بين رائحة الورق القديم ورفوف الكتب المتلاصقة، ظل سور الأزبكية لعقود طويلة شاهدا حيا على ذاكرة الثقافة المصرية، ومساحة مفتوحة يلتقي فيها شغف القراءة مع بساطة المكان. لم يكن السور مجرد سوق لبيع الكتب المستعملة، بل ملاذا لطلاب يبحثون عن مراجع بأسعار زهيدة، وباحثين يطاردون طبعات نادرة، وأطفال تشكلت علاقتهم الأولى بالقراءة بين ممراته الضيقة.
اليوم، يفتح سور الأزبكية صفحة جديدة في تاريخه، بعد نقله من موقعه التقليدي في قلب القاهرة إلى مقر أكثر تنظيما، بواجهات خشبية وبيئة توصف بأنها أكثر أمانا. خطوة تحمل وعودا بالتطوير، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات مشروعة: هل يمثل هذا الانتقال إنقاذا لأحد أهم معالم الثقافة الشعبية؟ أم أنه يهدد بفقدان الروح التي تشكلت وسط الشارع والزحام، وجعلت من السور تجربة ثقافية لا تشبه سواها؟
اختلف سور الأزبكية كثيرا عما كان عليه في السابق. فالمكان الجديد بات مجهزا بوحدات خشبية تحمل لافتة "مكتبة"، تتراص داخلها الكتب على حوامل منظمة، في مشهد يوحي بالترتيب والانضباط. غير أن هذا المشهد، على جماله، يبدو حتى الآن شبه خال من الزوار.
يرجع بعض الباعة هذا الغياب إلى عدم معرفة شريحة واسعة من الجمهور بالموقع الجديد، بينما يرى آخرون أن بعد المكان يدفع القراء إلى التوجه نحو مناطق أقرب لشراء الكتب، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على البائعين الذين يترقبون عودة الإقبال الجماهيري كما كان في السابق.
في محيط محطة مترو أنفاق العتبة، عبّر عدد من الباعة عن تفاؤلهم بتجربة نقل سور الأزبكية، معتبرين أنها فرصة لا تعوض، وتمنوا أن تمتد تجربة التطوير إليهم، على أمل أن يمنحهم التنظيم الجديد استقرارا طال انتظاره.
في المقابل، انقسمت آراء الباعة بعد الانتقال؛ فبينما أشاد بعضهم بما وصفوه بالتطوير الحضاري وتحسين بيئة العمل، رأى آخرون أن ارتفاع القيمة الإيجارية، إلى جانب ضعف الإقبال الحالي، يشكل عبئا إضافيا يهدد قدرتهم على الاستمرار.
وأبدى أحد الباعة، ويدعى رمضان، غضبه من فكرة الانتقال إلى الموقع الجديد، واصفا ما جرى بمحاولة لفرض أعباء مالية إضافية على البائعين. وقال إنهم يعملون في سور الأزبكية منذ نحو 50 عاما، وكانت أوضاعهم مستقرة قبل أن تتغير بشكل مفاجئ عقب الانتقال، الذي تم قبل نحو ستة أشهر.
وأوضح، في حديثه للجزيرة نت، أنهم اعتادوا بيع الكتب للتلاميذ والأطفال بأسعار بسيطة تتراوح بين 5 و20 جنيها مصريا (الدولار يساوي نحو 47 جنيها)، مشيرا إلى أنهم كانوا يشترون بعض الكتب بـ10 جنيهات، ولا يضيفون سوى هامش ربح محدود لا يتجاوز جنيهين. وأضاف أن هذه المعادلة اختلت تماما بعد فرض قيمة إيجارية مرتفعة في الموقع الجديد.
ووفقا لتأكيداته، يضم سور الأزبكية نحو 150 مكتبة، وتبلغ القيمة الإيجارية للمكتبة الواحدة 3000 جنيه شهريا، إلى جانب ما بين 150 و250 جنيها مقابل خدمات النظافة والأمن، التي يرى أنها لا تتوافر بالمستوى المطلوب. واعتبر أن هذه الأعباء تمثل مشكلة حقيقية، خاصة في ظل صغر مساحات المكتبات وضعف الإقبال الحالي.
وفيما يتعلق بتأثير الانتقال على أسعار الكتب، أكد الحاج رمضان أن جمهور سور الأزبكية اعتاد على مستوى سعري معين على مدار سنوات طويلة. وقال: "فقد كنا نبيع الكتب الخارجية بنصف ثمنها تقريباً؛ فالكتاب الذي يبلغ سعره الرسمي 75 جنيهاً، كنا نعرضه مقابل 20 أو 25 جنيهاً، أما الآن فلا يمكن بيعه بأقل من 40 أو 50 جنيها".
وشدد على أن ضعف الإقبال الحالي يعود بالأساس إلى عدم معرفة شريحة واسعة من المواطنين بالموقع الجديد، مقارنة بالفترات السابقة حين كانت الكتب تُعرض أمام أعين المارة طوال اليوم. وأضاف: "لم يعد أحد يرانا الآن، وكثيرون سيتجهون إلى الشراء من الفجالة بدلاً من النزول إلى العتبة وسط الزحام".
في المقابل، أشاد الشاب العشريني محمد حاتم بالتطور الذي شهده سور الأزبكية، مؤكدا أنه من أبناء المكان، إذ يتردد عليه منذ نحو 12 عاما، منذ أن كان طفلا لم يكن يعرف الكثير عن عالم الكتب.
وقال في حديثه للجزيرة نت: "اكتشفت لاحقا أن الكتب كنز لا يجب تجاهله"، معتبرا أن القراءة تفتح آفاقا واسعة، وأن من يدخل سور الأزبكية يصعب عليه الخروج منه.
ويرى محمد أن الوضع الحالي أكثر هدوءا وتنظيما مقارنة بالماضي، مشيرا إلى أن السور بات موجها للقراء الحقيقيين أكثر من كونه مساحة للمارة العابرين، واصفا المشهد السابق بـ"العشوائية" التي كانت تتسبب في زحام ينفر كثيرين.
بخصوص الأسعار، أكد أن السمة الأساسية التي تميز سور الأزبكية لا تزال قائمة، إذ تبدأ أسعار بعض الكتب من خمسة جنيهات، مشددا على أن الهدف هو جذب قراء جدد وبناء علاقة مستمرة معهم. ورغم اعترافه بأن الإقبال لا يزال ضعيفا، أرجع ذلك إلى حداثة الموقع الجديد، معربا عن أمله في تحسن الأوضاع خلال معرض الكتاب القادم .
في السياق ذاته، استعرض حسن علي، الذي يعمل في سور الأزبكية منذ عام 1984، ملامح التطور الذي شهده المكان بعد نقله. وأوضح أن الباعة كانوا يدفعون في السابق رسوما سنوية بسيطة مقابل الرخصة، بينما باتوا اليوم ملتزمين بإيجار شهري ثابت يشمل جميع المكتبات.
ويرى حسن أن الوضع الراهن، رغم التحديات، أفضل مما كان عليه قبل التطوير، لا سيما أن السور ظل في نطاق المنطقة نفسها. لكنه أقر في الوقت ذاته بأن ضعف الإقبال الحالي يعد أمرا متوقعا، ويحتاج إلى وقت حتى يعتاد القراء على الموقع الجديد ويعودوا إليه تدريجيا.
ونفى حسن وجود أي زيادة في أسعار الكتب عقب الانتقال، مؤكدا حرصه على جذب القراء من خلال تقديم تخفيضات متنوعة، عبر تخصيص أقسام لكتب تباع بأسعار خمسة وعشرة وعشرين جنيها، في محاولة للحفاظ على الطابع الشعبي للسور وتشجيع المواطنين على الإقبال على القراءة.
وكشف حسن عن أزمة أخرى تواجه الباعة، تتمثل في ضعف الخدمات المقدمة، موضحاً أن دورات المياه لا تزال غير مفعلة حتى الآن، مما يسبب معاناة يومية لهم، لا سيما في أوقات الصلاة، حيث تنعدم مياه الوضوء.
وفي تعليق لافت، أفاد أحد الباعة كبار السن، الذي رفض الكشف عن اسمه، بأن الباعة القدامى "يحتضرون"، مؤكداً أنهم يرحلون الواحد تلو الآخر. وأضاف في حديثه لـ"الجزيرة نت": "عم علي، من أقدم البائعين، غادر، وأنا سأغادر أيضاً، والباقون سيلحقون بنا، وبذلك ينتهي سور الأزبكية كما نعرفه".
من جانبه، أكد السيد، الذي يعمل في سور الأزبكية منذ نحو 45 عاما، أن الموقع الجديد يتميز بالتنظيم، لكنه يعاني في المقابل من ضيق المساحة، موضحا أن ذلك يدفع بعض الزبائن إلى الاكتفاء بإلقاء نظرة سريعة من الخارج دون الدخول أو التصفح.
وأشار إلى أنه متخصص في بيع الأعمال القديمة من مجلات وصحف وكتب نادرة، ويحرص على إعادة ترتيبها وعرض بعضها بشكل لافت لجذب الانتباه، معتبرا أن هذا التنوع يظل عاملا مشجعا للزبائن على التصفح والشراء، رغم محدودية المساحة.
وبشأن نظام عداد الكهرباء الكودي، أوضح أن الوضع السابق كان يعتمد على عداد واحد يخدم جميع المكتبات، في حين بات الشحن الفردي يشكل تحديا إضافيا. ومع ذلك، أقر بأن النظام الجديد قد يكون حلا عمليا للحد من سرقة الكهرباء التي كانت تحدث من قبل بعض الباعة الجائلين.
وفي ختام حديثه للجزيرة نت، قدّر السيد نسبة الإقبال الحالية بما لا يتجاوز 10%، مرجعا ذلك إلى الموقع شبه المعزول للسور، لا سيما بعد تغيير مخارج محطة المترو، وهو ما جعل حركة البيع تقتصر إلى حد كبير على الزبائن القدامى أو من يصلون إلى المكان مصادفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة