آخر الأخبار

حين تتحول أجسام اللاعبين إلى بيانات.. من يملك "تلك الثروة"؟

شارك

لم تعد كرة القدم في عصرنا الحالي مجرد "لعبة شعبية" يُحركها سحر الموهبة الفطرية أو الفكر التدريبي، بل تحوّلت إلى ساحة معركة رقمية تدار داخل غرف التحليل، حيث باتت "البيانات" العملة الأكثر قيمة.

ففي الوقت الذي يستعد فيه المنتخب البرازيلي لخوض غمار كأس العالم 2026، يطرح التساؤل نفسه بقوة: "هل طغى صخب الذكاء الاصطناعي على بريق النجوم؟ وهل تحوّل اللاعب من فنان فوق العشب الأخضر إلى مجرد "نقطة بيانات" خاضعة للتحليل؟"

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كأس العالم 2026.. واقعة مروعة أمام ملعب تدريب المنتخب الإيراني
* list 2 of 2 مباشر مباراة أمريكا ضد باراغواي في كأس العالم 2026.. لحظة بلحظة end of list

الموهبة لم تعد كافية

في السابق، كان الفوز بكأس العالم يُعزى غالبا إلى وجود "عبقري" أو لاعب استثنائي في التشكيلة قادر على حسم النتيجة بلمسة واحدة. لكن اليوم، أثبتت الفرق الكبرى أن الموهبة وحدها أصبحت "مادة" تحتاج إلى صقل لتحويلها إلى ماسة نادرة. ويمثل المنتخب البرازيلي، صاحب الألقاب الخمسة، النموذج الأبرز لهذا التحول.

فبعد سنوات من الخيبات التي تلت حقبة الأساطير، أيقن الـ"سيليساو" أن الاستعانة بـ "المساعد التقني" الأكثر تطوراً ربما يكون الطريق الوحيد لاستعادة المجد.

خلف الكواليس، يقود غييرمي باسوس، رئيس قسم علوم الرياضات في المنتخب البرازيلي، فريقاً من العلماء الذين يراقبون النجوم عبر تكنولوجيا قابلة للارتداء.

هذه "السترات الذكية" ليست مجرد أجهزة إضافية، بل هي "عين المدرب" التي لا تنام، حيث تراقب كل تفصيلة، من سرعات الركض ومعدلات ضربات القلب، وصولاً إلى مستويات الإجهاد وخطط التعافي. الهدف ليس تقييد اللاعب، بل تزويد المدير الفني، الإيطالي كارلو أنشيلوتي، بخرائط طريق دقيقة قبل اتخاذ القرارات المصيرية.

السترة الذكية.. منظومة التوأمة الرقمية

لا يقتصر دور التكنولوجيا على وقت التجمع الدولي، بل يمتد ليشمل الموسم كاملاً. ويتم نقل بيانات اللاعبين المنتشرين في دوريات العالم المختلفة إلى قاعدة بيانات المنتخب الوطني بشكل يومي.

لكن هذا النهج يواجه تحدياً فريداً. كيف توحد أداء لاعبين يلعبون في بيئات تكتيكية وبدنية متباينة؟ الجواب يكمن في "البيانات الموحدة".

إعلان

تسمح هذه التقنيات لطاقم البرازيل بمراقبة اللاعبين بفعالية حتى وهم على بعد آلاف الأميال، مما يجعل الجهاز الفني على دراية كاملة بحالة كل لاعب قبل وصوله إلى المعسكر.

هذه الرؤية تعد أصلا إستراتيجيا لا يقدر بثمن، خاصة عند إدارة إعادة التأهيل من الإصابات الشائعة مثل أوتار الركبة. العلم هنا يفرض كلمته بحسب باسوس الذي يقول لـ"بي بي سي": إذا أظهرت البيانات أن وتيرة تعافي العضلة تتطلب خطوات تدريبية محددة، فإن الجهاز الفني لا يملك ترف "المجازفة" بالموهبة، بل يلتزم بالبروتوكول العلمي.

مصدر الصورة التدريبات باتت مرصودة رقمياً (الأوروبية)

بوسطن ليغاسي ودروس الفعالية

في سياق استكشاف التطورات التقنية، تبرز تجارب مثل تلك التي يعيشها فريق "بوسطن ليغاسي". هناك، أصبح "حمل اللاعب" هو المعيار الذي يفرق بين الهواة والمحترفين.

ويوضح دان جونز، مدير الصحة والأداء في النادي، أن التكنولوجيا تستخدم لدفع اللاعبين لأقصى حدودهم مع ضمان عدم تجاوز "خط الخطر".

بات الفارق الجوهري اليوم هو القدرة على "التنبؤ"، فبينما كان المدربون قديماً ينتظرون وقوع الإصابة، تحلل نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم الأنماط لرصد بوادر الإرهاق قبل وقوع الإصابة. هذا التحوّل من "رد الفعل" إلى "الاستباق" جعل من اللياقة البدنية عملية إدارية دقيقة، لا تخضع لمزاج اللاعب أو رغبته في التدريب الإضافي، بل لجدول بيانات يحدد السعة القصوى لكل جسم.

معضلة "البيانات الخادعة" وذكاء القرار

رغم الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، يظل هناك مفهوم خاطئ يجب تصحيحه. المزيد من البيانات لا يعني تلقائيا قرارات أفضل. يضرب باسوس مثالا بليغا للاعب يغطي مسافة 6 كيلومترات فقط في المباراة، وهو رقم ضئيل، لكن التحليل الفني للمقاطع المصورة يكشف أن اللاعب كان دائما في المكان التكتيكي "المثالي"، وهذا يؤكد حقيقة ثابتة: كرة القدم ليست سباقاً لألعاب القوى.

البيانات ترسم الصورة، لكن "البصيرة البشرية" هي من تختار الزاوية. أحياناً تظهر البيانات أن لاعباً في قمة أدائه البدني، لكن المدرب يقرر استبعاده لأن "الذكاء التكتيكي" أو "الحالة الذهنية" لا تتناسب مع الخطة. هنا تبرز أهمية التكنولوجيا كأداة "إضاءة" لا أداة "حكم".

عندما انتصرت الأرقام في النهائيات

تاريخيا، كان التخطيط الرقمي وراء لحظات تاريخية. في نهائي كأس العالم 2014، كان قرار يواخيم لوف بإشراك ماريو غوتزه مبنياً على بيانات أداء دقيقة أظهرت فعالية غوتزه في التدريبات. لم تكن صدفة، بل كانت نتيجة تحليل دقيق للسرعة والمسافة والفعالية. كذلك، كانت ركلات ترجيح المنتخب الإنجليزي في 2018 بمواجهة كولومبيا نتيجة مسار سري لتحليل سلوك اللاعبين تحت الضغط، محولين لحظة الرعب التاريخية إلى مسألة رياضيات مدروسة.

هذا التطور بلغ ذروته في كأس العالم 2022 بقطر، حيث استخدم نظام تتبع يرصد 29 نقطة في جسم كل لاعب، مع مستشعرات داخل الكرات تُحدث البيانات 500 مرة في الثانية. لقد تحوّل المشهد من "مشاهدة تسجيلات الخصم" إلى "محاكاة التكتيكات" عبر الذكاء الاصطناعي.

مصدر الصورة لاعبو منتخب ألمانيا يحتفلون بهدف ماريو غوتزه في نهائي مونديال 2014 (رويترز)

هل استغنى المدرب عن مقعده؟

السؤال الملح الذي يطرح نفسه حاليا، هل سحب الذكاء الاصطناعي البساط من المدرب؟ الإجابة تكمن في إعادة تعريف الدور، فالمدرب اليوم أصبح "مديراً تقنياً". التكنولوجيا لم تُلغِ دور المدرب، بل منحت "سلطة المعرفة". لقد أصبح القرار الفني نتاج طبقات من التحليل الرقمي الذي يكشف جوانب كانت غائبة.

إعلان

ومع ذلك، تظل كرة القدم "لعبة بشرية" بامتياز. الخوارزميات تقدم الاحتمالات، لكن المدير الفني هو المسؤول عن "المخاطرة" التي تصنع الفوز. لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزرع "روح القيادة" في غرفة الملابس، أو أن يختار اللحظة التي يقرر فيها اللاعب "التضحية" بروحه من أجل الفريق. تلك اللحظات الإبداعية الفردية، والقرارات الشجاعة في أجزاء من الثانية، هي المساحات التي ستظل ملكاً للإنسان وحده.

الخصوصية في مهب الخوارزميات

هذا التوغل الرقمي غير المسبوق يضعنا أمام واقع جديد إذ تتحول الأجساد البشرية للاعبين إلى "أصول تجارية" عالية القيمة، مما يفتح الباب واسعاً أمام معضلات أخلاقية وقانونية معقدة.

ومع تزايد الاعتماد على "التوأمة الرقمية" وتحليل ملايين البيانات البدنية والحيوية، تبرز تساؤلات حادة بشأن من يمتلك فعليا هذه المعلومات الشخصية شديدة الحساسية.. هل هي ملك للنادي الذي دفع ثمن التكنولوجيا، أم للمنتخب الوطني، أم أنها حق أصيل للاعب نفسه؟

وتتعاظم هذه الإشكالية في ظل غياب أطر قانونية واضحة تنظم استخدام هذه البيانات في مفاوضات العقود، أو تحديد القيمة السوقية للاعب، أو حتى احتمالات التمييز ضده بناءً على خوارزميات تتنبأ بـ "احتمالات إصابة عالية"، وهو ما قد يضع مسيرة اللاعب المهنية تحت رحمة تقييم تقني قد يكون قابلاً للخطأ أو التحيز.

هذه التساؤلات تثير جدلاً متصاعداً بشأن "الحق في الخصوصية" داخل أروقة كرة القدم الاحترافية، فهل يمتلك اللاعب حق الرفض أو الاعتراض على قياس بياناته الحيوية الدقيقة؟ أم أن الانخراط في "اللعبة الحديثة" يفرض عليه التنازل الضمني عن خصوصيته مقابل البقاء في دائرة المنافسة؟

إن تحوّل اللاعب إلى "مصدر بيانات مستمر" يجعل جسمه كتاباً مفتوحاً أمام الأجهزة الفنية والشركات التقنية، مما يطرح تحدياً جوهرياً حول التوازن بين طموح المنتخبات في تحقيق الفوز عبر تحليل الأداء، وبين حماية حقوق الرياضي من أن تتحول بياناته الشخصية إلى أداة للتحكم في مستقبله أو تصنيفه كسلعة تقنية قابلة للاستبدال بمجرد أن تشير الأرقام إلى تراجع كفاءته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا