حذر الصحفي محمد السلوم من الخطاب الذي واجه الاحتجاجات الأخيرة على رفع أسعار المحروقات في سوريا، معتبراً أن الاعتراض على القرارات الحكومية يمثل مؤشراً ينبغي للسلطة قراءته والاستجابة لأسبابه، فيما تكمن الخطورة، وفق رؤيته، في التعامل مع المحتجين باعتبارهم خصوماً للثورة أو التشكيك في انتمائهم لمجرد اعتراضهم على الأوضاع الاقتصادية.
وقال السلوم، في مقطع فيديو نشره على صفحته الشخصية، إن احتجاج السوريين على ارتفاع أسعار المحروقات أمر مفهوم في ظل الظروف المعيشية، بينما رأى أن الأكثر إثارة للقلق هو رد فعل بعض الأصوات التي أمضت سنوات تطالب بحق السوريين في التعبير، قبل أن تنتقل اليوم إلى خطاب يطالب الناس بالقبول بالقرارات والعودة إلى الخوف من السلطة.
الاحتجاج مؤشر وليس تهديداً
اعتبر السلوم أن الاحتجاج يؤدي وظيفة أساسية في العلاقة بين المجتمع والحكومة، إذ يمثل مؤشراً على وجود أخطاء أو سياسات لا تحظى بالقبول، ويمنح المؤسسات فرصة لمراجعة قراراتها قبل اتساع الغضب وتحوله إلى أزمة أكبر.
وانتقد تحويل الاحتجاج على رفع أسعار المحروقات إلى موقف من الثورة أو الانتصار، ومحاولة وصف المحتجين بأنهم من فلول نظام الأسد البائد، مشيراً إلى أن خطورة هذا الخطاب تكمن في جعل الخطأ الحكومي وكأنه خطأ للثورة نفسها، وربط الدفاع عن السلطة بالدفاع عن الثورة.
ورأى أن الانتقال من شعار "الشعب السوري واحد" إلى خطاب يقوم على فكرة "نحن حررناكم" يعيد إنتاج مفهوم امتلاك الدولة، وكأن لسوريا أصحاباً محددين فيما يقيم الآخرون فيها وفق شروطهم، معتبراً أن الثورة التي رفضت احتكار البلاد من قبل عائلة ومنظومة أمنية لا يمكن أن تنتهي إلى احتكار جديد للحق في تحديد من يحق له الاعتراض ومن يجب عليه الصمت.
الدولة لا تُبنى بعقلية الثورة
استشهد السلوم بقول الرئيس أحمد الشرع إن "الثورة السورية انتهت وبدأت مرحلة بناء الدولة"، معتبراً أن هذه العبارة تحمل أهمية كبيرة في تحديد طبيعة المرحلة، لأن بناء الدولة، وفق رأيه، يحتاج إلى مؤسسات وقواعد مختلفة عن تلك التي تحكم ظروف الثورة والصراع.
وأكد أن الحرية لا يمكن أن تصبح جزءاً من مقايضة بين السلطة والمواطن، بحيث يُطلب من الناس الاختيار بين حرية التعبير وتأمين احتياجاتهم المعيشية، مشيراً إلى أن السوريين عاشوا سابقاً خطاباً يقوم على ثنائيات من نوع الأمن مقابل الحرية، والاستقرار مقابل الحقوق، والدولة مقابل الفوضى.
وحذر من إعادة إنتاج المعادلة ذاتها بعد التحرير بصيغة مختلفة، بحيث يصبح القبول بالغلاء والأزمات الاقتصادية دليلاً على الوفاء للثورة، فيما يتحول الاعتراض على القرارات إلى تهمة تستوجب التشكيك في صاحبه.
عقلية الوصاية على المواطن
رأى السلوم أن نظام الأسد البائد لم يكن مجموعة من الصور والتماثيل والخطابات التي تمجد الحاكم فحسب، وإنما كان طريقة في فهم السلطة وعلاقتها بالمجتمع، تقوم على اعتبار المواطن قاصراً وغير قادر على معرفة مصالحه، ويمكن للجهات الخارجية تضليله أو دفعه للتحرك ضد الدولة.
وأشار إلى أن بعض الخطابات التي رافقت الاحتجاجات أعادت استخدام المنطق نفسه، من خلال القول إن المحتجين لا يدركون الظروف الإقليمية أو اختاروا توقيتاً غير مناسب، أو أنهم وقعوا ضحية جهات "تصطاد في الماء العكر"، معتبراً أن هذه اللغة تضع المشكلة بصورة مستمرة عند المواطن بدلاً من البحث في القرار الحكومي وأسبابه ونتائجه.
واستذكر في هذا السياق الخطاب الذي كان سائداً خلال حكم نظام الأسد البائد، عندما كانت أصوات تطالب السلطة بـ"الضرب بيد من حديد"، مقارناً ذلك بدعوات ظهرت مؤخراً وتقول إن السوريين "لا تليق بهم الحرية" وإنه ينبغي أن "يعود الناس إلى الخوف"، وهي عبارات اعتبر أنها تعكس استمرار العقلية التي حكم بها النظام السابق.
حرية المختلف هي الاختبار
أكد السلوم أن المطالبة بالحرية تكون أكثر سهولة عندما يكون الإنسان بعيداً عن السلطة ومحرومًا منها، فيما يظهر الاختبار الحقيقي عندما يصبح مطالباً بالدفاع عن حق الآخرين في التعبير والاعتراض وهم يختلفون معه سياسياً أو ينتقدون سلطة يؤيدها.
وحذر من أن الخطاب المتعالي تجاه المحتجين يمكن أن يضع السلطة نفسها أمام مشكلة أكبر، إذ قد يحول غضباً بدأ لأسباب اقتصادية مرتبطة بأسعار المحروقات إلى غضب سياسي مرتبط بحق الناس في الكلام والاحتجاج، وهي مطالب ربما لم تكن حاضرة أساساً لدى المشاركين في التحركات الأولى.
وأشار إلى أن تصوير تراجع الحكومة عن قرار أو تعديل سياسة معينة باعتباره "هزيمة" أو "انتكاسة للثورة" يجعل كلفة الإصلاح أعلى، ويدفع السلطة إلى التمسك بقراراتها خشية ظهورها بمظهر المتراجع، معتبراً أن مثل هذا المسار قد يفتح الطريق أمام ممارسات استبدادية سبق للسوريين أن دفعوا ثمناً باهظاً لمواجهتها.
إخراج عقلية الأسد من المجتمع
خلص السلوم إلى أن الاحتجاجات الحالية قد تتوقف خلال أيام، لكن القضية الأهم بالنسبة إليه تتمثل في العقلية التي ظهرت في طريقة التعامل معها، والتي تستدعي نقاشاً أوسع حول مفهوم الدولة والسلطة وحقوق المواطنين بعد التحرير.
وشدد على أن إسقاط حكم الإرهابي الفار بشار الأسد لا يكتمل بمجرد تغيير الحاكم أو إزالة رموز النظام السابق، معتبراً أن المهمة الأكثر صعوبة تتمثل في التخلص من عقلية الوصاية والخوف واحتكار الدولة التي رسخها نظام الأسد البائد خلال عقود، حتى لا يعاد إنتاج أساليب الحكم ذاتها من قبل أشخاص كانوا في السابق من ضحاياها.
المصدر:
شبكة شام