في قلب ولاية "سارلاند" الألمانية، لم يكن أحد يتخيل أن قرية "سبيسن-إلفرسبيرغ" الهادئة التي يقطنها 13 ألف نسمة فقط، أصبحت منذ أيام حديث الصحافة العالمية.
لقد كتب نادي إس في إلفرسبيرغ فصلاً جديداً من فصول "المستحيل" في كرة القدم، محققاً صعوداً تاريخياً إلى الدوري الألماني الممتاز (البوندسليغا) لأول مرة منذ تأسيسه عام 1907.
هذا الإنجاز التاريخي تحقق في الجولة الأخيرة من الدوري الألماني الدرجة الثانية، بفوز 3-0 على بروسن مونستر، وهي نتيجة ضمنت المركز الثاني في الجدول والترقية المباشرة إلى الدرجة الأولى.
لم تكن رحلة إلفرسبيرغ مجرد صعود عادي، بل كانت قفزة "صاروخية" حطمت كل الحسابات المنطقية. ففي عامي 2022 و2023، حقق النادي صعودين متتاليين، ليصل إلى دوري الدرجة الثانية الألماني (البوندسليغا 2) للمرة الأولى.
وفي غضون ثلاثة مواسم فقط، انتقل الفريق إلى مصاف النخبة، متجاوزاً أندية تاريخية تمتلك ميزانيات تفوق ميزانيته بأضعاف مثل شالكه وهانوفر ونورنبرغ وكايزرسلاوترن وبوخوم.
خلف هذا النجاح، تبرز وصفة فريدة تمزج بين الاستقرار الإداري والتمويل الذكي. النادي مدعوم من شركة "أورسافارم" للأدوية، المتخصصة في قطرات العين، والتي تملكها عائلة "هولزر" ابنة المنطقة.
لم يكن التمويل مجرد ضخ عشوائي للأموال، بل كان استثماراً في الهيكل التنظيمي؛ حيث حولت العائلة النادي بقيادة الرئيس فرانك هولزر إلى مؤسسة احترافية تعمل بدقة المختبرات الطبية، مع الحفاظ على هوية النادي كملك لجمهور القرية.
في مقابلة مع مجلة "كيكر" (Kicker)، أوضح هولزر فلسفة النادي قائلاً: "لا نريد أن نكون نادياً سطحياً. نحن من أبناء المنطقة ونستثمر فيها، تُخصص الأموال للبنية التحتية والتدريب، وليس للتعاقد مع النجوم".
لم يعتمد إلفرسبيرغ في مسيرة الصعود على الحظ أو الدفاع، بل فرض سطوته عبر "هوية هجومية" واضحة، تجلت في تسجيله 64 هدفاً جعلته يتربع على عرش أقوى هجوم في دوري الدرجة الثانية بقيادة الهدافين لوكاس بيتكوف (13 هدفاً) ويونس بن طالب (12 هدفاً).
وبهذا السجل التهديفي المرعب، تحول ملعبه "أورسافارم أرينا" من مجرد ملعب قروي إلى مقبرة للكبار وحصن منيع ضمن له الصعود.
المفارقة المذهلة تكمن في سعة الملعب التي تبلغ 15 ألف متفرج؛ وهذا يعني أنه في حال امتلاء المدرجات، فإن القرية بأكملها تكون داخل الملعب، ومع ذلك يتبقى ألفا مقعد إضافي للزوار. إنه مشهد مذهل يختصر حكاية نادٍ أصبح أكبر من جغرافيا مكانه.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ فقد واجه النادي تحديات كبرى كادت أن تعصف بأحلامه، أبرزها رحيل "مهندس الصعود" المدرب هورست ستيفن والمدير الرياضي الداهية "نيلز-أولي بوك" الذي خطفه بوروسيا دورتموند.
لكن النادي أثبت أن نظامه أقوى من الأفراد، فجاء المدرب "فينسنت فاغنر" البالغ 40 عاماً ليواصل المسيرة بنفس النضج التكتيكي والضغط العالي الخانق الذي يرفض الاكتفاء بالتعادل.
وخلال 34 مباراة خاضها هذا الموسم، حقق إلفرسبيرغ 18 فوزاً و8 تعادلات ومثلها خسارة، لينهي الموسم في مركز الوصافة بـ62 نقطة خلف شالكه المتصدر (70 نقطة) الذي عاد إلى دوري النخبة.
قصة إلفرسبيرغ هي رسالة لكل الأندية الصغيرة بأن النجاح ليس مجرد صدفة أو ضربة حظ، بل هو ثمرة الاستمرارية وفلسفة النفس الطويل في كرة القدم.
من خلال التعاقد مع لاعبين "مظلومين" في الفرق الرديفة للأندية الكبرى، وصقل مواهبهم في بيئة هادئة بعيدة عن ضغوط الإعلام، استطاع هذا النادي القروي أن يثبت أن حجم الحلم لا يقاس بعدد السكان، بل بعمق التخطيط.
الموسم المقبل، ستستعد قرية سبيسن-إلفرسبيرغ لاستقبال عمالقة مثل بايرن ميونخ وبوروسيا دورتموند. قد تكون القرية مجرد نقطة صغيرة على الخريطة، لكنها في عالم كرة القدم اليوم، أصبحت منارة تضيء طريق الطموح للجميع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة