في ليلة دراماتيكية على ملعب "فوكسبورو" في بوسطن، كتب المنتخب الباراغوياني واحدة من المفاجآت الكبرى في كأس العالم عام 2026 بإقصائه المنتخب الألماني من دور الـ32 عبر ركلات الترجيح بعد التعادل (1-1)، ليجرّد "المانشافت" رسميا من صفة "القوة العظمى" في كرة القدم العالمية ويكرس حقبة التراجع للكرة الألمانية.
أظهر ذلك أن وجود ألمانيا في دائرة المنافسة على اللقب يعود فقط إلى إنجازاتها السابقة. أما نسخة جوليان ناغلسمان من المنتخب الألماني فقد كانت مجرد تقليد باهت.
تشير صحيفة "إي أس بي إن" (ESPN) إلى أن الألمان حتى لو تأهلوا بصعوبة، لكانت مشاركتهم في كأس العالم انتهت فجأة أمام فرنسا في الدور التالي.
لقد كانت صدمة الخسارة أمام باراغواي تتويجا لعقد بائس في هذه البطولة بعد خروج "المانشافت" من دور المجموعات في عاميْ 2018 و2022.
لم يستطع ناغلسمان التخفي وراء المبررات، وأطلق تصريحا يلخص واقع السقوط بقوله: "الخروج من الدور الأول لا يكفي لكرة القدم الألمانية. هذا هو الإقصاء الثالث على التوالي من الأدوار المبكرة، لذا لم نعد من بين فرق النخبة".
كشفت بطولة كأس العالم الأخيرة وخاصة مباراة باراغواي عن الأزمة العميقة التي تعاني منها هوية الكرة الألمانية تحت قيادة جوليان ناغلسمان. فرغم امتلاك الفريق للكرة بنسبة ناهزت 80%، فإن هذا الاستحواذ كان سلبيا وبدون فاعلية؛ حيث سجل المنتخب الألماني في الشوط الأول معدل أهداف متوقعة (xG) بلغت قيمته 0.14 فقط، وهو ثاني أدنى معدل له في مباراة إقصائية في المونديال خلال 60 عاما.
نجح غوستافو ألفارو، مدرب باراغواي، في تنظيم تكتل دفاعي محكم وأغلق كل المنافذ، معتمداً على تنظيم بدني وذهني عالٍ.
وتجلت الشكوك الألمانية الأزلية في الخط الخلفي، حيث فشل الدفاع الألماني (ومعه حارسه مانويل نوير) في الحفاظ على نظافة الشباك للمباراة الرابعة على التوالي في البطولة، ليستغل خوليو إنسيسو الهجمة المرتدة المتقنة ويعلن تقدم الباراغويانيين برأسية خاطفة.
ورغم استعادة الألمان لبعض التوازن في الشوط الثاني بتعديل كاي هافرتز للنتيجة، وإلغاء هدف جوناثان تاه في الوقت الإضافي بداعي الخطأ -وهو القرار الذي وصفه ناغلسمان بـ"المهزلة"- إلا أن الفريق افتقر إلى الحلول الخيالية والقدرة على حسم المباريات المغلقة.
طوال عقود، كانت ركلات الترجيح بمثابة المنطقة الآمنة للكرة الألمانية والسلاح النفسي الفتاك ضد المنافسين. لكن في بوسطن، تحولت هذه الأسطورة إلى كابوس.
ظهر لاعبو ناغلسمان متوترين ومفتقرين للثقة، فتصدى الحارس أورلاندو غيل لركلتي هافرتز ونيك وولتميد، قبل أن يطيح جوناثان تاه بالكرة عالية فوق المرمى. ومع تسديدة خوسيه كانالي الحاسمة في الشباك انتهت القصة، وكسرت باراغواي العقدة لتسجل أول هدف وتأهل إقصائي في تاريخها المونديالي، تاركة الألمان على ركبهم في منتصف الملعب.
تضع هذه الهزيمة التاريخية الكرة الألمانية أمام مرآة الحقيقة؛ فالخروج من دور المجموعات في عامي 2018 و2022 ثم الوداع المبكر في عام 2026 يثبت أن المشكلة ليست عارضة بل أزمة هيكلية بامتياز.
ورغم إعلان ناغلسمان رغبته في الاستمرار في منصبه، فإن الصحافة والرأي العام في ألمانيا يستعدان لشن حملة نقد لا ترحم، تطالب بإعادة هيكلة شاملة للمنتخب وتطوير آليات صناعة اللاعبين، بعد أن أثبتت التجربة أن الاعتماد على اسم "المانشافت" وتاريخه لم يعد كافيا للبقاء بين كبار العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة