آخر الأخبار

قسد تكرر نهج الأسد في قصف المدنيين بعد الانسحاب والهزيمة

شارك

تكشف مليشيات قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، مع كل تراجع ميداني، نمطًا سلوكيًا يعيد إنتاج ما اعتمده النظام السوري البائد طوال سنوات الثورة، حين كان فقدان السيطرة يُترجم مباشرة إلى استخدام القوة ضد المدنيين، بوصفهم جزءًا من الخسارة لا طرفًا يجب تحييده.

ما جرى يوم أمس في أرياف حلب والرقة ودير الزور، مع تقدّم الجيش العربي السوري، لم يكن مجرّد انسحاب عسكري، بل كان اختبارًا أخلاقيًا سقطت فيه مليشيات قسد بصورة فاضحة.

خلال ساعات، انسحبت قسد من مدن وبلدات وقرى، قبل أن تعود إلى الجغرافيا ذاتها بالنار، مطلقة قذائف وصواريخ عشوائية استهدفت المنازل والمدارس وكل ما يرمز للحياة المدنية، في مشهد أعاد إلى الذاكرة السورية صور قصف ما بعد الهزيمة.

لم يأتِ القصف متزامنًا مع اشتباك، ولم يُستخدم غطاءً لتقدّم أو تراجع، بل وقع بعد الانسحاب، في دلالة واضحة على أنه رسالة عقاب جماعي لمن بقي في المكان، وكأن السكان أنفسهم تحوّلوا إلى هدف مشروع لمجرّد أن المليشيات خسرت السيطرة عليهم.

هذا النمط يعيد إنتاج الذهنية ذاتها التي حكمت سلوك بشار الأسد حين كان يخسر مدينة أو بلدة أو حيًا، فيتعامل مع المكان ومن فيه على أنهم خرجوا من “الطاعة”، ويحوّلهم إلى أعداء، ويغرق مناطقهم بالقصف الجنوني.

الفارق الوحيد هنا هو الراية، أما المنهج فواحد: حين تسقط السيطرة على أي منطقة، تصبح هدفًا مشروعا لقذائقهم وصواريخهم، ومع خسارتهم يسقط معها أي اعتراف بوجود مدنيين في هذه المناطق.

وفي مقابل هذا السلوك، أظهرت العمليات التي نفّذها الجيش العربي السوري في المناطق ذاتها نمطًا مختلفًا في التعامل مع الجغرافيا المأهولة، إذ جرى التقدّم عبر اقتحامات برية معقّدة وخطرة، دون اللجوء إلى القصف العشوائي، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية ومتقاطعة، ما جعل كلفة التقدّم تقع على عاتق القوات المهاجمة بدل تحميلها للمدنيين.

أدّت السياسة التي اعتمدها الجيش العربي السوري في التقدّم إلى تكبّده خسائر بشرية في صفوفه، في ظل تمركز مليشيات قسد داخل الأحياء السكنية واتخاذها من منازل المدنيين مواقع تحصّن ودروعًا بشرية. هذا النمط برز بوضوح في مدينة الطبقة، حيث دخلتها القوات دون استخدام القذائف أو الصواريخ، واعتمدت على عمليات اقتحام برية معقّدة انتهت بتحرير المدينة، لكنها جاءت على حساب سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف الجيش.

غير أن الأخطر في مشهد الأمس لم يكن القصف وحده، بل ما وثّقته صور ومقاطع لعربات عسكرية تابعة لقسد أثناء انسحابها، وهي تدهس مواطنين تجمعوا احتفالًا بخروج المليشيات وتحرير مناطقهم.

تلك اللقطات تختصر رؤية قوة مسلّحة لا ترى في الناس سوى عوائق، ولا في المناطق التي لا تشبهها لغةً أو قوميةً سوى أرض معادية لا تستحق إلا العقاب.

وما يعزّز هذا التشابه في السلوك، أن مليشيات قسد لم تكتفِ بالقصف العشوائي بعد انسحابها، بل أقدمت، قبيل مغادرتها مدينة الطبقة، على إعدام سجناء وأسرى، بينهم مدنيون، في ممارسة تعيد إلى الأذهان مباشرة ما كان يقوم به بشار الأسد عند خسارته أي منطقة، حين كان يُفرغ السجون ويعدم المعتقلين انتقامًا قبل الانسحاب.

هذا النمط، الذي أدانته الحكومة السورية بوصفه جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني، يكشف أن قسد، كما النظام البائد، تلجأ إلى القتل المنهجي حين تفشل في الاحتفاظ بالسيطرة، وتحوّل الأسرى والمدنيين إلى أدوات عقاب ورسائل أخيرة بالقوة.

تحاول قسد منذ سنوات تسويق نفسها بوصفها نقيضًا للنظام البائد، لكن سلوكها يكشف أنها لا تختلف عنه في الجوهر، بل تستخدم الأدوات ذاتها وتنتج الضحية ذاتها.

فالقصف العشوائي بعد الانسحاب ليس خطأً عسكريًا ولا انفعال لحظة، بل خيارًا مقصودًا يعكس عقلية مليشيات لا تعرف معنى الشراكة مع المجتمع، ولا تقيم وزنًا لحياة المدنيين.

هكذا، ومع كل انسحاب، تسقط الأقنعة، ويتضح أن “الديمقراطية” التي ترفعها قسد شعارًا لا تظهر إلا في خطابها، بينما تتجلى حقيقتها على الأرض نارًا تطال المختلفين عنها، أكانوا كردا أو عربا أو غيرهم.

تسعى مليشيات قوات سوريا الديمقراطية منذ سنوات إلى تقديم نفسها بوصفها بديلًا عن النظام السوري البائد، غير أن سلوكها الميداني عند خسارة السيطرة يكشف العكس تمامًا.

وفي هذا السياق، لا يعود الاختلاف بين قسد والنظام البائد اختلافًا في المنهج، بل في الاسم فقط، بينما تبقى الضحية واحدة في كل مرة.

شبكة شام المصدر: شبكة شام
شارك

الأكثر تداولا سوريا أمريكا دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا