آخر الأخبار

ليست الرقائق ولا السحابة.. نقطة الضعف القاتلة التي تخفيها شركات الذكاء الاصطناعي

شارك

عند الحديث عن صناعة الذكاء الاصطناعي، غالبا ما تدور النقاشات حول وحدات معالجة الرسوميات، والنماذج اللغوية الكبيرة، ومراكز البيانات الضخمة، دون التطرق إلى الكابلات البحرية القابعة في قاع المحيطات.

هذه الكابلات تمتد على مسافة تتجاوز 1.7 مليون كيلومتر، وتحمل ما يزيد على 99 في المئة من حركة البيانات الدولية، وتربط مراكز البيانات والشبكات السحابية المنتشرة عبر القارات، بما فيها البنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي.

ومع توسع الذكاء الاصطناعي، لم تعد أهمية هذه الشبكة مقتصرة على خدمات الإنترنت التقليدية، إذ أصبحت صلة الوصل بين مناطق الحوسبة والبيانات جزءا من البنية التحتية التي قد تعتمد عليها أحمال الذكاء الاصطناعي الموزعة جغرافيا.

وتنتقل البيانات عبر مسارات بحرية تمر من أضيق الممرات وأكثرها توترا في العالم، وقد تؤدي اضطرابات هذه مسارات إلى رفع زمن الاستجابة وتقليص السعة المتاحة أو زيادة كلفة تشغيل أحمال العمل الموزعة جغرافيا، وهو ما قد ينعكس على بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي.

العمود الفقري الخفي للذكاء الاصطناعي

في ظل اتساع النماذج اللغوية الكبيرة وصعوبة توفير الطاقة والحوسبة في موقع واحد، يتزايد اهتمام الشركات بالتدريب الموزع جغرافيا بين مراكز بيانات مختلفة.

وفي هذه الحالة، تصبح شبكات المسافات الطويلة جزءا من معادلة الأداء، إذ تحتاج بعض البنى الموزعة إلى تبادل البيانات والتحديثات بين مواقع متباعدة عبر شبكات المنطقة الواسعة، التي تشمل الكابلات البحرية في المسارات العابرة للقارات.

وتشير تقديرات شركة الأبحاث المتخصصة "تليجيوغرافي " إلى أن نمو أحمال الذكاء الاصطناعي، ولا سيما توسع بيانات التدريب وربط مراكز البيانات، قد يزيد الطلب على شبكات النقل الطويلة.

ودون وجود سعة كافية وزمن وصول منخفض ومستمر، قد تصبح عملية التدريب أكثر تكلفة وبطئا، وقد يتوقف أو يتراجع أداؤه بشكل ملموس في حالات الانقطاع أو إعادة التوجيه الطويلة.

مصدر الصورة مراكز البيانات الموزعة جغرافيا تعتمد على الكابلات البحرية لنقل بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)

ومع تضخم النماذج اللغوية الكبيرة، باتت الشركات تتجه إلى توزيع بعض خطط البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على أعداد كبيرة من وحدات المعالجة بين أكثر من مركز بيانات، وهو اتجاه تفرضه قيود الطاقة والمساحة وتوافر الحوسبة.

إعلان

وتعتمد خوارزميات التدريب الموزع جغرافيا على تبادل تحديثات النموذج بين عقد متعددة، ويؤثر ارتفاع زمن الوصول بين المواقع في كفاءة هذه العملية.

ووصفت هذه المشكلة باعتبارها عائقا أمام كفاءة التدريب الموزع جغرافيا، حيث يقلل ارتفاع زمن الوصول بين العقد في أنظمة التدريب الموزع بشكل كبير من كفاءة استخدام طاقة الحوسبة، ويرفع تكلفة التشغيل، ويطيل مدة إنجاز التدريب.

وقد يتسبب حدوث انحراف في فشل مزامنة المعاملات بين وحدات معالجة الرسوميات، مما يضطر المهندسين إلى إيقاف العمل أو الانتقال إلى وضع أقل كفاءة.

وقد تنخفض كفاءة التدريب بنسبة متفاوتة حسب حجم النموذج وبنية التزامن عندما يزيد زمن الرحلة بين عقدة وأخرى، كما قد تقل إنتاجية التدريب الموزع عند فقدان الحزم.

وفي عمليات التدريب الموزع جغرافيا، قد يؤدي ارتفاع زمن الوصول أو انخفاض السعة عبر المسارات البديلة إلى تقليل كفاءة الاتصال بين عقد التدريب.

وقد يصبح استقرار الكابلات البحرية عاملا في كفاءة التدريب عندما تعتمد بنية التدريب على اتصال عابر للقارات.

مصدر الصورة سبعة كابلات بحرية رئيسية تمر عبر منطقة الخليج العربي (الجزيرة)

ونتيجة لذلك، تحولت الكابلات إلى أصول إستراتيجية تمولها شركات التقنية مباشرة لتأمين سعات مخصصة، وتحسين الربط بين مواقع الحوسبة، وزيادة مرونة شبكاتها، خاصة تلك التي تربط مجموعات التدريب بمواقع التخزين ومراكز الاستدلال.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن شركات التقنية الكبرى أصبحت من أكبر مستخدمي وممولي ومالكي السعة الدولية، مع انتقال بعضها إلى تمويل وامتلاك أنظمة الكابلات، وذلك خوفا من أن يصبح النطاق العريض هو الحلقة الأضعف في سلسلة الذكاء الاصطناعي.

وترصد خريطة الكابلات العالمية التفاعلية لعام 2026 التي توفرها "تليجيوغرافي " ما يصل إلى 694 نظام كابل حول العالم، وبحسب تقديرات الشركة، فإن قيمة الكابلات الجديدة المقرر تشغيلها بين عامي 2026 و2029 تتجاوز 16 مليار دولار.

وتتبع الكابلات البحرية المسارات التجارية والتضاريس البحرية، ما يجعلها تتجمع في مضائق وممرات تعد من أكثر بقاع العالم توترا، ويحولها إلى نقطة ضعف محتملة للبنية التحتية التي يعتمد عليها بعض أحمال الذكاء الاصطناعي.

والمفارقة أن الطفرة في بناء الكابلات تحدث في الوقت نفسه الذي تتزايد فيه المخاوف بشأن سلامة الممرات البحرية وقدرة الأسطول العالمي على إصلاح الأعطال بالسرعة المطلوبة.

وأظهرت أزمة زلزال تايوان عام 2006 مدى خطورة التركز الجغرافي، حيث تضررت ستة من سبعة أنظمة كابلات في ذلك الممر، ما مثل نحو 90 في المئة من سعة الاتصالات الإقليمية.

حين يتحول قاع البحر الأحمر إلى ورقة ضغط

يمثل البحر الأحمر وباب المندب ممرا رئيسيا للكابلات التي تربط أوروبا بآسيا والشرق الأوسط وشرق أفريقيا.

وفي مارس/آذار 2024، تعرضت عدة كابلات بحرية لأضرار متزامنة في البحر الأحمر قرب السواحل اليمنية، مما أثر في نحو 25 في المئة من حركة البيانات الإقليمية بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وخلال سبتمبر/أيلول 2025، ارتفع زمن الوصول على مسارات بين أوروبا وآسيا، واضطرت الشبكة إلى إعادة توجيه حركة المرور عبر مسارات بديلة أطول بسبب تعطل كابلات بحرية في البحر الأحمر.

مصدر الصورة البحر الأحمر يستضيف عددا كبيرا من الكابلات البحرية الرئيسية التي تربط آسيا بأوروبا (بيكسلز)

وأثر التعطل في الاتصال العام في الهند وباكستان وعدد من دول الخليج، وأصدرت " مايكروسوفت " إشعارا يفيد بأن عملاء "أزور " قد يواجهون ارتفاعا في زمن الوصول على حركة البيانات العابرة بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط.

إعلان

وإلى جانب أحمال العمل التقليدية، تستضيف المنصة السحابية جانبا واسعا من خدمات الذكاء الاصطناعي التجارية، ومن بينها خدمة "أزور أوبن إيه آي ".

وتقدم الواقعة مثالا عمليا على تأثير اضطراب الكابلات في البنية السحابية التي تعتمد عليها استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وتؤثر هذه الحوادث مباشرة في موثوقية الروابط بين مراكز البيانات في شرق آسيا وتلك في الولايات المتحدة، التي تزداد أهميتها عندما تستخدم الشركات بنى حوسبة موزعة جغرافيا أو تنقل البيانات والخدمات بين مناطق مختلفة.

حرب المنطقة الرمادية في المحيط الهادئ

يمثل المحيط الهادئ ساحة صراع تقني حادة بين الولايات المتحدة والصين، بما يتضمنه من كابلات ممتدة بين الساحل الغربي الأمريكي واليابان وكوريا الجنوبية تايوان والفلبين وسنغافورة.

وفي عام 2020، أوقفت واشنطن تشغيل جزء من كابل كان من المفترض أن يصل إلى هونغ كونغ، بحجة مخاوف تتعلق بالتجسس الصيني، في تجسيد لتحول الكابلات من بنية تجارية إلى أداة جيوسياسية.

وتستضيف تايوان ما يصل إلى 15 كابلا بحريا دوليا، وتعد من أكثر السواحل ازدحاما بالكابلات البحرية حول العالم.

ويجعل هذا التركز تايوان والمنطقة المحيطة بها عرضة لاضطرابات واسعة إذا تعرضت عدة مسارات للضرر في الوقت نفسه.

ومنذ عام 2023، تعطلت الكابلات الرابطة بين جزر ماتسو التايوانية النائية والجزيرة الأم أكثر من 20 مرة خلال خمس سنوات.

وحدثت الحادثة الأبرز في فبراير/شباط 2023، حين تضرر الكابلان اللذان يربطان الجزيرة في حادثتين ارتبطتا بسفينتين صينيتين، ما ترك سكانها الأربعة عشر ألفا بلا اتصال إنترنت لأكثر من خمسين يوما.

مصدر الصورة خفر السواحل التايواني كثف دورياته قرب الكابلات البحرية بعد سلسلة حوادث قطع طالت جزر ماتسو (بيكسلز)

وفي يناير/كانون الثاني 2025، اشتبهت السلطات التايوانية بتسبب سفينة "شونشين 39 " بأضرار لكابل يربط تايوان بآسيا والولايات المتحدة.

وخلال فبراير/شباط 2025، احتجز خفر السواحل التايواني سفينة تدعى "هونغ تاي 58 " للاشتباه في قطعها كابلا بحريا، فيما سجل في أبريل/نيسان 2026 قطع جديد قرب ماتسو.

وطور مركز صيني سفينة قادرة على قطع كابلات على أعماق تصل إلى 4000 متر، وهو عمق يفوق قدرة معظم الكابلات التجارية العادية على النجاة منه، ما أثار مخاوف من إمكانية استخدام هذه القدرة في عمليات قطع متعمد للكابلات.

وتعد شركة "إتش إم إن تكنولوجيز " الصينية، المعروفة سابقا باسم "هواوي مارين "، واحدة من كبريات الشركات الأربع التي تصنع وتمد نحو 98 في المئة من الكابلات البحرية.

وتستحوذ الصين على أكبر عدد من نقاط هبوط الكابلات مقارنة بأي طرف آخر من الأطراف المتنازعة على المياه الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.

ودفع هذا الأمر الفلبين إلى تكثيف الدوريات البحرية والتحقيق في احتمالات التنصت على كابلاتها، وسط اتهامات متبادلة بين مانيلا وبكين لم تنقطع طوال عامي 2025 و2026.

بحر البلطيق يستنفر حلف الأطلسي

يشكل بحر البلطيق نموذجا مختلفا لكيفية استجابة تحالف عسكري كامل لتهديد يطال بنية تحتية مدنية بالكامل، حيث تضرر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما لا يقل عن 11 كابلا في هذه البحيرة شبه المغلقة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 اشتبهت السلطات بالسفينة الصينية "يي بينغ 3 " في حادثة قطع كابلين يربطان فنلندا بألمانيا والسويد.

واحتجزت السلطات الفنلندية في ديسمبر/كانون الأول 2024 ناقلة نفط تدعى "إيغل إس " للاشتباه في قطعها عددا من كابلات الاتصالات بين إستونيا وفنلندا.

مصدر الصورة فرقاطات حلف الأطلسي ترابط في بحر البلطيق ضمن مهمة حارس البلطيق لحماية الكابلات من التخريب (بيكسلز)

وفي 14 يناير/كانون الثاني 2025، أعلن حلف شمال الأطلسي مهمة عسكرية تحت اسم "حارس البلطيق "، بمشاركة فرقاطات وطائرات بحرية وزوارق مسيرة.

إعلان

ويستخدم الحلف الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية في مراقبة البنية التحتية البحرية، وأعلن عام 2026 أن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تحسن الوعي بالموقف واكتشاف الأنشطة الخبيثة.

لكن الحوادث تكررت نهاية عام 2025، في إشارة إلى أن حوادث أضرار البنية التحتية في المنطقة استمرت رغم تعزيز إجراءات المراقبة والردع.

الصيانة كورقة ضغط جيوسياسية

خلافا للاعتقاد السائد، فإن سفن مد وصيانة الكابلات البحرية لا تجوب المحيطات، حيث إن الأسطول العالمي المتخصص في هذا المجال لا يتجاوز 80 سفينة تتقادم بسرعة تفوق وتيرة تجديدها.

وتشير التقديرات إلى أن 47 في المئة من سفن مد الكابلات و64 في المئة من سفن صيانة الكابلات البالغ عددها نحو 22 سفينة تقترب من نهاية عمرها الافتراضي المقدر بأربعين عاما بحلول عام 2040.

في حين من المتوقع خلال الفترة نفسها حدوث نمو كبير في أطوال الكابلات المطلوبة في وقت يضيف فيه نمو الذكاء الاصطناعي طلبا جديدا على ربط مراكز البيانات.

ويقدر تقرير مشترك أعدته "تليجيوغرافي " و "إنفرا أناليتيكس " بتكليف من رابطة "ساب أوبتيك " أن سد هذه الفجوة يتطلب استثمارا يقارب 3 مليارات دولار حتى عام 2040.

ويشمل الاستثمار بناء 15 سفينة بديلة و5 سفن إضافية لتلبية الطلب المتصاعد في منطقتي جنوب غرب وشمال غرب المحيط الهادئ، الأكثر احتياجا لعمليات إصلاح متكررة.

لكن التكلفة المرتفعة لبناء سفينة جديدة وعقود الصيانة القصيرة الأجل نسبيا تحد من سرعة تجديد الأسطول.

وتظهر نتيجة هذه الفجوة بشكل متكرر، حيث كان متوسط الوقت اللازم في عام 2023 لإصلاح أعطال الكابلات نحو 40 يوما، وذلك بحسب بيانات "منتدى الاتصالات البحرية " التي أوردتها شركة "ريكورديد فيوتشر ".

سفن الإصلاح تواجه تحديات في المناطق المتنازع عليها، مما يحول الصيانة إلى ورقة ضغط جيوسياسية (بيكسلز)

فيما تعرضت الكابلات الخمسة التي تربط فيتنام بالعالم لأضرار في فبراير/شباط 2023، ما أدى إلى فقدان 75 في المئة من سعة نقل البيانات، ولم تكتمل عملية إصلاح جميع الكابلات إلا أواخر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.

ويؤدي طول فترة العطل إلى استمرار انخفاض السعة أو ارتفاع زمن الوصول، وهو ما قد يفرض قيودا إضافية على الخدمات والأنظمة الموزعة التي تعتمد على الاتصال بين المواقع.

وينبغي أن تكون البنية التحتية البحرية اللازمة لخدمة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قادرة على إعادة توجيه حركة البيانات تلقائيا بأقل قدر من فقدان الأداء عند تعطل أي كابل، وهو معيار يصعب تحقيقه عمليا في ظل الأسطول العالمي المتقادم.

وإلى جانب الرافعات وأجهزة الغوص الآلي والطواقم المتخصصة، فإن سفينة الإصلاح تحتاج إلى تصريح من الدولة المستضيفة للكابل.

وفي المناطق المتنازع عليها، قد تصبح التصاريح والوصول إلى مواقع الإصلاح جزءا من الحسابات الجيوسياسية، خصوصا عندما تقع نقطة العطل داخل نطاقات بحرية تخضع لاختصاصات متداخلة.

ختاما، كلما اتجهت صناعة الذكاء الاصطناعي نحو توزيع الحوسبة والبيانات والخدمات بين مناطق جغرافية مختلفة، أصبحت الكابلات البحرية التي تربط هذه المواقع جزءا من مرونة منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها وأحد المكونات الإستراتيجية في جغرافيا الحوسبة العالمية.

وتكشف حوادث البحر الأحمر وتايوان والبلطيق أن هذه الكابلات معرضة لأعطال مادية وجيوسياسية، وأن زمن الإصلاح والمسارات البديلة قد يصبحان جزءا من أمن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الموزعة جغرافيا والمعتمدة على الاتصال بين المواقع.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار