في جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي اليوم الثلاثاء، رسم المشاركون معالم الصورة الجديدة للمشهد السوري، حيث أكد أعضاؤه ونائب المبعوث الأممي كلاوديو كوردوني وجود فرصة حقيقية لبناء مؤسسات شاملة، تقابلها تحديات أمنية واقتصادية وسياسية مزمنة.
وكشفت الجلسة التي تضمنت إفادات من مسؤولين أمميين ودوليين، عن حالة من الترقب مع إجماع دولي على أهمية احترام سيادة سوريا، لكن مع تبائن واضح في الأولويات حول كيفية ترجمة هذا الإجماع إلى أفعال، خاصة فيما يخص رفع العقوبات، والرد على الانتهاكات الإسرائيلية، ومكافحة الإرهاب، وفرض سيادة الدولة على جميع أراضيها.
تأكيد أممي على “اللحظة السورية”
أكد نائب المبعوث الأممي، كلاوديو كوردوني، خلال كلمته أن “أمام سوريا فرصة حقيقية”، مشدداً على أن تعزيز الثقة وبناء المؤسسات الشاملة هو المدخل لتلبية احتياجات السوريين.
وهذا التفاؤل الحذر، الذي يتكرر في الخطاب الأممي، يواجه هذه المرة متغيرات إضافية، أبرزها إشارة كوردوني إلى أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب “يعكس تنامي الثقة الدولية بتعافيها”، وهو تطور نوعي يمنح الحكومة السورية أرضية دولية أكثر مرونة، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبارات أكبر في ملفي المساءلة وسيادة القانون.
وحدد كوردوني ثلاث أولويات رئيسية تواجه سوريا حالياً؛ تشمل مكافحة الإرهاب مع تأكيده أن الهجمات التي شهدتها المدن السورية تثبت أن الخطر لا يزال قائماً، مما يستدعي استمرار التنسيق الدولي، ومكافحة الاتجار بالمخدرات واصفاً إياه بأنه “خطر داهم” يعبر الحدود السورية، وهو ما يضع الملف على طاولة الأمن الإقليمي والدولي.
كما أشار إلى الانتهاكات الإسرائيلية حيث دعا إلى وضع حد لانتهاك اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، معرباً عن “قلق مستمر” إزاء النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب البلاد، وهو موقف تكرر في كلمات العديد من الدول الأعضاء.
إجماع على السيادة وتباين في الآليات
أظهرت مداخلات الدول الأعضاء إجماعاً لافتاً على مبدأ احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وهو ما عبر عنه بوضوح ممثل باكستان الذي طالب بـ “العملية الانتقالية بقيادة سورية”.
لكن التباين برز في قضايا أخرى حيث أشار الأخير إلى رفع العقوبات كـ “خطوة أساسية نحو التعافي الاقتصادي”، في حين التزمت مندوبة الدنمارك بخطاب أكثر حذراً، ركز على دعم التعافي الإنساني دون التطرق صراحة للعقوبات.
وحول الاحتلال الإسرائيلي فقد كان الموقف الروسي الأكثر حدة، حيث وصفت المندوبة الروسية السياسة الإسرائيلية بأنها عدوانية وتؤدي إلى تفاقم التوتر، في حين اكتفت مداخلات غربية بالإشارة إلى أهمية احترام القانون الدولي دون تسمية الاحتلال الإسرائيلي مباشرة.
والتقت جميع الأطراف على مكافحة الإرهاب حيث أشادت الدنمارك بجهود سوريا، ودعت روسيا إلى “توحيد جهود المجتمع الدولي” لمواجهة التهديد، في إشارة إلى استمرار الهجمات في دمشق.
المأساة الإنسانية: 15.6 مليون بحاجة للمساعدة
كانت الصورة الأكثر قتامة هي التي رسمتها مديرة شعبة العمليات الإنسانية، إيديم ووسورنو، حيث كشفت أن نحو 15.6 مليون شخص في سوريا ما زالوا بحاجة إلى مساعدة إنسانية.
وأكدت أن عودة النازحين، رغم أنها تعكس إصراراً على إعادة البناء، إلا أنها “ليست خط النهاية، بل نقطة البداية”، وتفرض ضغوطاً هائلة على المجتمعات المستقبلة التي تعاني أصلاً من تضرر البنية التحتية.
ودعت ووسورنو إلى “جسر بين الإغاثة والتعافي”، محذرة من أن التمويل الحالي لا يواكب حجم الاحتياجات، وهو تحذير يعيد الأزمة الإنسانية إلى صدارة الأولويات الدولية.
وتكشف جلسة مجلس الأمن عن مفارقة أساسية؛ حيث في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الأممية عن “فرصة حقيقية” و”تنامي الثقة الدولية”، تظل العقبات الهيكلية قائمة، وبينما يتفق الجميع على ضرورة دعم التعافي، يختلفون حول أدواته، وبينما يدين الجميع الإرهاب، تظل آليات مكافحته محل خلاف، كما أن الملف الإنساني، الذي يمثل أكبر تحدٍ ملموس، يظل رهناً بتمويل غير كافٍ، مع غياب موقف حاسم من الانتهاكات الإسرائيلية.
المصدر:
حلب اليوم