تشكل ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات، بما في ذلك المجتمع السوري، بسبب تركة النظام البائد الذي حول البلد إلى مسرح لإنتاجها وترويجها، حيث تتسبب في معاناة إنسانية هائلة وتفكك أسري وانتشار للجرائم.
وفي مشهد مختلف تماماً عما كان عليه الحال قبل سنوات، تعلن سوريا الجديدة اليوم وقوفها صفاً واحداً ضد آفة المخدرات، بكل أدواتها المتاحة: القانون، الأمن، التعليم، الصحة، الإعلام، والمجتمع، لتؤكد أن الشباب السوري ليس وقوداً للسموم، وحمايته أولوية لا تقبل المساومة.
وفي هذا التقرير، نستعرض خمسة أسباب رئيسية حددهها الخبراء تدفع الشباب نحو هذا الهاوية، ونقدم رؤية متكاملة لمواجهتها.
أولاً: ضغوط نفسية ورغبة في الهروب
يعتبر الهروب من الواقع والتخفيف من الضغوط النفسية أحد أبرز الدوافع لتعاطي المخدرات؛ فالاكتئاب، القلق المزمن، التعرض لصدمات نفسية كفقدان عزيز أو الانفصال، أو حتى الشعور بالفراغ العاطفي والوحدة، كلها عوامل تدفع الشاب للبحث عن ملاذ مؤقت في عالم المخدرات.
وينصح الخبراء بتوفير الدعم النفسي المتخصص لمن يعانون من اضطرابات نفسية، وعدم التهاون في علاجها مبكرًا، وتعزيز مهارات التعامل مع الضغوط لدى الشباب، وتدريبهم على طرق صحية للتغلب على التوتر كالرياضة والتأمل.
كما يُنصح ببناء جسور تواصل مفتوحة بين الآباء والأبناء، تسمح للأخير بالبوح بمشكلاته دون خوف من العقاب أو اللوم.
ثانياً: ضغط الأصدقاء وتأثير الرفقة
يؤكد خبراء الإدمان أن تأثير الأصدقاء ورفقاء السوء هو العامل الأقوى في دفع الشباب نحو تجربة المخدرات، خاصة في المرحلة العمرية بين 17 و21 عامًا، حيث تصل النسبة إلى 52% وفق دراسات ميدانية، فالرغبة في الانتماء إلى مجموعة، أو الخوف من الرفض، أو حتى تقليد الأصدقاء، قد تدفع الشاب لتجربة المواد المخدرة رغم معرفته بمخاطرها.
وتبدأ الحماية من البيت، وتمر بالمدرسة والجامعة والمسجد، وتصل إلى الفضاء العام، فالأسرة هي خط الدفاع الأول، ولا أحد يستطيع أن يحل محلها في غرس الثقة والأمان النفسي، حيث يجب على الآباء مراقبة نوعية أصدقاء أبنائهم، وتعزيز ثقة الشباب بأنفسهم وقدرتهم على رفض الضغوط الاجتماعية، عبر تدريبهم على مهارات الرفض القاطع.
ومن المهم جداً تنمية اهتمامات الشباب بأنشطة إيجابية كالرياضة والرسم والبرمجة، لتوجيه طاقاتهم نحو مجالات مفيدة وخلق بدائل صحية للصداقات.
ثالثاً: التفكك الأسري وضعف الرقابة
تشير الدراسات إلى أن المشكلات الأسرية، كالتفكك، الطلاق، العنف المنزلي، أو إهمال الوالدين، تساهم بنسبة 26% في دفع الأبناء نحو التعاطي، فالبيئة الأسرية غير المستقرة تخلق فراغًا عاطفيًا وغيابًا للقدوة الإيجابية، ما يجعل الشاب عرضة للانجراف وراء تأثيرات خارجية سلبية.
وينصح الخبراء بتخصيص وقت نوعي لقضائه مع الأبناء، ومشاركتهم أنشطتهم اليومية والمدرسية، وتجنب القسوة والعنف في التعامل مع الأبناء، حيث أثبتت الأبحاث أن أكثر من 30% من الشباب الذين يعانون من العنف الأسري يتعاطون المخدرات لاحقًا.
كما أنه من الأساسي تعزيز الوازع الديني والأخلاقي لدى الأبناء، وزرع المبادئ والثوابت الثقافية في نفوسهم منذ الصغر.
رابعاً: الفضول وحب الاستطلاع
يعد حب الاستطلاع والرغبة في خوض تجارب جديدة مدخلًا خطيرًا نحو عالم المخدرات؛ فمع انتشار الأفكار المغلوطة حول تأثيراتها، أو التقليل من خطورتها، يقدم العديد من الشباب على تجربة المواد المخدرة بحجة “مجرد اختبار”، ليتفاجؤوا بسرعة تحولها إلى إدمان يصعب التخلص منه.
وهنا تحديدا يجب على وسائل الإعلام نشر التوعية الشاملة بمخاطر المخدرات في المدارس والجامعات، عبر محاضرات وبرامج منهجية وزيارات ميدانية لمراكز علاج الإدمان، وتقديم معلومات دقيقة وعلمية عن تأثير المخدرات على الدماغ والجسم، وكشف الأكاذيب التي تروج لها عصابات الاتجار.
خامساً: سهولة الوصول وانتشار المخدرات
مع تطور وسائل التواصل، أصبح الحصول على المخدرات أسهل من أي وقت مضى، سواء عبر الإنترنت أو في بعض البيئات الاجتماعية، وقد عمل النظام البائد وميليشياته على نشر تلك الآفة في المجتمع السوري.
وتعمل الحكومة على فرض رقابة مشددة على المنافذ الحدودية والأماكن المشتبه بها داخل البلد وشن حملات متتابعة ضد منتجيها ومروجيها، وتشديد العقوبات على المروجين والتجار.
مراكز حكومية
توجد العديد من المراكز في سوريا التي تقدم خدمات مجانية لمواجهة انتشار تلك الظاهرة، ومن أبرز المستشفيات والعيادات الحكومية في هذا الإطار مشفى ابن رشد في دمشق، وهو مستشفى حكومي تخصصي يقدم خدمات علاج الأمراض النفسية وعلاج الإدمان بشكل مجاني تماماً.
وفي حلب يقدم مشفى ابن خلدون التخصصي خدماته، وهو مجهز لاستقبال حالات الإدمان المتقدمة وتقديم الرعاية الطبية الشاملة.
وقد أطلقت الحكومة مؤخرا مبادرة عيادات “بوابة التعافي”، وهي مبادرة وطنية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية تهدف لافتتاح 17 عيادة بالمحافظات، ومنها عيادة بوابة التعافي في داريا بريف دمشق، وفي مركز الشاطئ الصحي باللاذقية، حيث تقدم علاجاً مجانياً سرياً للحالات البسيطة والمستقرة.
وهناك العديد من المراكز والمصحات في الشمال السوري، والتي تعمل بدعم من بعض المنظمات وبالتنسيق مع الحكومة السورية.
وتتطلب مواجهة ظاهرة المخدرات جهدًا متكاملًا بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني؛ وتعتبر الوقاية خيرا من العلاج، وبناء جيل واعٍ قادر على مواجهة الضغوط واتخاذ قرارات سليمة هو الدرع الأقوى في مواجهة هذه الآفة الخطيرة.
المصدر:
حلب اليوم