يعيش نادي إن إي سي نيميغن الهولندي موسما استثنائيا بكل المقاييس، بعدما خرج من عباءة الفرق الهامشية ليقتحم دائرة الضوء، ويصبح على أعتاب كتابة تاريخ جديد قد يجمع بين الألقاب والحضور الأوروبي غير المسبوق.
على مدار 125 عاما، لم يعرف نيميغن طريق الألقاب الكبرى، وظل بعيدًا عن دائرة الكبار في الدوري الهولندي. لكن موسم 2025-2026 قلب كل المعادلات؛ فالفريق بات على بعد خطوة من إنجاز تاريخي، سواء عبر بلوغ نهائي الكأس أمام إيه زد ألكمار، أو حتى المنافسة غير المتوقعة على مقعد في دوري أبطال أوروبا.
قبل انطلاق الموسم، منحت نماذج التوقعات الصادرة عن حاسوب (أوبتا) العملاق الفريق فرصة لا تتجاوز 1.6% فقط لإنهاء الموسم ضمن المركزين الأول أو الثاني، و4.7% فحسب لاقتحام المراكز الثلاثة الأولى، وهي أرقام عكست حينها نظرة متحفظة لطموحات الفريق، ووضعته في خانة المنافسين الثانويين بعيدًا عن دائرة الصراع الحقيقي على القمة.
لكن مع تغير ملامح الموسم وتوالي النتائج الإيجابية، انقلبت المعادلة بشكل لافت. فقبل ست جولات فقط من خط النهاية، قفزت هذه النسب إلى 22.4% لإنهاء الموسم في المركزين الأول أو الثاني، و63% للتواجد ضمن الثلاثة الأوائل، في تحول إحصائي يعكس حجم الطفرة التي حققها الفريق على أرض الواقع، ومدى تجاوزه لكل التوقعات المسبقة.
ولعل الأهم من هذه الأرقام، أن الفريق لم يعد مجرد حالة مفاجئة عابرة، بل أصبح طرفًا حقيقيًا في سباق اللقب، ينافس أندية عريقة ذات تاريخ ثقيل وخبرة طويلة مثل فاينورد وأياكس، ما يؤكد أن ما يقدمه ليس مجرد فورة مؤقتة، بل مشروع تنافسي قادر على فرض نفسه في أعلى مستويات الكرة الهولندية.
التحول الكبير في نيميغن يحمل توقيع المدرب ديك شرويدر، الذي تبنّى أسلوبًا هجوميًا مفرطًا قائمًا على مبدأ بسيط لكنه محفوف بالمخاطر: الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع. هذه الفلسفة ليست وليدة اللحظة، بل تُعد امتدادًا لنهجه المعروف، إذ سبق له أن قاد كاستيون للصعود إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني في موسم 2023-2024، محققًا رقمًا تهديفيًا لافتًا بلغ 74 هدفًا، في تجربة كشفت مبكرًا عن ملامح مدرب لا يؤمن بأنصاف الحلول.
في نيميغن، يترجم شرويدر هذه القناعة عبر اعتماد رسم تكتيكي أقرب إلى المغامرة الدائمة، غالبًا ما يتمثل في 3-4-3، مع منح حرية واسعة للمدافعين للتقدم والمشاركة في البناء الهجومي.
هذا التوجه يخلق كثافة عددية كبيرة في الثلث الأخير، ويجعل الفريق حاضرًا باستمرار في مناطق الخصم، لكنه في المقابل يترك خلفه مساحات واضحة تُستغل بسهولة في التحولات العكسية، ما يجعل الفريق يعيش دائمًا على حافة التوازن بين الإبداع والانكشاف.
الأرقام تعكس هذه الازدواجية بوضوح؛ فقد سجل نيميغن ثاني أعلى عدد من الأهداف في الدوري هذا الموسم (69 هدفًا)، لكنه في الوقت ذاته استقبل 47 هدفًا، وهو رقم يفوق ما استقبلته أكثر من 10 فرق من أصل 17، ما يوضح الثمن الدفاعي الباهظ لهذا النهج. وكنتيجة مباشرة، تحولت مبارياته إلى عروض مفتوحة ومليئة بالإثارة، بإجمالي تهديفي بلغ 116 هدفًا، وهو الأعلى من حيث الغزارة.
هذه الفلسفة يمكن اختصارها في معادلة "المخاطرة مقابل المكافأة"، حيث لا مكان للحلول المحافظة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في مواجهاته أمام المتصدر بي إس في آيندهوفن ؛ إذ خسر نيميغن اللقاء الأول بنتيجة 5-3 في مباراة جنونية مفتوحة، قبل أن يرد لاحقًا بانتصارين مثيرين بنفس النتيجة (3-2)، أحدهما في الكأس والآخر في الدوري، ليحقق إنجازًا تاريخيًا تمثل في أول فوز خارج أرضه على بي إس في، في مشهد يلخص تمامًا هوية فريق يراهن على الجرأة حتى النهاية.
سجل نيميغن أهدافًا في 26 من أصل 27 مباراة هذا الموسم، محققًا سلسلة تهديفية تاريخية بلغت 17 مباراة متتالية، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ النادي ويعكس مستوى استثنائي من الانتظام الهجومي والثبات أمام المرمى.
ويقود هذا الزخم الهجومي القائد المخضرم تجارون شيري، الذي ساهم بشكل مباشر في 15 هدفًا، ما بين تسجيل وصناعة، بالإضافة إلى دوره المحوري في بناء اللعب وتحريك الفريق من العمق إلى الأمام. حضور شيري يعكس الخبرة والقدرة على التحكم بالإيقاع وسط دينامية الفريق الهجومية العالية.
كما يبرز الياباني كوداي سانو، الذي يجمع بين الأداء الدفاعي وصناعة اللعب، ويُعد من أكثر لاعبي الدوري استعادةً للكرات، مانحًا الفريق التوازن المطلوب بين الضغط الهجومي والصلابة الدفاعية. وفي المقدمة، يواصل المهاجم المخضرم بريان لينسن تقديم الفعالية والتهديفية العالية، مستفيدًا من أسلوب الفريق القائم على التحركات المستمرة وخلق المساحات، ما يجعله دائمًا الخيار الأخطر أمام مرمى الخصوم.
لا يقتصر تميز نيميغن على اللعب بالكرة، بل يمتد إلى العمل دونها. الفريق يُعد من الأكثر ضغطًا في الدوري، ويُجيد استعادة الكرة في مناطق متقدمة، ما يمنحه أفضلية هجومية سريعة وحسب تحليلات (أوبتا) يعد الفريق:
هذه السيطرة الميدانية الواضحة بنسبة استحواذ هجومي مرتفع تعكس هوية فريق لا يعرف التراجع، بل يهاجم حتى بدون الكرة.
حقق نيميغن بالفعل 19 فوزًا هذا الموسم، وهو رقم يقترب من أفضل سجل له تاريخيًا، ما يعكس مستوى استثنائيًا من الثبات والأداء المتوازن بين الهجوم والدفاع، لكنه في الوقت نفسه يمثل تمهيدًا لتحدٍ أكبر وأصعب. فمع تبقي ست مباريات فقط في الدوري، تبدو جميعها وكأنها نهائيات حقيقية، حيث كل نقطة وكل هدف قد تصنع الفرق بين التاريخ والمألوف.
التتويج بكأس هولندا سيشكل إنجازًا تاريخيًا بحد ذاته، لكن الاحتمال الأكثر إثارة يتمثل في التأهل إلى دوري أبطال أوروبا، وهو احتمال لم يكن مطروحًا في أي سيناريو قبل بداية الموسم، وقد يفتح صفحة جديدة بالكامل في سجل النادي ويعيد تعريف مكانته على الخريطة الأوروبية.
ما يقدمه نيميغن هذا الموسم لا يمكن اعتباره مجرد طفرة مؤقتة، بل نموذج واضح لفريق قرر كسر القواعد التقليدية. بأسلوب هجومي جريء ومخاطرة محسوبة، بقيادة المدرب شرويدر الذي أعاد تعريف سقف الطموح، وقد يكون بصدد كتابة واحدة من أكثر القصص إثارة وإبداعًا في كرة القدم الأوروبية الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة