قال المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق والسفير الأميركي لدى تركيا توم باراك إن الضربة الإسرائيلية الأخيرة داخل سوريا وضعت المنطقة أمام خطر حقيقي لاندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، كاشفاً أن الاتصالات التي سبقت الهجوم لم تُظهر للولايات المتحدة وجود تحركات عسكرية تركية في الموقع المستهدف، وأن الجانب السوري كان يعتقد، بعد محادثات مباشرة مع مسؤول إسرائيلي، أن المخاوف المطروحة جرت معالجتها وأن الاتصالات ستتواصل.
وأوضح باراك، في حوار مطول ضمن بودكاست مع ماريو نوفل، أن واشنطن لا تعرف على وجه اليقين السبب الذي دفع إسرائيل إلى تنفيذ الضربة، لكنه عرض عدة تفسيرات محتملة، من بينها تلقي الجانب الإسرائيلي معلومات استخباراتية عن تحرك تركي محتمل، أو رصد نشاط اعتبره الجيش الإسرائيلي تهديداً يستوجب التحرك الفوري، أو التقاط اتصالات تتعلق بخطط تركية مستقبلية لتوسيع برامج التدريب في الموقع المستهدف.
وأكد باراك أن المعلومات التي راجعتها الولايات المتحدة قبل الضربة لم تثبت وجود قوات أو أصول عسكرية تركية في الموقع، مشيراً إلى أن الإسرائيليين أثاروا هذه المخاوف قبل نحو 6 أيام من الهجوم، وأن الجهات المعنية أجرت مراجعات استخباراتية انتهت إلى عدم وجود التحرك الذي كانت إسرائيل تخشاه.
ووضع باراك التطورات الأخيرة ضمن مسار أوسع للعلاقة بين سوريا وإسرائيل، موضحاً أن الحدود بين البلدين مرت بترتيبات متعددة منذ عام 1923، ثم عام 1949، وصولاً إلى اتفاق عام 1974، الذي أوجد خطوطاً ومناطق فصل وانتشار خضعت لاحقاً لمراقبة قوة الأمم المتحدة.
وقال إن انتقال سوريا من عهد رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد إلى الحكومة السورية الجديدة أثار مخاوف إسرائيلية بشأن طبيعة السلطة الجديدة واتجاهاتها، ولا سيما في ظل التداعيات التي تركتها أحداث 7 أكتوبر على العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه أي نشاط عسكري أو جهة غير معروفة قرب حدود إسرائيل.
وأشار باراك إلى أن الحكومة السورية لم تبدأ مسارها بموقف عدائي تجاه إسرائيل، وقال إن الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن منذ البداية أن دمشق لا تسعى إلى نهج هجومي أو عدائي تجاه الجانب الإسرائيلي، وهو ما فتح الباب أمام وساطات استضافتها الولايات المتحدة.
وكشف باراك أن واشنطن استضافت 5 جولات رسمية وعدداً من اللقاءات غير الرسمية بين الجانبين، موضحاً أن المحادثات حققت تقدماً في ملفات تتعلق بالحدود وخفض التصعيد وآليات مراقبة المناطق الحدودية وطبيعة الانتشار العسكري فيها.
وأضاف أن سوريا، في ظل استمرار حرب غزة وعدم تسوية القضية الفلسطينية، وجدت، على غرار السعودية، صعوبة في الانتقال إلى مناقشة الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لكنها أبدت استعداداً لمناقشة تفاهمات لخفض التصعيد وإدارة الحدود سلمياً.
وتحدث باراك عن مناقشات تناولت خطوط الفصل والترتيبات العسكرية داخل المناطق الحدودية، مشيراً إلى أن الاتصالات كانت تسير بصورة جيدة، إلا أن تعقيدات المشهد السوري والإقليمي دفعت إسرائيل إلى التعامل بحذر شديد مع الحكومة السورية الجديدة.
وقال إن إسرائيل لم تكن، وفق تقديره، تعمل انطلاقاً من مشروع لإقامة ما يوصف بـ”إسرائيل الكبرى”، وإنما كانت تطالب بوقت يسمح لها بتقييم الحكومة السورية الجديدة وطبيعة علاقاتها وتحركاتها.
وربط باراك المخاوف الإسرائيلية بجملة من الملفات الداخلية السورية، وفي مقدمتها ملف ميليشيات قسد وعملية دمجها في الدولة السورية، إلى جانب وجود مقاتلين أجانب ومخاوف من عودة تنظيم داعش.
وقال إن ميليشيات قسد، التي تعاونت سابقاً مع الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم داعش، دخلت مرحلة صعبة مع مطالبتها بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، واصفاً قائدها مظلوم عبدي بأنه لعب دوراً مهماً إلى جانب القوات الأميركية خلال حملة مكافحة التنظيم.
وأضاف أن هذا التحول شكّل صدمة داخل البنية الكردية في شمال شرقي سوريا، بالتزامن مع إرث يمتد لنحو 40 عاماً من الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
وأشار باراك إلى أن الولايات المتحدة كانت قد تعاملت مع وحدات حماية الشعب بصورة مختلفة عن حزب العمال الكردستاني المصنف على قوائم الإرهاب لدى واشنطن وأنقرة، قبل تشكيل ميليشيات قسد ضمن الترتيبات التي اعتمدتها الولايات المتحدة خلال الحرب على تنظيم داعش.
وقال باراك إن شمال شرقي سوريا شهد ترتيبات أمنية تركية شبيهة، من حيث المبدأ الأمني، بالمطالب الإسرائيلية على الحدود الجنوبية، إذ سعت أنقرة إلى إقامة مستويات من الحماية والانتشار تتيح لها مراقبة حدودها، لافتاً إلى وجود عشرات المواقع وآلاف الجنود على امتداد الحدود الطويلة.
وأكد أن واشنطن وتركيا وإسرائيل وسوريا تتعاون في ملاحقة عناصر تنظيم داعش، محذراً من أن التنظيم يحاول استغلال الفراغات الأمنية لإعادة بناء نفسه.
وكشف باراك عن وجود نحو 9400 سجين من تنظيم داعش موزعين على سجون داخل سوريا، قائلاً إن هؤلاء ظلوا لسنوات من دون لوائح اتهام فعلية أو ملفات قضائية أو مسار واضح لتسوية أوضاعهم، بعد جمعهم واحتجازهم خلال نحو 14 عاماً من الحرب.
وأضاف أن الملف لا يقتصر على السجناء، إذ يوجد نحو 75 ألف امرأة وطفل من عائلات عناصر التنظيم داخل مخيمات النازحين، من بينها مخيم الهول، في ظروف وصفها بأنها شديدة الصعوبة، مع غياب مسار نهائي لمعالجة أوضاعهم رغم جهود المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة.
وقال باراك إن الحكومة السورية تحركت سريعاً لمعالجة ملف ميليشيات قسد، وإن الولايات المتحدة ساعدت في التفاوض بشأن ترتيبات الدمج، مشيراً إلى إعلان مظلوم عبدي حل ميليشيات قسد والاندماج العسكري الكامل لمنطقة شمال شرقي سوريا.
وأضاف أن العمل لا يزال مستمراً بشأن الجوانب السياسية والتعليمية للاندماج، لكنه اعتبر أن الأطراف المعنية تتعامل بصورة إيجابية مع المسار وأن العملية ستستكمل.
وتحدث باراك عن الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر، قائلاً إن إسرائيل كانت تنظر إلى السلطة السورية الجديدة بحذر وتطالبها بإثبات طبيعة توجهاتها، بالتزامن مع تركيز إسرائيلي على أوضاع الدروز في سوريا ووجود أكثر من 300 ألف درزي، وفق تقديره، في المنطقة الممتدة من الجولان إلى داخل إسرائيل.
وقال إن إسرائيل تحركت في 9 ديسمبر، بعد يوم واحد من وصول الحكومة السورية الجديدة إلى دمشق، لتدمير معظم سلاح الجو السوري، مضيفاً أنه يعتقد أن ما تبقى لا يتجاوز نحو 14 أو 15 طائرة.
وأوضح أن الضربات جعلت عدداً كبيراً من المطارات العسكرية السورية خارج الاستخدام الفعلي، فيما واصلت إسرائيل المطالبة بما وصفه باراك بحالة تجميد ميداني تمنع أي جهة من إنشاء قدرات يمكن أن تؤثر على حرية حركتها العسكرية.
وبحسب باراك، تنظر إسرائيل إلى الأجواء السورية باعتبارها ممراً مهماً في عملياتها ضد إيران، ولذلك لا تريد وجود منظومات دفاعية أو رادارات أو قدرات هجومية يمكن أن تعيق تحركاتها الجوية.
وأكد أن إسرائيل تستخدم المجال الجوي السوري للوصول بصورة مباشرة إلى إيران، مشيراً إلى أن المناقشات في المراحل الأولى تناولت حتى مسألة إخطار دمشق مسبقاً بالتحركات الجوية، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يكن يريد في البداية الالتزام بآلية إخطار، في ظل عدم وضوح الجهة السورية التي يمكن التواصل معها خلال الفترة الأولى لتشكيل الحكومة.
وقال باراك إن التطورات اللاحقة أدت إلى اتفاق على إنشاء خلية تنسيق في العاصمة الأردنية عمان، تضم فنيين قادرين على التواصل يومياً، معتبراً أن استمرار الاتصال المباشر ضرورة لمنع سوء التقدير.
وأكد أن الولايات المتحدة تجري حالياً محادثات وصفها بالجيدة، وإن كانت صعبة، بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بهدف معرفة المخاوف الأمنية لكل طرف وخفض مستوى التوتر ومنع تحول الخلافات إلى صدام عسكري.
وكشف باراك أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة قبل نحو 6 أيام من الضربة بوجود معلومات عن احتمال تحرك تركي نحو الموقع الذي استهدفته لاحقاً، ما دفع واشنطن والجهات المعنية إلى مراجعة المعلومات لدى أجهزة الاستخبارات، قبل أن تأتي الإجابات بعدم وجود تحرك من هذا النوع.
وقال إن الاحتمال الثاني يتمثل في رصد إسرائيل نشاطاً لحظياً لم تتمكن الجهات الأخرى من رصده، ورأت أنه يتطلب تحركاً فورياً.
أما الاحتمال الثالث، الذي اعتبره باراك الأكثر ترجيحاً، فهو التقاط اتصالات تتناول تصورات مستقبلية لتوسيع تركيا برنامجاً تدريبياً في الموقع، مشيراً إلى أن أنقرة، وفق الترتيبات القائمة، تملك حق تدريب القوات السورية ومساعدتها في مناطق انتشارها شمال شرقي البلاد.
ونقل باراك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبق أن سأل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان علناً عن سبب عدم سيطرة تركيا على سوريا بعد 8 ديسمبر، بالنظر إلى الدور التركي في دعم القوى التي أسقطت النظام البائد، وأن أردوغان أجاب بأن تركيا لا تريد سوريا، وإنما تريدها دولة مستقلة وذات سيادة.
وأضاف أن السعودية تتبنى الموقف نفسه، وأن إسرائيل بدورها تريد سوريا مستقرة، رغم استمرار الخلافات الأمنية بشأن طبيعة الانتشار العسكري.
وأشار إلى أن إسرائيل سبق أن أثارت اعتراضات على إعادة استخدام قاعدتي التيفور وتدمر، اللتين قال إنهما تبعدان نحو 85 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية والجولان، وطلبت من تركيا عدم إعادة تشغيلهما بسبب قربهما من إسرائيل وعدم وضوح طبيعة العلاقة العسكرية التركية مع الحكومة السورية.
وبحسب باراك، أبلغ الجانب الإسرائيلي تركيا بأنه قد يستهدف القاعدتين إذا أعيد تشغيلهما، إلا أن أنقرة تعاملت بحذر مع الملف وأكدت أنها لا تريد الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
ورفض باراك الطروحات التي تتحدث عن مشاريع توسع إقليمية متقابلة بين تركيا وإسرائيل، قائلاً إن الصحافة في إسطنبول تنشر أحياناً خرائط تتحدث عن مشروع “إسرائيل الكبرى”، فيما تظهر في تل أبيب خرائط تتحدث عن عودة “الإمبراطورية العثمانية”، مؤكداً أن واشنطن لا تعتقد أن هذه التصورات تعكس حقيقة سياسات البلدين.
ورجح أن تكون معلومات عن اتصالات تتناول زيادة المساعدة أو الحضور التركي مستقبلاً قد وصلت إلى جهة عسكرية إسرائيلية اتخذت قراراً بتدمير مدارج الموقع لمنع ذلك، من دون إخطار الولايات المتحدة أو تركيا.
وقال إن المشكلة الأساسية تمثلت في أن إسرائيل كانت قد أوصلت رسالة بوجود مشكلة أمنية، فيما اعتقدت الأطراف الأخرى أنها أوضحت عدم وجود تلك المشكلة، قبل أن تقع الضربة.
وكشف باراك أن مدير جهاز الموساد الإسرائيلي أجرى، عبر قناة خلفية، محادثة استمرت نحو ساعتين مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يوم الجمعة السابق للضربة، واصفاً المسؤولين بأنهما أدارا نقاشاً جيداً تناول القضايا الخلافية بصورة معمقة.
وأضاف أن الجانب السوري خرج من الاجتماع بانطباع بأن النقاش كان مرضياً وأن جولة جديدة من المحادثات ستعقد، مشيراً إلى أن واشنطن كانت تعمل أساساً على استئناف المحادثات الثنائية بين سوريا وإسرائيل.
وقال باراك إنه لا يعرف على وجه الدقة لماذا قررت إسرائيل تنفيذ الضربة رغم استمرار قنوات الاتصال، لكنه أشار إلى فرضيتين جرى تداولهما بشأن القرار.
وأوضح أن إحدى النظريات تفترض أن إسرائيل أرادت اختبار رد الفعل التركي أو استدراج أنقرة إلى تحرك، مستحضراً حادثة إسقاط تركيا طائرة روسية في ظروف مشابهة، ومحذراً من خطورة تحليق الطائرات العسكرية قرب الحدود من دون إخطار أو تفاهم مسبق.
وأكد أن هذا الاحتمال كان وراء وصفه التطورات بأنها “خطيرة ومقلقة”، لأن القيادة التركية، بما فيها الرئاسة ووزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات، كانت تركز على ضبط النفس.
وشدد على أن تركيا، وفق تقييمه، لا تسعى إلى مهاجمة إسرائيل أو الدخول معها في علاقة عسكرية عدائية، وأن مثل هذه المواجهة لا تخدم تركيا أو المنطقة.
وقال إن المسألة الفلسطينية، أكثر من إيران، تشكل العامل الأبرز في الموقف الشعبي والسياسي التركي تجاه إسرائيل، ولا سيما في ظل استمرار الحرب في غزة.
أما الفرضية الثانية، بحسب باراك، فتتعلق باحتمال حدوث خلل في التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والموساد ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بحيث كان مدير الموساد يدير قناة خلفية جدية لم تُستكمل بعد، فيما اتخذ قائد ميداني قراراً سريعاً بناء على قراءة استخباراتية مختلفة.
وأشار إلى أن الضربة استهدفت المدارج ولم تسفر، وفق المعلومات التي تحدث عنها، عن قتلى أو إصابات، إلا أن خطورتها جاءت من اقتراب الطائرات الإسرائيلية من منطقة تراقبها القوات والاستخبارات التركية.
وقال إن الجيش التركي يمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية قوية، وإن رصد طائرات تتجه نحو حدوده من دون معرفة هدفها أو مسارها أو نيتها كان يمكن أن يدفعه إلى إطلاق طائراته لاعتراضها، وهو ما كان سيضع الطرفين أمام مواجهة مباشرة.
وأكد باراك أن احتواء الموقف تم بفضل ضبط النفس والتواصل بين الأطراف، لكنه وصف اللحظة بأنها من الحالات التي جعلت المسؤولين يدركون حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن خطأ واحد في ظل ارتفاع مستوى التوتر الإقليمي.
وأضاف أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعمل على إنشاء خطوط اتصال مستمرة، ولو على مستوى الخبراء والفنيين، لمنع سوء التقدير، إلى جانب أدوار يقوم بها مسؤولون ودبلوماسيون أميركيون، بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي وستيف ويتكوف.
وحذر من أن الدول المعنية مستقلة وذات سيادة ولن تقبل الخضوع لبعضها، وأن خطأً في سلسلة القيادة أو إطلاقاً غير مقصود يمكن أن تكون له نتائج شديدة الخطورة.
وانتقل باراك إلى الملف اللبناني، وقال، انطلاقاً من خلفيته اللبنانية وانتمائه إلى الطائفة المارونية، إنه يرفض قتل المدنيين أو تدمير منازلهم، مؤكداً أن قتل المدنيين ومحو المنازل أمر غير مقبول بالنسبة إليه.
وأشاد بالسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، كما وصف الرئيس اللبناني جوزاف عون بأنه شخصية قوية تمتلك خلفية عسكرية وتفهم تعقيدات الملف، وأشاد كذلك برئيس الحكومة نواف سلام، واصفاً إياه بأنه صاحب عقلية تكنوقراطية رفيعة المستوى.
وتناول رئيس مجلس النواب نبيه بري، قائلاً إن تصنيفه ضمن معسكر حزب الله لا يعني أنه عضو في الحزب، موضحاً أن بري شيعي ويرأس مجلس النواب ويمثل، من موقعه، التركيبة البرلمانية المرتبطة بهذه البيئة.
وفي المقابل، قال باراك إن إسرائيل تعتبر حزب الله مشكلة أمنية شديدة التعقيد بسبب ما يقول الجانب الإسرائيلي إنها أنفاق تحت مناطق سكنية ومستودعات تضم عشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف.
وأضاف أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل وصلت، وفق تقديره، إلى الجولة التاسعة أو العاشرة، معتبراً مجرد انعقادها تطوراً تاريخياً بالنظر إلى القيود القانونية والسياسية التي كانت تحكم التواصل بين البلدين.
وقال إن إسرائيل ترى أن حزب الله يستغل فترات توقف القتال لإعادة بناء قدراته وتحريك بنيته العسكرية باتجاه البقاع، رغم الضغوط المالية المفروضة عليه.
وحذر باراك من أن استمرار العمليات الإسرائيلية داخل لبنان يمكن أن يعيد تعزيز خطاب حزب الله داخل البيئة اللبنانية، بما في ذلك بين مسيحيين وسنة وشيعة آخرين قد يرون أن الحزب قادر على تقديم نفسه بوصفه جهة للحماية.
وتطرق إلى صعوبة مطالبة الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله بالقوة، قائلاً إن مقاتل الحزب يتقاضى، وفق الرقم الذي طرحه، نحو 2400 دولار شهرياً، في حين قد يحصل الجندي اللبناني على نحو 300 دولار فقط، ما يضطر أفراداً في الجيش إلى العمل في وظائف إضافية لتأمين معيشتهم.
وأضاف أن مطالبة هؤلاء الجنود بمواجهة أقاربهم عسكرياً وانتزاع أسلحتهم بالقوة ليست خطة واقعية، معتبراً أن المطلوب البحث عن آليات تمنع استخدام سلاح حزب الله وتوجد بديلاً عن التمويل الإيراني.
وطرح باراك رقماً قال إنه غير سري، مفاده أن إيران كانت ترسل تقليدياً إلى حزب الله نحو 90 مليون دولار شهرياً، موضحاً أن معالجة ملف السلاح لا يمكن فصلها عن الموارد المالية التي يعتمد عليها الحزب وعناصره.
وقال إن لبنان يفتقر إلى قاعدة صناعية واقتصادية قادرة على توفير بدائل سريعة، ووصف الدولة اللبنانية بأنها تعاني فساداً واسعاً رغم وجود حكومة جديدة جيدة، بحسب تعبيره.
وأضاف أن المفاوضات الجارية تحاول البحث عن صيغة تحقق الاستقرار وتوسع المنطقة الآمنة من دون عمليات عسكرية أو قتل للمدنيين أو تدمير للقرى، مشدداً على أن ذلك يحتاج إلى عملية طويلة وليس قراراً واحداً.
وفي شأن احتمال ضم إسرائيل أراضي لبنانية، قال باراك إنه يعتقد شخصياً أن إسرائيل لا تريد السيطرة على لبنان، وإن فرص قبول المجتمع الدولي بأي ضم مستقبلي تبدو محدودة، لافتاً إلى تغير المواقف داخل الولايات المتحدة وتراجع مستوى التأييد لإسرائيل لدى شرائح من الديمقراطيين الشباب.
وأشار في الوقت نفسه إلى الجولان السوري المحتل، مؤكداً أن إسرائيل لا تزال تحتله رغم قرارات الأمم المتحدة وما وصفه بالنظام الدولي الذي يعتبر الجولان أرضاً سورية، متسائلاً عن المدة التي ستستمر خلالها التوغلات الإسرائيلية قبل خفض التوتر.
وقال باراك إن إحدى مشكلات المفاوضات اللبنانية تتمثل في أن الجهات القادرة فعلياً على اتخاذ القرار بشأن حزب الله تشمل الحزب وإيران، ولذلك فإن حضور ممثلي الدولة اللبنانية وحدهم لا يكفي لإنهاء الملف.
وأضاف أن الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، يبذل جهوداً في التفاوض مع إيران، لكنه حذر من توقع اتفاق سريع ونهائي يمكن إعلان اكتماله في يوم واحد.
وأشار إلى أن إيران، وفق عرضه، تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً من نفوذها الإقليمي، وتستند في ذلك إلى ثقل المكون الشيعي داخل البلاد ودور حزب الله، في بلد لم يشهد تعداداً سكانياً منذ عام 1938.
وتحدث عن تقديرات تشمل نحو 4.5 ملايين شخص في لبنان، ونحو مليون فلسطيني ونحو 1.5 مليون سوري، إضافة إلى المسيحيين الموارنة والسنة، مشيراً إلى أن إيران لم تمتلك تاريخياً منفذاً على البحر المتوسط وأن لبنان وحزب الله يمثلان أهمية استراتيجية لها.
وقال إن طهران حاولت إدخال الملف اللبناني ضمن المفاوضات الإقليمية الأوسع، في حين طلب لبنان عدم إدراجه ضمن تلك الترتيبات خشية أن يؤدي ذلك إلى تكريس صورة خضوعه لإيران.
وقارن باراك بين أوضاع لبنان والعراق وسوريا، قائلاً إن العراق يمتلك احتياطيات ضخمة من الوقود الأحفوري، وإن موارده من الغاز والنفط تمنحه فرصة مستقبلية كبيرة إذا استطاع تجاوز أزماته السياسية والأمنية.
وأضاف أن سوريا تمتلك بدورها موارد من الوقود الأحفوري وموقعاً يسمح لها بأن تصبح ممراً تجارياً، بينما يعتمد مستقبل لبنان بدرجة أكبر على الأمن والشفافية والقطاع المصرفي والمالي والقدرات البشرية والضيافة واستعادة موقعه كمساحة يشعر فيها العرب واليهود والمسيحيون بالأمان.
وفي حديثه عن السياسة الإيرانية في المنطقة، قال باراك إن طهران اعتمدت على شبكة من القوى الحليفة، تشمل حزب الله وحماس والحوثيين و6 أو 7 مجموعات مسلحة مدعومة إيرانياً في العراق، بما يسمح لها بالحفاظ على ساحات ضغط متعددة من دون الدخول دائماً في مواجهة عسكرية مباشرة بنفسها.
واختتم باراك حديثه بالتأكيد على أنه ما يزال متفائلاً بإمكان خفض التصعيد، رغم اعترافه بأن الأزمات الإقليمية أصبحت أكثر تعقيداً.
وقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدفع باتجاه تحميل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، وإن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الاستمرار بوصفها الضامن الأمني الشامل لكل دول العالم.
وقارن باراك هذا التوجه بسياسة ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي ودفع الدول الأوروبية إلى زيادة مساهماتها الدفاعية، معتبراً أن السياسة ذاتها تظهر في الشرق الأوسط عبر تشجيع القوى الإقليمية على تحمل مسؤوليات أكبر.
وقال إن التحركات الإقليمية الجديدة لا تستهدف إسرائيل ولا تمثل اصطفافاً ضد الولايات المتحدة، وإنما تقوم، وفق رؤيته، على ضرورة زيادة التنسيق بين دول المنطقة.
وأشار إلى مجلس التعاون الخليجي، قائلاً إن دوله لم تكن متفقة دائماً، قبل أن يشيد بالأدوار التي تؤديها قطر في الوساطات، وكذلك الإمارات والسعودية، معتبراً أن دول المنطقة بدأت تدرك ضرورة تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها واستقرارها.
ووصف باراك تركيا بأنها تدخل مرحلة جديدة من القوة والنفوذ، معتبراً أن ذلك يثير مخاوف لدى بعض الأطراف لكنه يمثل تطوراً مهماً بالنسبة إلى أنقرة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وصلاتها بآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر المتوسط ومحيطها الإقليمي.
وقال إن تركيا تمثل مركزاً إقليمياً مهماً ودولة إسلامية غير عربية تحيط بها 8 دول و4 بحار، ما يمنحها ثقلاً جغرافياً وسياسياً متزايداً.
وأكد أن ترامب يحاول إبقاء مستوى التوتر منخفضاً ومنع الأطراف من الانجرار إلى مواجهة، معرباً عن أمله في أن تتغلب المواقف الأكثر هدوءاً على التصعيد.
وفي معرض حديثه عن صعوبة مهمته، قال باراك إنه يشرح للرئيس الأميركي أن المنطقة شهدت ظهور عشرات الأنبياء في الديانات المختلفة عبر التاريخ، في إشارة ساخرة إلى عمق تعقيداتها واستعصاء نزاعاتها، معتبراً أن توقع حل جميع هذه المشكلات خلال عام ونصف العام غير واقعي.
ويقدم حديث باراك صورة عن مسار أميركي يتحرك بالتوازي على عدة جبهات، من دمج ميليشيات قسد ومواجهة تنظيم داعش داخل سوريا، إلى ضبط الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا، واستئناف الاتصالات السورية الإسرائيلية، وصولاً إلى ملف حزب الله وإيران في لبنان والعراق. وفي قلب هذه الملفات، برز تحذيره من أن خللاً محدوداً في الاتصال أو قراراً ميدانياً سريعاً قد يكون كافياً لنقل المنطقة من التوتر السياسي والعسكري إلى مواجهة مباشرة يصعب احتواؤها.
المصدر:
شبكة شام