في صباح شتوي عام 1967، جلست جوسلين بيل، طالبة الدكتوراه في سن الرابعة والعشرين، وسط مئات الأميال من الأسلاك والهوائيات الراديوية الممتدة في مرصد مولارد للفلك الراديوي قرب كامبريدج.
كانت جوسلين قد عملت سنتين على بناء هذا الجهاز العملاق، الذي يشبه في شكله إطارا زراعيا، يمر عبره كل خط سلكي وكابل، كأنه شجرة شبكية ضخمة تمتد فوق مساحة 57 ملعب تنس.
بينما كانت تلك الطالبة تتفحص المخططات المسجلة من التلسكوب، لاحظت شيئا غريبا، إنه تذبذب صغير، جزء من عشرة ملايين فقط، يظهر بشكل متقطع على أحد الصفوف. لم يكن يشبه أي شيء درسته من قبل، فقد كان يظهر أحيانا، ويختفي أحيانا، كأن السماء تخبئ سرها لها.
في البداية خطر ببال جوسلين ومشرفها أنتوني هيويش احتمال أن يكون مصدر هذا النبضات كائنات فضائية، فأطلقت عليه جوسلين لاحقا "الأقزام الخضر" (Little Green Men) واعتبرتها مزحة على المخططات، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الإشارة تتكرر من جزء آخر من السماء، مستبعدة بذلك أي احتمال غريب.
للأسف، لم تكن الإشارات قادمة من أية من مخلوقات فضائية، بل كانت نبضات دقيقة قادمة من قلب نجم منفجر لم يكتشف أحد مثلها من قبل.
وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1967، وعلى شاشة العرض، ظهرت النبضات بانتظام كل 1.3 ثانية، ثابتة ودقيقة، كأنها ساعة كونية متناثرة عبر المجرة. كان هذا هو أول نجم نابض مكتشف، الذي أصبح لاحقا يعرف باسم CP1919، أو بلسار كامبريدج عند خط الطول 19 ساعة و19 دقيقة.
وفي 24 فبراير/شباط 1968، أعلن الاكتشاف عبر المجتمع الفلكي، وأصبح علامة فارقة في تاريخ علم الفلك.
ورغم أن نوبل الفيزياء عام 1974 ذهبت إلى المشرف هيويش ومارتن رايل، فإن جوسلين لم تشعر بالغضب، فقد تزوجت منه بعد ذلك، وكانت فخورة بأن نجومها هي من أكدت قيمة الفيزياء الفلكية. أصبحت ديم منذ 2007، أول امرأة رئيسة لجمعية إدنبرة الملكية.
كما حصلت جوسلين على أقدم جائزة علمية في العالم تقديرا لاكتشافها النابضات، لتكون الثانية بعد دوروثي كروفوت هودجكن التي تحصل على الميدالية.
وفي 2018، منحتها الدولة جائزة الاختراق الكبرى في الفيزياء الأساسية، فتبرعت بكل مبلغها البالغ 2.3 مليون جنيه استرليني لدعم طلاب الفئات الممثلة تمثيلا ناقصا في الفيزياء، عبر صندوق جائزة "بيل بيرنيل" (اسم عائلتها وعائلة زوجها الثاني) للدراسات العليا، ليظل اكتشاف جوسلين بيل يلهم الأجيال.
واليوم، جوسلين بيل-بيرنل هي أكاديمية زائرة في كلية مانسفيلد، بجامعة أكسفورد، ولا تزال رمزا للشغف والاكتشاف في علم الفلك البريطاني والمجتمع العلمي العالمي.
لا يقتصر طموح الإنسان في الفضاء على بناء المحطات أو استعمار الكواكب، بل يمتد لترك "أثر خالد" في سحيق الكون. ومن أكثر الوسائل ذكاء في هذا الصدد هي خريطة النجوم النابضة التي صممها العالمان كارل ساغان وفرنك دريك.
لقد اختارا النجوم النابضة (النجوم النيوترونية) لتكون بمثابة "منارات كونية"؛ فلكل نجم نابض تردد ونبض فريد وثابت جدا يشبه بصمة الإصبع، مما يجعل أي حضارة ذكية تمتلك تقنيات رصد راديوي قادرة على التعرف عليها فور قراءة البيانات.
ويتجسد هذا المفهوم عمليا في "اللوحة الذهبية"، التي لم تكن مجرد قطعة معدنية، بل رسالة هندسية بالغة الدقة صُممت لتعبر حدود منظومتنا الشمسية، إذ لم تكتفِ اللوحة -التي حُملت على متن مركبات "فوياجر" و"بايونير"- بذكر هذه النبضات، بل رسمت خطوطا شعاعية تنطلق من مركز واحد يمثل موقع الشمس.
وهذه الخطوط لا ترمز فقط للمسافات النسبية، بل تحمل شفرات ثنائية توضح التوقيت الدقيق لكل نبضة، مما يحول اللوحة إلى "بوصلة فلكية" ترشد أي مسافر كوني إلى موقع كوكب الأرض.
إنها النسخة الكونية من الرسائل في زجاجات، تربط بين منجزاتنا الفلكية المعاصرة وأحلامنا الأزلية في التواصل مع عوالم مجهولة عبر رحلة الإنسان المستمرة نحو النجوم.
يدرس العلماء النجوم النابضة لاختبار النسبية العامة على نطاق المجرة، وفهم المادة الكثيفة جدا والمغناطيسية القصوى، وحتى استخدامها كساعات كونية لتحديد المواقع بدقة.
ما بدأ يوما كمخطط غريب على شريط راديوي، تحول إلى نافذة إلى الفيزياء القصوى والكون المجهول، من إشارات يعتقد أنها "أقزام خضر صغار"، إلى نجوم نيوترونية تدور بلا رحمة عبر المجرة، ليؤكد علم الفلك بذلك أن الكون مليء بالأسرار التي تنتظر من يلاحظها بصبر وشغف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة