عقد الرئيس السوري أحمد الشرع اجتماعاً تاريخياً مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، كما التقى بالملك تشارلز الثالث في قصر باكنغهام، خلال زيارة رسمية إلى لندن يوم أمس الثلاثاء، في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في العلاقات السورية-البريطانية.
وتأتي هذه الزيارة، الأولى من نوعها منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، لتتويجاً لسلسلة من التحركات الدبلوماسية التي شهدتها الأشهر الماضية، حيث تعتبر لندن المحطة الثانية ضمن جولة أوروبية بدأها الشرع في برلين حيث التقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
واستهل الشرع زيارته لبريطانيا بلقاء موسع مع رئيس الوزراء كير ستارمر في مقر “10 داونينغ ستريت”، استمر نحو ساعة، تناول خلالها الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية وأبرز الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي المساء، كان الملك تشارلز الثالث في استقبال الرئيس السوري في قصر باكنغهام في لفتة تعكس عمق التطبيع الدبلوماسي بين البلدين.
كما كان من المقرر أن يلقي الرئيس الشرع كلمة في مركز “تشاتام هاوس” للدراسات، أحد أبرز مراكز الفكر في بريطانيا، في خطوة تهدف إلى شرح رؤية دمشق للمرحلة المقبلة وجذب الاهتمام البريطاني للمشاركة في جهود إعادة الإعمار.
أبرز محاور المباحثات ونتائجها
شكلت الزيارة قفزة نوعية في مسار استعادة العلاقات الثنائية التي قطعت عام 2011، وكانت لندن قد أعلنت رسمياً استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق في تموز 2025، تلتها زيارة وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي إلى دمشق (الأولى لوزير بريطاني منذ 14 عاماً) ثم إعادة فتح السفارة السورية في لندن في تشرين الثاني 2025.
وتضمنت المباحثات مناقشة خطوات إضافية لتطبيع التمثيل الدبلوماسي بشكل كامل، بما في ذلك إعادة فتح السفارة البريطانية في دمشق.
وتصدرت الأوضاع المتوترة في الشرق الأوسط، لا سيما الحرب مع إيران، جدول أعمال المحادثات، حيث ناقش الزعيمان سبل منع المزيد من التصعيد العسكري واستعادة الاستقرار الإقليمي، واتفقا على ضرورة وضع خطة عملية لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يشل حركة 20% من النفط العالمي بسبب إغلاقه على خلفية التصعيد العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
ملفات الهجرة والأمن
أولى الجانب البريطاني أولوية كبيرة لملف الهجرة غير الشرعية، حيث حث ستارمر على تعزيز التعاون في ملفات إعادة المهاجرين غير النظاميين، وتأمين الحدود، وتفكيك شبكات تهريب البشر، كما رحب رئيس الوزراء البريطاني بالجهود السورية في مكافحة تنظيم الدولة، مشيداً “بالتقدم المحرز في مجال مكافحة الإرهاب”.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة بالنسبة لبريطانيا التي استقبلت نحو 31 ألف لاجئ سوري بين عامي 2011 و2021.
التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار
شكل البعد الاقتصادي محوراً رئيسياً في المباحثات، حيث تم بحث سبل مساهمة الشركات البريطانية في جهود إعادة إعمار سوريا والبنية التحتية.
واتفق الجانبان على أن إعادة الإعمار تمثل ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي السوري، كما نوقشت رؤية دمشق للعب دور محتمل كبوابة للطاقة إلى الأسواق الأوروبية، في ظل إقرار التشريعات السورية الجديدة التي تسمح للشركات الأجنبية بالتملك الكامل للمشاريع الاستثمارية.
تأتي الزيارة في سياق أوروبي أوسع حيث كان الرئيس الشرع قد زار فرنسا في أيار 2025 في أول زيارة أوروبية له منذ توليه الرئاسة، ما يعكس انفتاحاً أوروبياً متصاعداً على دمشق بعد سنوات من المقاطعة.
أهمية الزيارة لسوريا
تكتسب هذه الزيارة أهمية استراتيجية كبيرة لسوريا من عدة جوانب، وتشمل – وفق مراقبين – إنهاء العزلة الدولية حيث تمثل استقبال بريطانيا للرئيس السوري تتويجاً لجهود دمشق في كسر العزلة الدبلوماسية، بعد عقود من القطيعة، وإعادة إدماج سوريا في المحافل الدولية.
كما تشمل فتح آفاق للاستثمار وتمهد الزيارة الطريق أمام مشاركة الشركات البريطانية في عملية إعادة الإعمار الطموحة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، ما قد يساهم في تحفيز الاقتصاد السوري.
وللزيارة أيضا أهمية في دعم الاستقرار الداخلي حيث يُظهر الاهتمام البريطاني بمكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الحدودي فهماً دولياً للتحديات التي تواجهها الحكومة السورية في فرض الاستقرار والأمن بعد سنوات الحرب، بالإضافة لتعزيز الموقف التفاوضي في ظل التحديات التي تفرضها التوترات الحالية في الشرق الأوسط.
المصدر:
حلب اليوم