أصدرت محافظة درعا، اليوم الإثنين، بياناً حذّرت فيه من خطر متصاعد يهدد الأمن المائي في المحافظة، في ظل حفر آلاف الآبار المخالفة، والتوسع في التعديات على خطوط دفع وتوزيع المياه، والاستجرار غير المشروع، ما أدى إلى استنزاف متسارع للموارد المائية وإضعاف قدرة مصادر المياه العامة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وأوضحت المحافظة أن استمرار هذه الممارسات بالوتيرة الحالية لم يعد مجرد مخالفة خدمية أو تجاوزاً على شبكة عامة، بل بات يشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي، نتيجة الاستنزاف المتسارع للأحواض المائية بما يهدد قدرتها على التجدد، وينذر بتداعيات على تأمين مياه الشرب، والنشاط الزراعي، واستقرار السكان في مناطقهم على المدى البعيد.
الآبار تتضاعف والمياه تتراجع
وتأتي هذه التحذيرات في ظل مؤشرات متزايدة على عمق أزمة المياه في درعا، إذ تشير تقديرات مائية إلى ارتفاع عدد الآبار الارتوازية في المحافظة من نحو 8 آلاف بئر قبل عام 2011 إلى قرابة 25 ألف بئر حالياً، مع وجود نسبة كبيرة من الآبار غير المرخصة، ولا سيما في المناطق الزراعية وسهل حوران وحوض اليرموك.
ومع هذا التوسع، تراجعت مناسيب المياه الجوفية بصورة ملحوظة، فبعد أن كان الوصول إلى المياه في معظم مناطق المحافظة يتم عبر آبار يتراوح عمقها بين 80 و120 متراً، ارتفعت الأعماق في مناطق عدة إلى 250 و300 متر، فيما باتت بعض مناطق ريف درعا تتطلب آباراً يتجاوز عمقها 500 متر للوصول إلى الطبقات المائية، ما يعكس حجم الاستنزاف المتراكم ويرفع في الوقت ذاته كلفة الحفر وضخ المياه على المزارعين.
مصادر طبيعية تجف تحت ضغط الاستنزاف
كما انعكس هذا الاستنزاف على مصادر المياه الطبيعية، إذ جفّت بحيرة المزيريب خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت تتغذى من نبع المزيريب وتشكل مورداً مائياً مهماً لمناطق في ريف درعا الغربي، في حين جف نبع عيون العبد في منطقة العجمي، الذي كان يزود مناطق عدة بالمياه ويخدم نحو 100 ألف نسمة، إضافة إلى ري مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وتراجعت كذلك غزارة عدد من المصادر المائية الأخرى في ريف درعا الغربي، بينها بحيرة زيزون وشلالات تل شهاب، وسط تحذيرات من أن الحفر العشوائي قرب خطوط تغذية الينابيع يسهم في استنزاف الطبقات الحاملة للمياه وتغيير مساراتها الجوفية.
الزراعة تدفع كلفة الاستنزاف
ولا تقف تداعيات التراجع المائي عند جفاف المصادر الطبيعية، إذ باتت الزراعة، التي تعتمد مساحات واسعة منها على المياه الجوفية، تواجه ارتفاعاً متزايداً في كلفة الإنتاج، مع الحاجة إلى مضخات أكثر قدرة وكميات أكبر من الوقود أو الكهرباء لتشغيل الآبار العميقة.
وتشير تقديرات إلى أن تكلفة حفر بئر يتجاوز عمقه 500 متر قد تصل إلى عشرة آلاف دولار أو أكثر، ما يشكل عبئاً إضافياً على المزارعين، ويهدد برفع كلفة الإنتاج الزراعي في المحافظة مع استمرار انخفاض مناسيب المياه.
بين الحاجة إلى المياه ومخاطر الحفر العشوائي
ويربط مختصون تفاقم الظاهرة بتراجع الهطولات المطرية وموجات الجفاف، إلى جانب تضرر شبكات المياه ومشاريع الري، وضعف الرقابة خلال فترات سابقة، وانتشار حفارات تعمل دون تراخيص، فضلاً عن تزايد الطلب على المياه لري الأراضي الزراعية.
وفي المقابل، يبرر مزارعون وأصحاب آبار لجوءهم إلى الحفر غير المرخص بالحاجة إلى تأمين مياه الري، في ظل تراجع مصادر المياه السطحية وضعف وصول شبكات الري إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، معتبرين أن تحسين شبكات الري وتوفير بدائل مائية مستقرة يمكن أن يخففا الحاجة إلى حفر آبار جديدة.
إجراءات رسمية لمواجهة الخطر
وفي مواجهة هذا الخطر، أكدت المحافظة أنها تعمل على مسارين متوازيين؛ الأول إسعافي يهدف إلى ضمان استمرار وصول مياه الشرب إلى المواطنين، من خلال معالجة الآبار المخالفة وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، وتكثيف أعمال الكشف وإزالة التعديات، ومساءلة المخالفين ومن يثبت تواطؤه معهم من موظفي المؤسسات العامة، إلى جانب حماية مصادر المياه والتشدد في تطبيق الخطة الزراعية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في إعداد خطة طويلة الأمد لضمان استدامة الموارد المائية وتنظيم استخدامها وفق أولويات واضحة، بما يكفل تأمين مياه الشرب ومياه الري للمواطنين، على أن تصدر الخطوات التنفيذية اللازمة ضمن قرار رسمي خلال الأيام القادمة.
مياه الشرب أولاً.. والزراعة أمام التحول
وبحسب البيان، سيكون تأمين مياه الشرب والاستخدامات المنزلية في مقدمة الأولويات خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع توجيه النشاط الزراعي تدريجياً نحو الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه، بما ينسجم مع الواقع المائي الراهن ويسهم في الحد من استمرار الاستنزاف.
وفي هذا السياق، دعت محافظة درعا أصحاب الآبار المخالفة والمتعدين على شبكات توزيع مياه الشرب إلى المبادرة طوعاً إلى إزالة المخالفات ووقف الاستجرار غير المشروع، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
أزمة تتجاوز الآبار إلى مستقبل المحافظة
وتؤكد المحافظة أن حماية الموارد المائية مسؤولية مشتركة، وأنها لن تتهاون في حماية مصادر المياه وشبكاتها العامة، أو في تطبيق الأنظمة والقوانين ومساءلة المخالفين.
ومع استمرار تراجع المخزون الجوفي، يحذر مختصون من أن مواصلة الحفر العشوائي دون تنظيم قد تعمّق أزمة المياه في المحافظة خلال السنوات المقبلة، ولا سيما في ظل استمرار فترات الجفاف وتزايد الطلب على المياه.
وبذلك، لا تبدو أزمة المياه في درعا مجرد مشكلة مرتبطة بانتشار الآبار المخالفة، بل نتيجة تراكمية لضغوط متشابكة طالت مصادر المياه الجوفية والسطحية معاً، الأمر الذي يجعل حماية المخزون المائي وتنظيم استخدامه تحدياً عاجلاً يرتبط مباشرة بمستقبل مياه الشرب والزراعة والاستقرار السكاني في المحافظة.
المصدر:
شبكة شام