رغم مرور سنوات على حظر استخدام المبيدات العضوية الكلورينية، إلا أن دراسة مغربية نشرتها دورية "مارين بوليوشن بوليتن" (Marine Pollution Bulletin)، خرجت بمفاجأة صادمة، وهي أن هذه المبيدات لا يزال لها آثار في مياه بحيرة مارتشيكا، والتي تعرف أيضاً باسم "بحيرة الناظور"، وهي واحدة من أكبر بحيرات الساحل المغربي.
والمبيدات العضوية الكلورينية، مواد كيميائية تم تصنيعها لمكافحة الحشرات والآفات الزراعية، ومن خصائصها الرئيسية الثبات الكيميائي، فلا تتحلل بسهولة في البيئة، وتبقى لفترات طويلة، كما أن لها قابلية للذوبان في الدهون، وهذا يعني أنها تتراكم في الكائنات الحية مثل الأسماك والطيور والإنسان في عملية تسمى "الترسيب الحيوي"، كما أن بعضها قد يسبب مشاكل صحية على المدى الطويل.
وبعد مرور سنوات طويلة على حظر تلك المواد، تثبت الدراسة الجديدة التي أجراها باحثون من جامعة محمد الأول بمدينة وجدة المغربية والمختبر الوطني لدراسات ورصد التلوث بالرباط، أن الثبات الكيميائي لتلك المواد أكبر من أن يقهره عامل الزمن، فلا يزال لها حضور في مياه بحيرة مارتشيكا.
هذه النتائج بالطبع لا تؤشر على مخاطر صحية محتملة، لكنها تفتح الباب لتأمل مخاطر التلوث طويلة الأمد.
وتوصل الباحثون لهذه النتيجة بعد أن اختاروا تسع محطات قياس موزعة بعناية داخل البحيرة، مع تركيز خاص على المناطق القريبة من مصادر محتملة لتصريف الملوثات.
وخلال فصول السنة الأربعة، جمعوا عينات من المياه السطحية، ثم نقلوها إلى المختبر لتحليلها باستخدام تقنية متقدمة تعرف باسم "الكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة"، وهي من أدق الطرق المعتمدة عالمياً للكشف عن الملوثات الكيميائية حتى عند تركيزات شديدة الانخفاض.
ولزيادة دقة النتائج، استخدموا تقنية "المراقبة الانتقائية للأيونات"، التي تسمح بتتبع مركبات محددة دون غيرها.
ومن بين 14 مبيداً عضوياً كلورينياً جرى البحث عنها، فوجئ الباحثون بوجود ثمانية منها في المياه، وتراوحت تركيزات تلك المواد بين 1.43 و24.77 نانوغرام لكل لتر.
وسجلت أعلى مستويات التلوث في منطقة "الخريف" عند مصب قناة بوارغ، وهي قناة مائية اصطناعية تقع في شمال شرق المغرب، وتصب مباشرة في بحيرة مارتشيكا، وتعد أحد أهم مسارات تصريف مياه الري والجريان السطحي الزراعي القادمة من سهل بوارغ الزراعي المحيط بالبحيرة، وهو ما يشير إلى تأثير مياه الري الزراعية القادمة من المنطقة المحيطة بالبحيرة، والتي تحمل معها بقايا كيميائية ظلت عالقة في التربة لعقود قبل أن تجد طريقها إلى البحيرة وتؤثر على جودة المياه.
ورغم تأكيد الدراسة على أن مصدر التلوث مرتبط بالاستخدام التاريخي للمبيدات داخل المنطقة، وليس بانتقال حديث للملوثات، إلا أن ذلك لا يعني إهمال متابعتها، بحسب الدكتورة زليخة إيرزي أستاذة علوم السواحل بكلية العلوم جامعة محمد الأول بمدينة وجدة المغربية.
وتقول زليخة في تصريحات خاصة للجزيرة نت إنه "على الرغم من جهود منع الاستخدام المفرط للمبيدات في الزراعة، فلا تزال البدائل الآمنة بيئياً باهظة الثمن وغير كافية، وفي ظل الوضع الراهن الذي يتسم بالاضطرابات الاقتصادية وتغير المناخ، تزداد الحاجة إلى العلم لإيجاد الوسائل الآمنة الملائمة اقتصادياً".
وتشدد زليخة على ضرورة إعطاء أهمية كبيرة لهذه البحيرة وغيرها، حيث يؤدي تراكم المبيدات بها إلى تهديد التنوع البيولوجي بشكل كامل، موضحة أن الكائنات المقاومة فقط، مثل بعض الطحالب والرخويات الصغيرة، هي التي تبقى على قيد الحياة في هذه المناطق المحصورة، بينما الأسماك والنباتات المائية والميكروبات تتأثر مباشرة بالتلوث، وتكون الطيور هي الأقل عرضة للخطر لأنها تستطيع التنقل بحرية بين البحيرة والبحر المتوسط.
وعن انتقال الملوثات عبر السلسلة الغذائية، قالت زليخة إن الطحالب الملوثة تُستهلك من قبل الأسماك، وهذه السموم يمكن أن تصل إلى الإنسان عند استهلاك الأسماك، مشيرة إلى أن هناك دراسات أخرى أثبتت وجود معادن ثقيلة مثل النحاس تجاوزت الحدود المسموح بها في بعض مناطق البحيرة، والسبب أيضاً هو الجريان السطحي الزراعي القادم
ووصفت زليخة هذه البحيرة بأنها تعتبر نظاما بيئيا هشا للغاية أمام التلوث، مقارنة بالأنهار أو البحار المفتوحة، بسبب طبيعتها الساحلية شبه المغلقة. وأضافت أن الممرات التي تربط البحيرة بالبحر ضحلة أو ضيقة أحياناً، مما يقلل من تجدد المياه ويزيد من تراكم السموم في مناطق معينة.
ولفتت إلى أن هذه المشكلة ليست في المغرب وحدها، فهناك أمثلة مشابهة في بحيرات ساحلية بالبحر الأبيض المتوسط مثل "مار مينور" في إسبانيا و "إيتان دو تو" في فرنسا، وبحيرة "بورولوس" في مصر، وبحيرات "بنزرت" و"تونس" و"إلبايان" في تونس، حيث أدى تراكم المبيدات والملوثات إلى اضطراب التوازن البيئي وفقدان أنواع حيوانية ونباتية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة