تحوّل شهر رمضان في الملاعب الأوروبية والعالمية، في كثير من الأحيان، إلى ساحة للصراع بين قناعات اللاعبين وإيمانهم وفلسفة المدربين وتقديرات المعدين البدنيين، فبينما يرى اللاعب الصيام واجبا روحيا يمنحه قوة إضافية، يراه بعض المدربين عائقا أمام الأداء العالي.
وهكذا حين يحل شهر رمضان، تنقسم الملاعب الأوروبية إلى معسكرين: لاعب يرى في الجوع والعطش "وقودا للروح"، ومدرب يرى في "المعدة الخاوية" تهديدا لمنظومته الميكانيكية.
الخلاف بين اللاعبين والمدربين غالبا ما يكون تقنيا بحتا:
غالبا ما يُنظر إلى الصيام على أنه تحد إضافي قد يؤثر في الجاهزية البدنية والذهنية للاعبين، خاصة في المباريات الكبرى ذات الإيقاع العالي.
لكن التاريخ الكروي يحتفظ بلحظات مدهشة أثبت فيها عدد من النجوم أن الإرادة يمكن أن تتغلب على كل الصعوبات:
كان هذا الصدام من أحدث وأبرز المواقف؛ إذ وضع المدرب الفرنسي كومبواريه قاعدة صارمة تقضي باستبعاد أي لاعب يرفض الإفطار في يوم المباراة.
التزم جميع اللاعبين المسلمين في الفريق بالإفطار يوم المباراة، إلا الجزائري جوان حجام، الذي تمسك بصيامه، ونتيجة لذلك استبعده كومبواريه من قائمة الفريق مباريات عدة، وصرح علانية "أنا أحترم صيامهم، لكن في يوم المباراة لا يجوز أن يصوموا. القواعد واضحة ومن لا يلتزم بها يستبعد".
بعد تعادل إنتر ميلان مع باري في إحدى جولات الدوري الإيطالي لكرة القدم، انتقد مورينيو لاعبه الغاني سولي علي مونتاري علانية، مشيرا إلى أن الصيام أفقده طاقته.
وقال مورينيو "مونتاري كانت لديه بعض المشاكل المتعلقة برمضان، ربما مع هذا الطقس الحار لم يكن من الجيد له أن يصوم".
وأثار هذا التصريح غضب الجمعيات الإسلامية في إيطاليا، واعتبره البعض تدخلا في شؤون اللاعب الخاصة، مما دفع مورينيو لاحقا إلى توضيح أنه لم يقصد الإساءة للدين بل كان يتحدث من منظور طبي.
رغم أن أزمة "كنيسنا" الشهيرة في مونديال 2010 كانت لأسباب انضباطية عامة، إلا أن "الصيام" كان أحد بؤر التوتر الخفية.
في تلك الفترة، كان عدد من لاعبي المنتخب الفرنسي (مثل فرانك ريبيري ونيكولا أنيلكا) يرغبون في الصيام.
لكن المدرب ريمون دومينيك رفض الفكرة تماما، ورأى أنها تؤثر على التوازن البدني في بطولة مجهدة بحجم كأس العالم، مما زاد من حدة الفجوة والصراعات الشخصية بينه وبين اللاعبين المسلمين في الفريق.
وقع صدام شهير بينهما ليس بسبب الصيام فقط، بل بسبب "قنينة ماء" في نهار رمضان. فأثناء معسكر تدريبي، عرض رونار الماء على مزراوي، لكن الأخير رفض لأنه كان صائما.
استشاط المدرب غضبا واعتبر الرفض "قلة احترام" لتعليماته بصفته مدربا، واستبعد مزراوي فترة طويلة من المنتخب (حوالي سنتين)، ولم تعد المياه لمجاريها إلا بتدخلات إدارية لاحقا.
1. غوستافو بويت ونبيل بن طالب (شالكه – 2019): استبعدت إدارة النادي النجم الجزائري نبيل بن طالب من تدريبات الفريق الأول وأرسلته للتدرب مع الفريق الرديف.
وأشارت التقارير حينها إلى أن "إصرار بن طالب على الصيام" كان أحد الأسباب التي أغضبت الإدارة والمدرب، بحجة أن ذلك يؤثر على التزامه بالبرنامج الغذائي للنادي.
2. يورغن كلوب وساديو ماني ومحمد صلاح: خلافا للصراعات السلبية، كان مدرب نادي ليفربول يورغن كلوب دائما نموذجا إيجابيا، لكنه اعترف بوجود "تحديات".
ففي نهائي دوري أبطال أوروبا 2018، كان هناك جدل كبير حول صيام صلاح وماني، وقال كلوب يومها "أنا أحترم دينهما، لقد جاءا أحيانا للتدريب وهما صائمان وكانا رائعين".
ولكن الضغوط الإعلامية والطبية في النادي كانت دائما تخلق حالة من التوتر الصامت حول كيفية الموازنة بين الدين والنهائي الكبير.
3. فرانك ريبيري ولويس فان خال (بايرن ميونخ): كان فان غال مدربا "عسكريا" لا يقبل النقاش. وصرح اللاعب الفرنسي فرانك ريبيري لاحقا أن علاقته به كانت سيئة جدا، وكان أحد أسباب الخلاف هو رغبة ريبيري في ممارسة شعائره الدينية (بما فيها الصيام) بحرية، وهو ما كان يراه فان غال "فوضى" تضر بالنظام البدني الصارم.
4. المدرب في الدوري الفرنسي كريستوف غالتييه: في عام 2023، تسربت اتهامات لغالتييه (عندما كان مدربا لنادي نيس) بأنه كان يشتكي من عدد اللاعبين المسلمين في الفريق ويطلب منهم عدم الصيام، مما أدى لاحقا إلى فتح تحقيقات جنائية معه بتهمة التمييز، وهي القضية التي هزت الوسط الرياضي الفرنسي.
تحوّل صيام اللاعبين المسلمين في الدوريات الأوروبية من مجرد "مسألة شخصية" إلى قضية رأي عام رياضي، تتقاطع فيها حدود العلم والقدرة البدنية مع حرية المعتقد والبعد الروحي.
عادة ما يتمحور الصراع بين "النتائج الفورية" التي يسعى المدرب لتحقيقها، و"الهوية والروحانية" التي يتمسك بها اللاعب، وهي معادلة ما زالت تثير الجدل في الملاعب الأوروبية.
ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا من سياسات التضييق والصدام إلى محاولات للتعايش والاحتواء، ففي الدوري الإنجليزي ومنذ عام 2021 بات يسمح لللاعبين الإفطار أثناء المباريات.
كما جرت العادة في السنوات الأخيرة أن يتم التنسيق مسبقا بين قادة الفرق وطواقم التحكيم للاتفاق على "وقفة مؤقتة" في اللعب؛ وذلك عند أول توقف طبيعي (كركلة مرمى أو ركلة حرة أو رمية تماس).
وتمنح هذه الاستراحة القصيرة اللاعبين الصائمين الفرصة لتناول الماء أو مشروبات الطاقة والمكملات الغذائية السريعة لاستعادة نشاطهم.
تعود جذور هذه اللفتة الإنسانية إلى عام 2021، حين شهدت مباراة ليستر سيتي وكريستال بالاس أول توقف رسمي من نوعه للسماح للاعبين بالإفطار.
ومنذ تلك اللحظة، تحول الإجراء إلى ممارسة معتادة تعكس مرونة الدوري الإنجليزي في التعامل مع احتياجات نجومه المسلمين، أمثال محمد صلاح وويليام صليبا وريان آيت نوري وأماد ديالو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة