أكد وزير العدل السوري الدكتور مظهر الويس أن سوريا بدأت مرحلة جديدة من بناء مؤسسات الدولة على أسس المواطنة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، مشيراً إلى إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية والبدء بمحاكمات علنية للمتورطين في الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال حقبة النظام البائد، مع الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة وأعلى معايير الشفافية.

وجاءت تصريحات الويس خلال مشاركته في أعمال «القمة الدولية للعدالة»، التي استضافتها مدينة إسطنبول التركية يومي 8 و9 تشرين الأول، بمشاركة وزراء عدل وقضاة وخبراء قانونيين من أكثر من 70 دولة، لبحث القضايا القانونية والإنسانية وتطوير المؤسسات القضائية وتعزيز سيادة القانون والتعاون القضائي الدولي

وشدد الوزير على أن تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا يستهدف معالجة آثار المرحلة السابقة وإنصاف الضحايا واستعادة الحقوق وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، مؤكداً أن الحكومة السورية تواصل ملاحقة المتورطين بالانتهاكات على المستويين الوطني والدولي، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

محاكمات علنية وإصلاح قضائي شامل

أوضح الويس أن سوريا تعيش تحولاً تاريخياً ومفصلياً عقب إسقاط منظومة الأسد البائد، بعد عقود من الظلم والاستبداد، وأن المرحلة الحالية تقوم على بناء دولة المواطنة وتعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.

وأشار إلى أن الحكومة أطلقت مساراً شاملاً للعدالة الانتقالية، وبدأت محاكمات علنية للمتورطين في الانتهاكات الجسيمة، تلتزم بضمانات المحاكمة العادلة وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني ومعايير الشفافية.

وأكد أن الهدف من هذه الإجراءات يتمثل في معالجة آثار الانتهاكات السابقة وإنصاف الضحايا وإعادة الحقوق إلى أصحابها، إلى جانب كشف الحقائق ومساءلة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون.

ولفت إلى أن ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب يمثل أحد المرتكزات الأساسية للمرحلة المقبلة، بما يضمن عدم تكرار المآسي التي عاشها السوريون، ويساعد على بناء دولة مستقرة يتساوى جميع مواطنيها أمام العدالة.

وفي ملف الإصلاح القضائي، كشف الويس عن مواصلة العمل على مشروع إصلاحي شامل يستند إلى الإعلان الدستوري الذي يحمي حقوق الإنسان، ويركز على إعادة بناء المؤسسة القضائية وفق معايير الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون.

وأوضح أن المشروع يتضمن تعزيز استقلال القضاء وتمكينه من أداء دوره في حماية الحقوق والحريات، بما يسهم في استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وترسيخ ضمانات العدالة.

مكافحة الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة

تطرق وزير العدل إلى الجهود الأمنية والقانونية التي تبذلها الدولة السورية، مؤكداً أن البلاد تخوض مواجهات حاسمة ضد الإرهاب، وفي مقدمته تنظيم داعش، إلى جانب ملاحقة فلول النظام البائد ومكافحة الجريمة المنظمة.

وأشار إلى أن السلطات السورية تنفذ حملة واسعة لمكافحة تجارة المخدرات، التي شهدت انتشاراً كبيراً خلال حقبة النظام البائد، مؤكداً أن هذه التجارة تراجعت إلى مستويات قياسية بعد سقوط النظام، بحسب ما وصفه بتقديرات المراقبين الدوليين.

واعتبر الويس أن الإجراءات المتخذة في مكافحة المخدرات عززت مكانة سوريا بوصفها شريكاً موثوقاً للمجتمع الدولي في مواجهة هذه الظاهرة، مشدداً على استمرار الجهود الرامية إلى الحد من تهريب المواد المخدرة ومكافحة الشبكات المرتبطة بها.

الاعتداءات الإسرائيلية وازدواجية المعايير الدولية

حذر وزير العدل من تداعيات الاعتداءات والتدخلات الخارجية التي تتعرض لها سوريا خلال مرحلة التعافي وإعادة بناء مؤسساتها، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية.

وأوضح أن هذه الاعتداءات تشمل التوغلات العسكرية وعمليات القصف، إضافة إلى الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى ضم الجولان السوري المحتل، والتي وصفها بأنها باطلة ومخالفة للقانون الدولي وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 497.

كما انتقد التصريحات العدوانية والاستفزازية الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين، مؤكداً التزام سوريا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وأشار الويس إلى أن الممارسات الإسرائيلية تضع قواعد القانون الدولي ومؤسساته أمام اختبار حقيقي، وتسهم في تعزيز الشعور بازدواجية المعايير لدى الشعوب، الأمر الذي يقوض جهود السلام ويضعف الثقة بمنظومة العدالة الدولية.

وشدد على ضرورة تطبيق قواعد القانون الدولي على جميع الدول والأطراف دون استثناء، محذراً من تداعيات الانتقائية في تطبيق المعايير القانونية على مصداقية المؤسسات الدولية.

وأكد أن العالم بحاجة إلى منظومة عدالة دولية تحظى بثقة الشعوب، وتضمن حماية حقوق الإنسان وكرامته، وتلتزم بمعايير موحدة في التعامل مع الانتهاكات، بعيداً عن ازدواجية المعايير.

دعوة إلى شراكة دولية لدعم العدالة وإعادة الإعمار

أكد الويس أن سوريا تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع المجتمع الدولي، وتوسيع مجالات التعاون الإقليمي والدولي، انطلاقاً من إدراكها أن التحديات القانونية والإنسانية المعاصرة تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب تعاوناً فعلياً بين الدول.

وأوضح أن المرحلة الحالية تفرض على سوريا التعامل مع إرث ثقيل خلفته سنوات الحرب، يتضمن تحديات إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق العدالة، وكشف مصير المفقودين، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السوريين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

وشدد على أهمية توفير شراكة دولية حقيقية لمساندة سوريا في مواجهة هذه التحديات، مؤكداً أن البلاد تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي في استعادة مؤسساتها ومعالجة آثار المرحلة السابقة.

وأشار إلى أن التعاون الدولي يمثل عاملاً أساسياً في دعم مسار العدالة الانتقالية وتعزيز الجهود الرامية إلى كشف مصير المفقودين وإعادة الحقوق إلى أصحابها، بما يساعد على تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.

واختتم الوزير كلمته بالتأكيد على انفتاح سوريا على التعاون مع مختلف الدول والمؤسسات الدولية، وحرصها على بناء علاقات قائمة على احترام القانون الدولي والتعاون المشترك، بما يدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وإرساء العدالة والاستقرار.