آخر الأخبار

تساؤلات كبرى حول نشأة الكون المبكر.. أين اختفت المجرات الصغيرة؟

شارك

يبدو أن عدد المجرات الصغيرة في الكون المبكر أقل بكثير مما توقعه العلماء، وهو اكتشاف يحمل تبعات عميقة على فهمنا لتطور الكون وبداياته الأولى. فلطالما افترض علماء الفلك أن الكون في مراحله الأولى كان مكتظا بالمجرات الصغيرة، تلك النسخ المصغّرة من المجرات الكبيرة، والتي كان لها دور محوري في نشر الضوء في العصور الأولى، ولا سيما أثناء ما يُعرف بعصر إعادة التأيين، حين انتقل الكون من حالة مظلمة ومعتمة إلى فضاء شفاف تعبره الأشعة.

إلا أن الدراسات الحديثة، المدعومة برصد غير مسبوق من تلسكوب جيمس ويب الفضائي، تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدا مما كنا نعتقد؛ فالمسألة لا تتعلق بعدد هذه المجرات بقدر ما تتعلق بمدى فاعلية القليل منها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حين تصبح السماء بنية تحتية.. أقمار ستارلينك ومستقبل الفضاء القريب من الأرض
* list 2 of 2 مرصد أوكايمدن.. بوابة المغرب إلى الكون end of list

جيمس ويب يكشف مجرات صغيرة تفوق حجمها الحقيقي

باستخدام قدراته الفائقة على رصد الضوء الخافت القادم من أعماق الكون، تمكّن تلسكوب جيمس ويب من رصد 83 مجرة صغيرة منخفضة الكتلة تعود إلى الفترة التي لم يكن قد مرّ على نشوء الكون فيها سوى أقل من مليار سنة.

وقد أظهرت التحليلات أن نحو 20 من هذه المجرات تمر بحالات مكثفة من التكوين النجمي تُعرف بالانفجارات النجمية، وهي فترات قصيرة تُنتج أثناءها كميات هائلة من النجوم في زمن قياسي.

مصدر الصورة مجرات صغيرة جدا وباهتة في أعماق الكون كانت موجودة في أول مليار سنة بعد الانفجار العظيم (ناسا)

اللافت في هذه المجرات أنها، رغم صغر حجمها وكتلتها، تُصدر إشعاعا فوق بنفسجي قويا يفوق بكثير ما كان متوقعا منها. هذا النوع من الإشعاع هو العنصر الحاسم في تفكيك ذرات الهيدروجين المحايد التي ملأت الكون في بداياته، وهو ما يجعل هذه المجرات مرشحة بقوة للقيام بدور رئيسي في إعادة تأيين الكون.

كيف استطاعت هذه المجرات التأثير في مصير الكون؟

تُظهر البيانات أن المجرات الصغيرة منخفضة الكتلة لها خصائص فيزيائية تجعل تسرب الإشعاع المؤين منها أسهل مقارنة بالمجرات الأكبر. فهي تحتفظ بكميات أقل من غاز الهيدروجين المحيط بها، مما يقلل من امتصاص الأشعة فوق البنفسجية قبل خروجها إلى الفضاء، كما أن الانفجارات النجمية العنيفة داخل هذه المجرات تخلق قنوات وفراغات في الوسط بين النجمي، تسمح للإشعاع بالهروب والانتشار في الوسط الكوني المحيط.

إعلان

وقد عزز العلماء هذا الاستنتاج برصد إشارات ضوئية صادرة عن ذرات أكسجين فقدت إلكترونين، وهو دليل مباشر على وجود إشعاع فوق بنفسجي شديد الطاقة في تلك البيئات. ويُعتقد أن هذا الإشعاع نفسه هو الذي ساهم في إزالة "ضباب" الهيدروجين، الذي خيّم على الكون في أول مليار سنة من عمره.

الثقوب السوداء الخفية: محرّك غير مرئي لقوة المجرات الصغيرة

وتشير دراسات أخرى إلى أن هذا النشاط العنيف في بعض المجرات الصغيرة قد لا يكون ناتجا عن تكوّن النجوم وحده، بل قد يرتبط أيضا بوجود ثقوب سوداء نشطة في مراكز هذه المجرات القزمة. فقد أظهرت أبحاث حديثة أن حتى أصغر المجرات يمكن أن تؤوي ثقوبا سوداء كبيرة نسبيا، تطلق رياحا قوية من الغاز وإشعاعا عالي الطاقة.

هذا النشاط قادر على طرد الغاز من داخل المجرة، وفتح قنوات تسمح للأشعة فوق البنفسجية بالهروب إلى الفضاء المحيط، ما يعزّز قدرتها على التأثير في الوسط الكوني والمساهمة في عملية إعادة التأيين. وبذلك، تبدو هذه الثقوب السوداء عاملا إضافيا قد يفسّر كيف استطاعت مجرات صغيرة الحجم إحداث تأثير كوني يفوق حجمها بكثير.

مصدر الصورة تصوّر فني للرياح التي يولّدها ثقب أسود في مركز إحدى المجرات (المرصد الأوروبي الجنوبي)

ما المقصود بهذه المجرات الصغيرة؟

المقصود هنا هو فئة من المجرات القزمة منخفضة الكتلة تمر بمراحل من النشاط النجمي العنيف، هذه المجرات تحتوي على أعداد محدودة من النجوم مقارنة بالمجرات الكبيرة مثل درب التبانة، وغالبا ما تكون غير منتظمة الشكل، وذات لون أزرق ناتج عن وفرة النجوم الشابة الساخنة.

ورغم بساطتها الظاهرية، تُعد هذه المجرات مختبرات طبيعية لدراسة تشكل النجوم في البيئات القاسية للكون المبكر، إذ يكشف سلوكها كيف يمكن لبُنى صغيرة نسبيا أن تُحدث تأثيرات كونية واسعة النطاق.

عدسات الجاذبية تفتح نافذة على الكون السحيق

للوصول إلى هذه المجرات شديدة البعد والخفوت، اعتمد العلماء على ظاهرة العدسات الجاذبية، مستخدمين عنقود المجرات المعروف باسم "آبيل 2744" أو عنقود باندورا. تعمل الكتلة الهائلة لهذا العنقود على تشويه وتكبير الضوء القادم من المجرات الواقعة خلفه، وهو ما يسمح لتلسكوب جيمس ويب برصد مجرات تعود إلى السنوات المليار الأولى من عمر الكون.

وتشير الملاحظات إلى أن هذا النوع من المجرات نادر جدا في الكون القريب اليوم، إذ لا يشبهها سوى نحو 1% من المجرات المحيطة بدرب التبانة، لكنها كانت أكثر شيوعا بكثير في العصور الأولى، حين كان الكون في طور التحول من الظلام إلى النور.

مصدر الصورة مقارنةً بمجرة درب التبانة الخاصة بنا (يسارا)، تُعدّ المجرات القزمة فائقة الاكتناز (يمينا) صغيرة جدا (ناسا)

نحو فهم أعمق لبدايات الكون

تتلاقى هذه النتائج مع دراسات أخرى تشير إلى أن عدد المجرات الصغيرة في الكون المبكر أقل مما افترضته النماذج التقليدية، بسبب ما يُعرف بالقمع في الطرف الخافت لتوزيع المجرات. إلا أن الجديد هنا هو أن القلة التي وُجدت لم تكن ضعيفة التأثير، بل كانت على الأرجح شديدة الكفاءة في إنتاج الإشعاع المؤين.

وهذا يعيد فتح النقاش حول الجهة المسؤولة عن إعادة تأيين الكون، إذ يبدو أن هذه العملية لم تكن نتاج فئة واحدة من المجرات، بل نتيجة تفاعل معقّد بين مجرات صغيرة نشطة ومجرات أكبر، ساهم كل منها بدرجات متفاوتة في جعل الكون شفافا للضوء.

إعلان

مع استمرار تلسكوب جيمس ويب في رصد المزيد من العناقيد المجرية واستخدام العدسات الجاذبية الطبيعية، يتوقع العلماء أن تتضح صورة توزيع المجرات في الكون المبكر بشكل أدق. وقد لا يكون هذا الكون الأولي مزدحما كما تخيلناه سابقا، لكنه بلا شك كان مسرحا لعمليات فيزيائية بالغة القوة، شكّلت الأساس لكل ما نراه اليوم من نجوم ومجرات وهياكل كونية.

بهذه الاكتشافات يبدو أننا لا نكتفي بإضافة تفاصيل جديدة إلى قصة الكون، بل نعيد كتابة فصولها الأولى من جديد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار