قال رئيس وكالة التعاون الإنساني الدولي الروسية، يفغيني بريماكوف، إن السلطات السورية الجديدة التي تولت الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024 اقترحت رسميًا إعادة فتح “البيت الروسي” في دمشق واستئناف قبول الطلاب السوريين في الجامعات الروسية وفق نظام الحصص، موضحًا أن تنفيذ هذه الخطوة سيبقى مرتبطًا بتوفير ضمانات أمنية واضحة لسلامة العاملين في المركز الثقافي.
وأوضح بريماكوف في مقابلة مع صحيفة فيدوموستي أن موسكو تلقت، عبر قنوات دبلوماسية، تعبيرًا صريحًا من الجانب السوري عن رغبته في استعادة العلاقات الكاملة وفتح البيت الروسي من جديد، مشيرًا إلى أن هذا الموقف جرى التأكيد عليه خلال الاتصالات التي أعقبت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في تشرين الأول أكتوبر، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.
وأضاف رئيس الوكالة الروسية أن الاتصالات مع السلطات السورية الجديدة أظهرت أنها، رغم توجهها العام إلى مراجعة الاتفاقيات التي أبرمها النظام البائد، تعترف بالقرارات السابقة المتعلقة بالتعاون الإنساني والثقافي مع روسيا، مؤكدًا أنه لم يسمع أي موقف سوري يعارض استمرار هذا المسار.
وأشار إلى أن هناك رغبة سورية واضحة في إعادة تشغيل المركز الثقافي الروسي في دمشق وبدء قبول الطلاب السوريين للدراسة في الجامعات الروسية ضمن الحصص المعتمدة، معتبرًا أن هذه الخطوة تحمل بعدًا سياسيًا وثقافيًا في آن واحد.
وفي المقابل، شدد بريماكوف على أن موسكو ستتعامل بحذر مع هذا الملف، لافتًا إلى أن العامل الحاسم يبقى الوضع الأمني، ولا سيما في ظل وجود جماعات مسلحة لا تخضع بالكامل لسيطرة السلطات الجديدة. وقال إن الوكالة الروسية ستضع مسألة الضمانات الأمنية في صدارة أولوياتها قبل اتخاذ أي قرار عملي بإعادة فتح البيت الروسي، مؤكدًا أن سلامة الموظفين الروس تمثل خطًا أحمر بالنسبة لموسكو.
وأعرب المسؤول الروسي عن أمله في أن تتمكن السلطات المحلية في دمشق من معالجة شؤونها الداخلية، موضحًا أن بلاده لا تتدخل في هذه القضايا، لكنها معنية بشكل مباشر بأمن منشآتها الثقافية والعاملين فيها. وأضاف أن إعادة تشغيل البيت الروسي ليست مسألة “إذا” بل “متى”، في إشارة إلى قناعة موسكو بإمكانية استئناف النشاط حالما تتوفر الظروف المناسبة.
وتناول بريماكوف ملف الطلاب السوريين الذين سيجري قبولهم مستقبلًا، مشيرًا إلى أن الجهات المختصة في روسيا تحتاج إلى فهم واضح لهويات القادمين وأسباب قدومهم ومدى استعدادهم للالتزام بالقوانين الروسية. وأكد أن هذا يتطلب تنسيقًا مباشرًا مع السلطات السورية الحالية، مع التشديد على أن موسكو لن تسمح بتسرع غير محسوب في هذا الملف، لكنها في الوقت ذاته لا ترى ضرورة لإطالة الإجراءات دون مبرر.
وأوضح أن سقوط نظام الأسد وما رافقه من تطورات أمنية أدى إلى إجلاء كامل لموظفي البيت الروسي في دمشق، وإجلاء جزئي لموظفي السفارة الروسية، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار قبول السوريين في الجامعات الروسية بشكل فعلي. وبيّن أن عملية القبول استمرت حتى خلال فترة “تجميد” نشاط البيت الروسي، لكنها اقتصرت على فئات محددة، من بينها طلاب انتقلوا من مرحلة البكالوريوس إلى الماجستير، أو سوريون كانوا موجودين في روسيا قبل سقوط النظام أو وصلوا إليها بعد ذلك بفترة قصيرة.
وأشار بريماكوف إلى أن موسكو استجابت لطلبات هؤلاء الطلاب الذين وجدوا أنفسهم في روسيا في خضم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا، معتبرًا أن هذا النهج يعكس استمرار البعد الإنساني في العلاقات بين البلدين، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
وفي السياق ذاته، رأى باحثون روس في شؤون الشرق الأوسط أن إعادة فتح البيت الروسي في دمشق، في حال تحققت، ستعيد تفعيل آليات التدقيق والمتابعة للطلاب الراغبين بالدراسة في روسيا، وهي إجراءات كانت مطبقة قبل تجميد نشاط المركز.
غير أن هؤلاء حذروا من أن الواقع الأمني والسياسي في سوريا ما زال معقدًا، وأن قدرة السلطات الجديدة على ضبط جميع الفصائل المسلحة وتوفير ضمانات أمنية ثابتة للخبراء الأجانب تبقى موضع اختبار.
المصدر:
شبكة شام