طرق رئيسية تحت التأهيل وسكك تنتظر العودة.. وزير النقل يكشف خطط إعادة بناء القطاع؟
تتجه خطط تطوير قطاع النقل في سوريا إلى العمل على عدة مسارات بالتوازي، تبدأ من تنظيم المركبات وتعزيز السلامة المرورية، وتمتد إلى إعادة تأهيل المحاور الطرقية الرئيسية، وصولاً إلى استعادة دور السكك الحديدية في نقل البضائع وتخفيف الضغط عن شبكة الطرق.
وتكشف الأرقام التي عرضها وزير النقل الدكتور يعرب بدر، في حديث لـ«الاقتصادية»، عن حجم التحديات التي تواجه القطاع، في ظل وجود ملايين المركبات، وتقادم نسبة كبيرة من أسطول الشاحنات، وتضرر أجزاء واسعة من شبكة السكك الحديدية، بالتزامن مع حركة ترانزيت يومية تفرض أعباء إضافية على الطرق.
وأكد بدر أن الوزارة تنظر إلى النقل بوصفه خدمة أساسية وفي الوقت نفسه قطاعاً اقتصادياً، مشدداً على أن زيادة الرسوم ورفد الخزينة ليست الغاية الأساسية من الإجراءات التي تعمل عليها الوزارة.
ملايين المركبات وملف يحتاج إلى تنظيم
يبلغ عدد المركبات المسجلة في سوريا، وفق بدر، نحو 3.6 ملايين مركبة، بينها قرابة 1.3 مليون سيارة سياحية ونحو 800 ألف دراجة نارية، وهو ما يجعل تنظيم هذا الأسطول جزءاً أساسياً من ملف السلامة على الطرق.
ويبرز ملف الدراجات النارية بصورة خاصة، إذ تعمل الوزارة على مشروع يتيح لأصحاب الدراجات غير المسجلة مهلة لتسوية أوضاعها وإدخالها ضمن السجلات الرسمية، بالتوازي مع معالجة قيادة الدراجات من أشخاص دون السن القانونية.
كما شدد بدر على ضرورة استخدام خوذ تستوفي متطلبات السلامة وتثبيتها بصورة صحيحة، مشيراً إلى أن سعر نموذج الخوذة الذي عرضه يتراوح بين 15 و20 دولاراً.
قانون السير أمام تعديلات جديدة
ويشكل تعديل قانون السير الصادر عام 2008 مساراً آخر ضمن خطة الوزارة، مع توجه لإعادة النظر في قيمة المخالفات بما يتناسب مع التغير الذي طرأ على قيمة العملة خلال السنوات الماضية.
وقال بدر إن الغرامات المقترحة قد تصل قيمتها إلى ما يعادل 100 أو 200 ضعف بعض الغرامات السابقة، موضحاً أن الهدف من رفعها هو تعزيز قدرتها على الردع وليس استخدامها كمصدر لزيادة إيرادات الخزينة.
واستند الوزير في حديثه إلى تجربة تطبيق إجراءات السلامة بين عامي 2008 و2010، قائلاً إنها أدت حينها إلى تراجع وفيات حوادث المرور بنسبة 24% خلال ثلاث سنوات.
ولفت إلى أن بعض المخالفات في القانون الحالي لا تقتصر عقوباتها على الغرامة، وقد تصل إلى السجن، ومن بينها تجاوز السرعة المحددة بأكثر من 40 كيلومتراً في الساعة.
إدارة السلامة على مستوى وطني
ولا تقتصر المقترحات على تعديل العقوبات، إذ كشف بدر عن توجه لتشكيل لجنة وطنية عليا للسلامة المرورية برئاسة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، تتبعها لجنة فنية برئاسة وزير النقل.
ويقوم التصور على جمع الجهات المرتبطة بالملف ضمن آلية تنسيق مشتركة، انطلاقاً من أن السلامة المرورية لا تتعلق بالطريق وحده، وإنما تتداخل فيها حالة المركبة وسلوك السائق وتطبيق القانون والتوعية والبنية التحتية.
أسطول شاحنات متقادم
وتواجه حركة الشحن البري تحدياً يرتبط بعمر المركبات المستخدمة، إذ يوجد في سوريا نحو 72 ألف شاحنة يزيد وزنها على 11 طناً، وفق الأرقام التي قدمها الوزير.
ويتجاوز عمر أكثر من نصف هذه الشاحنات 20 عاماً، ما يضع الحالة الفنية للمركبات الثقيلة ضمن العوامل المرتبطة بالسلامة وكفاءة النقل.
وفي الوقت نفسه، يصل إجمالي شبكة الطرق المعبدة في سوريا إلى نحو 45 ألف كيلومتر، بينما تشرف وزارة النقل بصورة مباشرة على نحو 958 كيلومتراً من الطرق المركزية.
محاور رئيسية على قائمة التأهيل
وضعت الوزارة مجموعة من الطرق التي تربط المحافظات والمنافذ الحدودية ضمن أولويات التأهيل، وفي مقدمتها محور نصيب – دمشق الذي تمت ترسية مشروع إعادة تأهيله على شركة المجموعة المشتركة الكويتية بقيمة 47 مليون دولار.
وقال بدر إن العقد جرى توقيعه، وإن الشركة بدأت إرسال الآليات والتجهيزات اللازمة للمباشرة بالأعمال.
وتضم قائمة المحاور المطروحة للتأهيل طريق حلب – أريحا – اللاذقية، ومحور نصيب – دمشق – حمص – حلب مع وصلة سراقب، وطريق دمشق – تدمر – دير الزور، إلى جانب طريق التنف – الحدود العراقية ووصلة البصيري – السبع بياع.
أما الطريق الممتد بين مطار دمشق الدولي والحدود اللبنانية، فمن المقرر إدخاله ضمن عقد تطوير واستثمار المطار، بحيث تتولى الشركة المستثمرة تمويل أعمال تأهيله واسترداد التكلفة من المشروع، بدلاً من تمويله مباشرة من الموازنة الحكومية.
الترانزيت يضغط على الطرق
ويظهر جانب آخر من الضغط على شبكة الطرق في حجم حركة الصهاريج العابرة، إذ قال بدر إن نحو 1500 صهريج تدخل الأراضي السورية يومياً، في مقابل نحو 100 صهريج تغادرها.
وتحصل الدولة على رسوم مقابل حركة العبور، إلا أن الأعداد الكبيرة من المركبات الثقيلة تعني في الوقت نفسه استخداماً مكثفاً للبنية التحتية الطرقية.
وهنا تعود السكك الحديدية إلى خطط الوزارة بوصفها خياراً لنقل جزء من الحمولات الثقيلة بعيداً عن الطرق، ولا سيما الفيول الذي تدرس الوزارة إمكانية نقل قسم منه على خط حمص – بانياس.
فجوة كبيرة في قدرة السكك على نقل البضائع
تبلغ الطاقة الحالية لنقل البضائع بواسطة الخطوط الحديدية نحو ستة آلاف طن يومياً، بينما تقدر الحاجة بنحو 35 ألف طن، ما يظهر فجوة كبيرة بين القدرة المتاحة وحجم النقل المطلوب.
وبحسب بدر، تدرس المؤسسة العامة للخطوط الحديدية رفع هذه القدرة للوصول إلى مستوى يسمح بنقل أكثر من نصف الكميات المطلوبة عبر القطارات.
ولا تتعلق المشكلة بالطاقة التشغيلية فقط، إذ يبلغ طول شبكة السكك الحديدية السورية نحو 2800 كيلومتر، في حين لا يتجاوز الجزء الجاهز للعمل حالياً نحو ألف كيلومتر، فضلاً عن خروج أعداد كبيرة من القاطرات وعربات الركاب والبضائع من الخدمة.
إعادة تشغيل السكك على مراحل
يعتمد التصور الذي تحدث عنه الوزير على إعادة تأهيل الخطوط ذات الأولوية أولاً، ثم تشغيلها واستخدام الإيرادات المتحققة منها للمساهمة في تمويل تأهيل خطوط إضافية.
وفي هذا الإطار، كشف بدر عن التزام البنك الدولي بمنحة قيمتها 200 مليون دولار خلال عام 2027 لإعادة تأهيل الخطوط ذات الأولوية، مؤكداً أن المبلغ سيقدم على شكل منحة وليس قرضاً.
ويعكس هذا المسار توجهاً لإعادة إدخال السكك الحديدية بصورة تدريجية في منظومة نقل البضائع، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الشاحنات وما يرافقه من ضغط على الطرق وتكاليف تشغيلية.
طرق مأجورة إلى جانب الطرق المجانية
وفي جانب الاستثمار طويل الأمد، تحدث بدر عن دراسة سابقة لإنشاء محورين استراتيجيين وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية «BOT»، أحدهما يمتد من الحدود الأردنية إلى الحدود التركية، والآخر من طرطوس باتجاه التنف.
وأشار إلى دعم من البنك الإسلامي للتنمية لإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروعين، في وقت لا تزال فيه الحكومة تمول تأهيل الطرق الوطنية من الموازنة العامة.
وأكد بدر أن اعتماد نموذج الطريق المأجور مشروط بوجود طريق مجاني موازٍ بمواصفات مناسبة، نافياً أن يكون التوجه قائماً على تحويل جميع الطرق بين المحافظات إلى طرق مدفوعة.
قطاع واحد بمسارات متعددة
وتضع خطط الوزارة السلامة المرورية وتأهيل البنية التحتية وتنظيم حركة المركبات والشحن وإعادة تشغيل السكك ضمن ملفات مترابطة، بدلاً من التعامل مع كل منها بصورة منفصلة.
فزيادة قدرة القطارات على نقل البضائع يمكن أن تقلل حركة الشاحنات الثقيلة على الطرق، فيما يرتبط تحسين الطرق بسلامة المركبات والسائقين وتطبيق قانون السير، إلى جانب الحاجة إلى تنظيم الدراجات والشاحنات وحركة الترانزيت.
وبحسب بدر، فإن خفض حوادث المرور يتطلب التعامل مع السائق والمركبة والطريق والتوعية وتطبيق القانون ضمن منظومة واحدة، فيما يبقى حجم التحسن في قطاع النقل مرتبطاً بتنفيذ مشاريع التأهيل المعلنة وتحويل الدراسات والخطط المطروحة إلى بنية تشغيلية قادرة على استيعاب حركة الركاب والبضائع.