الخلط على الجدل النظري، بل يمتد إلى التعليم والممارسات الصحية والوعي العام، ما يجعل الحاجة ملحة إلى تفكيك هذه الظاهرة، ورسم حدود واضحة بين الإيمان بوصفه مجالا اعتقاديا، والعلم باعتباره نشاطا تجريبيا قائما على الشك والمراجعة.

محاولات إضفاء مشروعية علمية على النص الديني تفضي حتما إلى تقويض قدسيته بجعله تابعا لنظريات قلقة وقابلة للنقض

كتاب يفتح الملفات الشائكة

في هذا السياق، يبرز كتاب "الإسلام والعلم الزائف" للباحث ستيفانو بيغلياردي، الصادر عام 2025، كواحد من أبرز الأعمال التي تناولت هذا الإشكال بجرأة تحليلية. يقدم الكتاب قراءة معمقة للسجالات الدائرة في العالم الإسلامي، حيث يتم الخلط بين الحقائق الدينية والمعطيات العلمية.

ولا يكتفي المؤلف بوصف الظاهرة، بل يتوغل في بنيتها الإبستمولوجية، كاشفا كيف يجري توظيف العلم خارج سياقه، وتحويله إلى أداة تبريرية بدل كونه منهجا استكشافيا.

حين يختزل الدين في نظرية علمية

يكشف بيغلياردي عن تناقض جوهري يقع فيه أنصار ما يعرف بـ"الإعجاز العلمي" أو "الخلقوية الإسلامية"، إذ إن محاولاتهم إضفاء طابع علمي على النصوص الدينية تنتهي إلى نتيجة عكسية: تقويض قدسية النص، بجعله تابعا لنظريات علمية متغيرة وقابلة للنقض.

فالعلم، بطبيعته، عملية تراكمية قائمة على الشك والتجريب، بينما يقوم الدين على اليقين والإيمان. وعندما يستخدم العلم لإثبات "حقائق جاهزة"، يفقد جوهره النقدي، ويتحول إلى مجرد أداة دعائية، في الوقت الذي تزج فيه العقيدة في دائرة التبرير المستمر.

مصدر الصورة الدكتور ستيفانو بيغلياردي أستاذ الفلسفة المشارك بجامعة الأخوين بالمغرب (الجزيرة)

نقد واسع

يعرض الكتاب طيفا من المواقف النقدية لعدد من المفكرين والعلماء الذين تصدوا لظاهرة "العلم الزائف"، من بينهم ضياء الدين سردار الذي يرى أن تحويل النص الديني إلى مصدر للمعرفة العلمية يجعل الإيمان رهينة لتقلبات النظريات.

إعلان

كما ينتقد الفيزيائي برويز هودبهوي هذا التوجه، معتبرا أنه يفرغ العلم من طبيعته الاستكشافية ويحوله إلى وسيلة لإثبات قناعات مسبقة.

وفي السياق ذاته، يحذر نضال قسوم من الأبعاد الخطيرة لهذه الظاهرة، خاصة عندما تمتد إلى المجال الطبي، فتدفع بعض المرضى إلى استبدال العلاج العلمي بممارسات غير مثبتة، ما قد يؤدي إلى أضرار صحية جسيمة.

العلم صيرورة بحثية شكية، وتوظيفه كأداة تبريرية لإثبات حقائق مسبقة هو مسخ لطبيعته الاستكشافية

3 مسارات للعلم الزائف

يركز الكتاب على ثلاثة تيارات رئيسية يرى أنها تمثل أبرز تجليات "العلم الزائف" في السياق الإسلامي:

1. الإعجاز العلمي

ينتقد المؤلف هذا التيار لخلطه بين النصوص الدينية والعلوم التجريبية، واعتماده على معطيات غير دقيقة أو تأويلات متعسفة، ما يجعل النص الديني رهين نظريات قابلة للتغير.

2. الخلقوية ومقاومة التطور

يتناول الكتاب الخطاب الرافض لنظرية التطور، موضحا أن كثيرا من حججه تستند إلى فهم ناقص للمنهج العلمي أو إلى نزعات تآمرية. كما يناقش مفهوم "الاستثناء الآدمي" بوصفه محاولة توفيقية تثير توترا مع أسس العلم الحديث.

3. الطب النبوي والممارسات العلاجية

يحلل المؤلف انتشار ممارسات مثل الحجامة والرقية بوصفها بدائل "علمية"، رغم غياب الأدلة التجريبية الصارمة، محذرا من مخاطرها حين تُقدَّم بديلا عن الطب الحديث، خاصة في ظل تأثير ما يُعرف بـتأثير الدواء الوهمي.

مصدر الصورة محاضرة للباحث الدكتور ستيفانو بيلاردي أستاذ الفلسفة (الجزيرة)

أزمة في التعليم والبحث العلمي

لا يقف النقد عند حدود الخطاب الديني، بل يمتد إلى المؤسسات الأكاديمية، حيث يشير الكتاب إلى حالات تعكس تراجع معايير البحث العلمي، مثل قبول أطروحات تتبنى أفكارا تتعارض مع أبسط الحقائق العلمية، كفكرة "الأرض المسطحة".

كما ينتقد نزعة "أسلمة العلم"، التي تسعى إلى إعادة صياغة المنهج العلمي وفق اعتبارات أيديولوجية، معتبرا أن أي تدخل في قواعد العلم يؤدي بالضرورة إلى إنتاج معرفة مشوهة.

المعضلة الجوهرية تكمن في استنطاق النص القرآني لاستقاء معطيات مادية، مما يجعل الثوابت رهينة لسيولة البشر

العقلية التآمرية وتزييف التاريخ

يرصد الكتاب أيضا دور التفكير التآمري في تغذية "العلم الزائف"، حيث يفسر رفض المجتمع العلمي لبعض الأطروحات على أنه مؤامرة، ما يعمّق القطيعة مع المعرفة العلمية.

كما ينتقد المبالغة في تصوير الإسهامات العلمية التاريخية للمسلمين، محذرا من تحويلها إلى سرديات غير دقيقة تضر أكثر مما تنفع، لأنها تضعف الثقة في البحث العلمي الرصين.

نحو نقد أكثر عمقا

يدعو بيلاردي إلى تطوير أدوات نقد "العلم الزائف"، عبر تجاوز الاعتماد الحصري على معيار كارل بوبر القائم على "القابلية للتفنيد"، والانفتاح على مقاربات فلسفية حديثة ترى أن الحد الفاصل بين العلم وشبه العلم ليس دائما واضحا.

ويؤكد أن تعزيز الحوار بين النقاد المسلمين والفلاسفة المعاصرين يمكن أن يثري النقاش، ويمنح أدوات أكثر دقة لفهم الظاهرة.

نحو فصل منهجي لا صراع وجودي

يخلص الكتاب إلى أن مواجهة "العلم الزائف" لا تعني محاربة الدين، بل تستهدف حماية كل من العلم والإيمان من التوظيف الخاطئ. فالفصل المنهجي بين المجالين لا يعني القطيعة، بل يتيح لكل منهما أن يعمل ضمن حدوده: العلم في تفسير الظواهر الطبيعية، والدين في توجيه المعنى والقيم.

إعلان

وفي هذا الإطار، يقترح إدماج نقد "العلم الزائف" في المناهج التعليمية، لتعزيز التفكير النقدي، وتحرير الوعي من وهم التعارض بين العلم والدين.

يقدم كتاب "الإسلام والعلم الزائف" قراءة نقدية عميقة لواحدة من أخطر الظواهر المعاصرة، حيث لا يكمن الخطر في الخطأ المعرفي فقط، بل في تداعياته على العقل والمجتمع.

وبين خطاب ديني يستنزف في التبرير، وعلم يشوه بوظائف أيديولوجية، تبرز الحاجة إلى وعي جديد يعيد لكل مجال حدوده، ويؤسس لعلاقة صحية بين الإيمان والمعرفة -علاقة لا تقوم على التلفيق، بل على الفهم – .

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار