عام كامل مرّ على تحرير سوريا، وما زال عشرات آلاف الأشخاص في عداد المفقودين. معظمهم يُعتقد أنهم دفنوا في مقابر جماعية غير موثقة، فيما تستمر المنظمات الحقوقية والعائلات في محاولة توثيق أسمائهم والكشف عن مصيرهم وسط صعوبة الوصول إلى المعلومات الدقيقة.
في تحقيق ميداني أجرته مراسلة صحيفة إندبندنت البريطانية، بِل ترو، في منطقة السيدة زينب جنوب شرق العاصمة دمشق، كشف أن سوريا لم تبدأ بعد عملية واسعة ومنهجية للبحث عن المفقودين، الذين تُقدر أعدادهم بعشرات الآلاف.
وفي حديثها مع السكان المحليين، التقت المراسلة بسجين سياسي سابق يُدعى حمزة، يبلغ من العمر 42 عامًا، قضى 11 عامًا في سجون الأسد.
تحدث حمزة عن المقابر الجماعية المنتشرة في منطقته قائلاً: "أينما تحفر، تعثر على جثة". وتُشير التقديرات إلى أن نحو ألف شخص دُفنوا في ثلاث مقابر فقط بالقرب من الحي، ما يعكس حجم المأساة التي خلفها النظام السابق.
بعد الإفراج عنه في ديسمبر/كانون الأول 2024، أسس حمزة مع زميله السابق في الزنزانة، فؤاد نَعّال، جمعية تهدف إلى دعم المفرج عنهم وعائلات المفقودين.
حيث بدأوا بتوثيق الجثث والتعرف على الضحايا، وتمكنوا بجهود محلية متواضعة من التعرف على 400 شخص وإعادة دفنهم بطريقة كريمة. ومع ذلك، لا تزال الاكتشافات المروعة مستمرة.
ووثقت الجمعية مؤخرًا جثة رجل فخذه مكسورة، وأسنانه مهشمة، وسلك كهربائي ملتف حول عنقه، وهي علامات دامغة على التعذيب والإعدام، ولم يكن بمقدور الرجلين سوى التقاط الصور للتوثيق، إقامة صلاة الجنازة، وإبلاغ السلطات المحلية.
ويعبر حمزة عن حجم المعاناة التي شهدها في السجون بقوله: "ما رأيته في السجون كان عدداً لا يوصف من الناس يموتون أو يُقتلون"، مضيفًا أن بعض عائلات المفقودين ما زالت تتشبث بالأمل بأن أحبائها محتجزون في مكان آخر على قيد الحياة.
ويشير التقريرإلى أن بجانب المعاناة الإنسانية، تواجه سوريا تحديات فنية ولوجستية كبيرة في تحديد هوية الضحايا. يحتاج البلد، الذي تُقدّر كلفة إعادة إعمار بنيته التحتية بـ216 مليار دولار، إلى مختبرات متطورة وتقنيات حديثة، وهو ما يفتقر إليه.
ويؤكد الدكتور أنس الحوراني، رئيس المركز السوري لتحديد الهوية الجنائية، إلى أن نقص الإمكانيات ومختبرات الحمض النووي يحول دون إجراء عمليات استخراج علمية تضمن عدم خلط رفات الموتى.
وفي 17 مايو/أيار الماضي، أصدرت الحكومة السورية الجديدة مرسوماً بتشكيل "الهيئة الوطنية للمفقودين"، ومن المتوقع إطلاق قاعدة بيانات للمفقودين خلال هذا العام. ومع ذلك، قد يتأخر نبش المقابر الجماعية واستخراج الجثث حتى عام 2027، بحسب التقديرات الحالية.
التقرير سلط الضوء أيضًا على إرث "قيصر"، المصور المنشق الذي وثق آلاف الضحايا، وكيف أثرت العقوبات الدولية على قدرة المنظمات في إدخال التكنولوجيا اللازمة لاستعادة الجثث. ومع إلغاء هذه العقوبات مؤخرًا، يأمل السوريون في تسريع عملية البحث والتوثيق، إضافة إلى تحقيق العدالة.
وفي موازاة ذلك، يطالب ضحايا النظام السابق بمحاكمات عادلة بإشراف دولي. إذ يؤكد فؤاد نَعّال، الذي قضى 21 عامًا في السجن، على أهمية هذه المحاكمات كشرط أساسي لبناء دولة قائمة على القانون
ويقول فؤاد "لن أغفر، لكنني لن أنتقم أيضًا. كل من تلطخت يداه بالدماء يجب أن يُحاكم.
إذا أردنا أن نكون دولة قائمة على القانون والعدالة، فلا بد من ضمان حقوق المواطنين وإجراء المحاكمات بشكل نزيه."
المصدر:
شبكة شام