في وقت تتسارع فيه جهود السوريين لإعادة تأهيل منازلهم والعودة إلى مناطقهم بعد سنوات من الحرب والتهجير تبرز تحديات جديدة لا تقل خطورة عن آثار القصف نفسه الذي طال العديد من المدن والبلدات وأحالها إلى أنقاض.
وتحولت المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، التي خلّفتها سنوات الحرب التي شنها النظام البائد ضد الشعب السوري إلى مصدر تهديد دائم لحياة العمال والسكان، مع تزايد حوادث الانهيار أثناء أعمال الترميم في ظل ضعف إجراءات السلامة وغياب التقييم الهندسي المتخصص.
وأعادت حادثة انهيار سقف منزل قيد الترميم في مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، صباح اليوم الأربعاء 15 تموز التي أودت بحياة عاملين، تسليط الضوء على واقع تعيشه مناطق واسعة في سوريا، حيث يضطر الأهالي إلى ترميم منازل متضررة رغم المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الأعمال، نتيجة محدودية الإمكانات والحاجة الملحة إلى السكن.
خلفت سنوات الحرب آلاف الأبنية المتضررة بدرجات متفاوتة، إذ تعرض كثير منها لتشققات في الجدران والأساسات والعناصر الإنشائية الحاملة وبينما تبدو بعض هذه الأبنية قابلة للترميم من الخارج، تكشف المعاينات الميدانية أن أجزاءً كبيرة منها فقدت متانتها، ما يجعل أي تدخل إنشائي دون دراسة هندسية دقيقة محفوفاً بالمخاطر.
وتكررت خلال السنوات الماضية حوادث انهيار لجدران وأسقف أثناء إزالة الأنقاض أو تنفيذ أعمال التدعيم والترميم في عدد من المناطق، مخلفة قتلى وجرحى بين العاملين في الترميم، الأمر الذي يعكس حجم المخاطر المرتبطة بإعادة تأهيل الأبنية المتضررة.
بالنسبة لآلاف العائلات السورية، لا يمثل ترميم المنزل مجرد مشروع إنشائي، بل خطوة أساسية لاستعادة الحياة الطبيعية بعد سنوات من النزوح إلا أن هذه المحاولات تصطدم بواقع اقتصادي صعب، يدفع كثيرين إلى تنفيذ أعمال الترميم بإمكانات محدودة، ومن دون الاستعانة بفرق هندسية متخصصة أو معدات تدعيم مناسبة.
ويؤكد مختصون أن الأبنية التي تعرضت للقصف تحتاج إلى تقييم إنشائي شامل قبل المباشرة بأي أعمال، لأن الأضرار غير الظاهرة قد تكون أكثر خطورة من التشققات الخارجية، وقد تؤدي إلى انهيارات مفاجئة أثناء إزالة الأنقاض أو تدعيم الجدران.
شهادة من حمص: إصابة أوقفت حلم العودة
يروي "محمود العليوي"، أحد المواطنين من ضواحي مدينة حمص في حديثه لشبكة شام الإخبارية، تفاصيل حادثة تعرض لها أثناء محاولة ترميم منزله المتضرر، قائلاً إن المنزل كان قد تعرض لقصف مباشر خلال سنوات الثورة السورية، ما أدى إلى تشققات بالسقف وتصدع بعض جدرانه.
ويضيف أن أحد الجدران انهار بشكل مفاجئ أثناء أعمال التدعيم، لتسقط كتلة إسمنتية على قدمه وتتسبب بكسر مزوج، الأمر الذي أدى إلى توقف أعمال الترميم بالكامل وتأجيل عودة أسرته إلى المنزل، فضلاً عن الأعباء الصحية والمادية التي ترتبت على الإصابة.
عمال الترميم... بين الحاجة والخطر
في حين يؤكد عاملون في قطاع البناء والترميم خلال حديهم لشبكة شام الإخبارية أن المخاطر أصبحت جزءاً من عملهم اليومي، خصوصاً داخل الأبنية المتضررة بفعل القصف.
ويقول "علي البقاعي"، أحد العمال إن الدخول إلى هذه المنازل يشبه المغامرة، إذ يمكن أن ينهار سقف أو جدار في أي لحظة، إلا أن الحاجة إلى العمل وتأمين مصدر دخل تدفع الكثيرين إلى قبول هذه المخاطر رغم إدراكهم لحجمها.
ويشير عمال آخرون إلى أن معظم أعمال الترميم تُنفذ بوسائل بسيطة، مع نقص واضح في معدات الحماية الشخصية وأدوات تدعيم الأبنية، ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
هذا ويرى مختصون أن أعمال الترميم في الأبنية المتضررة يجب أن تسبقها دراسات هندسية دقيقة لتحديد مدى صلاحية المبنى وإجراءات التدعيم المطلوبة، إلا أن هذا الأمر لا يتوافر في كثير من الحالات بسبب نقص الإمكانات والكفاءات الفنية أو ارتفاع تكاليف الدراسات الهندسية.
كما يلفتون إلى أن إجراءات السلامة المهنية، مثل استخدام الخوذ والسترات الواقية والدعامات المعدنية ومعدات تثبيت الجدران، ما تزال محدودة، الأمر الذي يضاعف المخاطر التي يواجهها العمال بشكل يومي.
وتمثل سلامة الأبنية أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود إعادة الإعمار في سوريا، إذ إن إعادة تأهيل المساكن لا تقتصر على إزالة الأنقاض وإصلاح الأضرار الظاهرة، بل تتطلب معالجة المشكلات الإنشائية الكامنة التي خلفتها سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن الحد من هذه الحوادث يستدعي تعزيز عمليات الكشف الهندسي على الأبنية المتضررة، ونشر الوعي بإجراءات السلامة المهنية، وتوفير المعدات اللازمة للعاملين، بما يسهم في تقليل الخسائر البشرية أثناء عمليات الترميم.
وتكشف حادثة معرة النعمان أن آثار الحرب لا تزال مستمرة حتى بعد توقف القصف وأن مخلفات الدمار ما زالت تشكل تهديداً مباشراً لحياة السوريين وبين الحاجة الملحة لإعادة بناء المنازل، وغياب الإمكانات الكافية لتأمين بيئة عمل آمنة، يبقى العمال والأهالي في مواجهة خطر دائم، حيث قد تتحول محاولة ترميم منزل إلى مأساة جديدة تدفع ثمنها الأرواح.
ورغم تزايد عودة السوريين إلى مناطقهم خلال الأشهر الماضية، لا تزال آلاف العائلات تصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في المنازل المدمرة أو المتضررة، والتي تحتاج إلى مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر، ما يجعل العودة الدائمة مؤجلة، ويجبر كثيرين على البقاء في مناطق النزوح أو استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.
وتصطدم عودة شريحة واسعة من السوريين إلى مناطقهم بعائق انعدام المسكن الذي تحول بالنسبة لآلاف العائلات إلى حلم مؤجل بسبب ارتفاع تكاليف إعادة تأهيلها، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للمواطنين عند مستويات متدنية، وسط غياب مصادر تمويل تمكنهم من إعادة بناء حياتهم.
ومع استمرار عودة اللاجئين والنازحين إلى مختلف المحافظات السورية، تبرز أزمة السكن بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مرحلة التعافي، إذ يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام منازل غير قابلة للسكن، أو تحتاج إلى أعمال ترميم تفوق إمكاناتهم المادية، ما يدفعهم إلى تأجيل العودة أو الاكتفاء بزيارات متقطعة لمنازلهم، مع البقاء في مناطق النزوح أو اللجوء إلى استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.
وبين منزل مدمر لا يستطيع صاحبه ترميمه، وإيجار يلتهم معظم الدخل الشهري، تبقى أزمة السكن واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في سوريا، وعقبة رئيسية أمام عودة مئات آلاف الأسر إلى حياة مستقرة بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء.
المصدر:
شبكة شام