من الخرزة إلى دورة الطاقة.. كيف يبيع الغموض وهم السيطرة؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ليس غريبا أن يطرق شخص على الخشب بعد خبر سعيد، أو يحتفظ بشيء يظن أنه جلب له الحظ مرة. هذه الأفعال قد تكون عادات عابرة لا تتجاوز أثرها النفسي. لكن المسافة تطول حين تتحول المصادفة إلى تفسير ثابت، ثم إلى قرار يتعلق بالصحة أو المال أو مستقبل الأسرة.
هنا لا يعود السؤال: هل تبدو الفكرة غريبة؟ بل: ما الدليل على أن ما حدث بعد الفعل حدث بسببه؟
قصص مقترحة
list of 1 item* list 1 of 1 حين تصبح المخالفة "فهلوة".. ماذا يكشف "مع شنغين" عن الانضباط الخارجي؟ end of list
في حلقة جديدة من برنامج "مع شنغين"، يبدأ المشهد من خرزة زرقاء وطقس لطرد الطاقة السلبية، ثم يفتح سؤالا أوسع: كيف يصنع العقل رابطا بين حدثين لا دليل على وجود علاقة سببية بينهما؟ وكيف ينتقل هذا الرابط من حكاية شخصية مريحة إلى وصفة تباع في دورة أو إعلان أو حساب على منصة اجتماعية؟
ولا يناقش هذا المقال الاعتقاد الديني أو الممارسات الروحية الشخصية. موضوعه هو الادعاءات العلاجية أو التنبؤية أو السببية التي تقدم نفسها بوصفها حقائق قابلة للفحص، من دون دليل يمكن اختباره والتحقق منه.
مصدر الصورة
بعدها لا يعني بسببها
نميل أحيانا إلى النظر إلى حدثين متتابعين كما لو أن أحدهما صنع الآخر. ارتديت قميصا معينا ونجحت في المقابلة، فصار القميص "سبب" النجاح. أخذت وصفة غير موثقة ثم تحسنت حالتك، فصارت الوصفة "علاجا". لكن ما يغيب عن هذه القصة هو كل ما يمكن أن يكون قد حدث في الخلفية: التحضير، الوقت، العلاج الفعلي، تغير الظروف، أو الصدفة نفسها.
في خمس دراسات، درس الباحثون العلاقة بين الميل إلى رؤية نمط أو معنى في أحداث عشوائية وبين المعتقدات المؤامراتية والخارقة للطبيعة. وفي الدراسة الأولى، عرضوا على مشاركين سلاسل مولدة عشوائيا من نتائج رمي عملة، ثم سألوهم إن كانوا يرون فيها نمطا. وارتبط الميل إلى اكتشاف نمط في هذه السلاسل بمستويات أعلى من هذه المعتقدات.
وفي دراسات أخرى، اختبر الباحثون رؤية الأنماط في صور وأحداث مختلفة. بحسب دراسة للباحثين يان فيليم فان برويين وكارين دوغلاس وكلارا دي إنوسينسيو، نشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي الأوروبية عام 2018.
لا يعني ذلك أن كل من يربط بين حدثين قليل الذكاء، ولا أن العقل يعمل دائما على نحو غير منطقي. البحث عن النمط مهارة ضرورية للتعلم واتخاذ القرار. المشكلة تبدأ حين نمنح هذا النمط درجة من اليقين لا يستحقها، أو حين نرفض أي تفسير آخر لأنه أقل إثارة وأبطأ في الإقناع.
مصدر الصورة
وهم السيطرة
هناك سبب إنساني يجعل التفسير السريع مغريا: لا أحد يحب الوقوف أمام شيء لا يعرف كيف يفسره أو لا يملك السيطرة عليه. عند المرض، أو الخوف، أو الفشل، أو انتظار نتيجة مصيرية، قد يمنحنا الطقس الصغير شعورا مؤقتا بأننا نفعل شيئا.
وهذا الجانب لا ينبغي تجاهله عند الحديث عن الخرافة. ففي تجربة أجراها الباحث ريتشارد توماس دادلي على طلبة جامعيين، طلب من المشاركين التعامل مع مسائل قابلة للحل وأخرى مستعصية. ووجد أن مستوى الاعتقاد الخرافي الذي أبلغ عنه المشاركون ارتفع بعد مواجهة المسائل التي لا حل لها، لا بعد المسائل القابلة للحل، بحسب دراسة نشرت عام 1999.
لا تعني النتيجة أن الخرافة تمنح الإنسان سيطرة حقيقية على الواقع، لكنها تشير إلى أن الشعور بالعجز أمام ما لا نفهمه أو لا نستطيع تغييره قد يجعل التفسير المريح أو الطقس الرمزي أكثر جاذبية.
مصدر الصورة
ما الذي نتذكره؟
بعد أن يصدق الإنسان فكرة ما، لا يحتاج الدجل دائما إلى دليل جديد. يكفي أن يجد في تجربته ما يؤكدها. يتذكر المرة التي "تحققت" فيها توقعات البرج، وينسى عشرات المرات التي لم يحدث فيها شيء. يتذكر التحسن بعد وصفة، ولا يسأل إن كان التحسن قد جاء مع الوقت أو علاج آخر أو تغير طبيعي في الحالة.
هذه ليست تهمة موجهة إلى فئة بعينها. إنها آلية معرفية معروفة باسم "انحياز التأكيد": نميل إلى البحث عما يدعم قناعتنا، وإلى تأويل ما يخالفها أو تجاهله.
ووفق مراجعة منهجية نشرت عام 2022 وشملت 71 دراسة عن المعتقدات الخارقة والوظائف المعرفية، فإن النتائج كانت متباينة بين الدراسات. لكن أكثر الارتباطات اتساقا ظهرت مع الميل إلى التفكير الحدسي وانحياز التأكيد، ومع صعوبات في الاستدلال الشرطي وإدراك العشوائية. ونبهت المراجعة أيضا إلى حدود في بعض أدوات القياس والعينات، ما يفرض الحذر من التعميم أو تحويل هذه النتائج إلى حكم على ذكاء الناس.
لذلك، قد لا يصح اختزال الناس في أحكام عن "ذكائهم"، بل الأجدى أن نسأل: هل منحنا الفكرة فرصة عادلة للاختبار؟ وهل بحثنا عن الحالات التي لم تنجح فيها، كما بحثنا عن الحالات التي بدت مقنعة؟
مصدر الصورة
لغة تبيع نفسها
لا يرتدي الدجل اليوم دائما هيئة الساحر التقليدي. قد يأتي في فيديو أنيق، وإضاءة هادئة، ومصطلحات من الفيزياء وعلم النفس والفلسفة، ثم يخلطها بادعاءات عن "الترددات" و"الذبذبات" و"الطاقة الكونية" و"الشفاء الذاتي".
المصطلح العلمي ليس دليلا في حد ذاته. كلمة "كم" لا تجعل الادعاء كميا، وذكر الدماغ لا يجعل الوصفة عصبية، والاستشهاد ببحث لا يعني أن البحث يدعم النتيجة التي يريد صاحب الإعلان بيعها.
في الحلقة، يلخص شنغين هذا الخلط بقوله: "بجيك واحد بيحكيك حكي منمق، مع شوية مصطلحات فيزيائية على علم نفس.. بضربهن كلهن بالخلاط، بطالعلك خبيصة"
والمعيار هنا بسيط: إذا ادعى شخص أن برنامجه يعالج أو يشفي أو يغير نتيجة ملموسة، فمن حقنا أن نطلب دراسة منشورة، ومنهجا واضحا، ونتائج يمكن لباحثين مستقلين تكرارها. أما القصة الشخصية، مهما كانت مؤثرة، فلا تكفي وحدها لإثبات علاج أو علاقة سببية.
مصدر الصورة
حين يصبح القلق سلعة
تتحول المسألة من عادة خاصة إلى تجارة عندما يلتقط شخص خوف الناس أو حاجتهم إلى إجابة، ثم يقدم لهم يقينا معروضا للبيع: دورة للرزق، جلسة لتطهير الطاقة، خطة تشفي كل الأمراض، أو وعد يغير الحياة خلال أيام.
لا يلزم أن يبدو صاحب الادعاء مخادعا بوضوح. أحيانا يكون مقتنعا بما يقول، وأحيانا يبني عمله على شهادات شخصية لا تكفي للحكم. لكن حسن النية، إن وجد، لا يحول القصة الشخصية إلى دليل. وكلما كان الوعد أكبر وأسرع وأكثر شمولا، صار سؤال الدليل أكثر إلحاحا.
وتلخص إحدى المشاركات في الحلقة جانب السوق بقولها: "إذا عندك ناس مرجعهم غير مبني على أسس علمية.. فبالتالي هم رح يرجعوا لأي حدا شكله موثوق".
مشاركة في الحلقة تتحدث عن الميل إلى الوثوق بمن يقدم نفسه في هيئة خبير أو صاحب حل جاهز (الجزيرة)"لا أعرف"
مواجهة الخرافة لا تبدأ بالسخرية من الناس، ولا بادعاء امتلاك جواب عن كل شيء. تبدأ بالاعتراف بأن بعض الأسئلة قد تظل بلا جواب، وبأن الغموض لا يصبح دليلا لمجرد أننا نرغب في تفسيره.
وقبل مشاركة معلومة، أو دفع ثمن دورة، أو اتخاذ قرار قد يمس الصحة، يمكن التوقف عند أربعة أسئلة:
* ما الدليل؟ وهل هو دراسة أصلية أم قصة شخصية؟
* هل يوجد تفسير آخر؟ أم أنني افترضت السببية لأن حدثين تتابعا؟
* هل يمكن اختبار الادعاء وتكراره؟ أم أن صاحبه يجعل كل فشل دليلا جديدا على أنني "لم أؤمن بما يكفي"؟
* من المستفيد؟ هل يشرح لي صاحب الفكرة، أم يبيعني خوفا وحلا جاهزا معه؟
وفيما يخص العلاج، لا ينبغي إيقاف دواء أو وصفة الطبيب أو استبدالها قبل استشارة مختص صحي.
ليست قيمة عبارة "لا أعرف" في أنها تنهي البحث، بل في أنها تمنعنا من ملء الفراغ بأول تفسير مريح. فحين تتحول المصادفة إلى دليل، لا نخسر دقة التفكير وحدها، بل قد نخسر مالا أو وقتا أو علاجا نحتاجه فعلا.