أعادت موجة نقص في عدد من المواد الأساسية خلال صيف عام 2026 إلى الواجهة تساؤلات بشأن أسباب تكرار أزمات الندرة في تونس، ومدى قدرة الاقتصاد على تجاوزها، في وقت سجل فيه النمو الاقتصادي تحسنا خلال النصف الأول من العام.

وسجل الاقتصاد التونسي نموا بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني من عام 2026، ليبلغ النمو خلال النصف الأول 2.4%، مدفوعا بتحسن قطاعي الفلاحة والسياحة، وفق المعهد الوطني للإحصاء.

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 زجاجة ماء واحدة تمنحك لقب "ثري" بتونس فما القصة؟
* list 2 of 4 بسبب الحرارة والاكتظاظ.. وفيات في سجون تونس
* list 3 of 4 إضراب المحروقات في تونس.. أزمة معيشة أم مؤشر انسداد سياسي؟
* list 4 of 4 ارتفاع أسعار القمح.. كيف تواجه الدول العربية تحديات الأمن الغذائي؟ end of list

ويرى المحلل المالي بسام النيفر أن السوق تتجه إلى التوازن بعد انحسار ذروة الاستهلاك الصيفية، مستبعدا حدوث أزمة في المواد الأساسية خلال الأشهر المقبلة.

في المقابل، يحذر أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي من استمرار مخاطر الندرة بفعل عوامل هيكلية ومالية، أبرزها اضطراب منظومة التخزين والتوزيع، وضغوط تمويل الواردات، وشح الموارد المائية واحتمالات تراجع النمو.

مصدر الصورة موجات نقص السلع تعود إلى عدة عوامل هيكلية وتنظيمية وظرفية (الجزيرة)

أزمة المياه المعبأة

يقول النيفر إن "ندرة بعض المواد ليست لها الأسباب نفسها"، موضحا أن نقص الأرز يرتبط بعوامل عالمية ومناخية أثرت في كبار المنتجين في جنوب شرق آسيا.

ويضيف أن السكر يمثل "إشكالا قائما منذ سنوات، مع وجود تحسن خلال الفترة الأخيرة، لكن النقص ما زال مستمرا"، مشيرا إلى أن الأرز والسكر والشاي تُورد عبر الديوان التونسي للتجارة الحكومي، الذي يعاني ديونا ولديه أولويات أخرى، في وقت تواجه فيه ميزانية الدولة ضغوطا كبيرة.

ويقول النيفر: "خرجنا من أزمة كوفيد في عام 2020، ثم جاءت تداعيات أزمة أوكرانيا، والآن لدينا أزمة عام 2026″، مضيفا أن "3 أزمات خلال 6 سنوات واجهتها ميزانية عمومية لم تكن وضعيتها جيدة أصلا".

أما أزمة المياه المعبأة التي برزت خلال الصيف، فيرى النيفر أن المشكلة لم تكن في الإنتاج بقدر ما كانت في مسالك التوزيع التي "لم تعد منظمة كما كانت".

إعلان

ومع ارتفاع درجات الحرارة والزيادة الكبيرة في الطلب، لم تتمكن السوق من تلبية الاحتياجات، قبل أن تعود وضعية المياه المعدنية المعلبة إلى طبيعتها مع تراجع درجات الحرارة.

مصدر الصورة ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على المياه المعبأة (الجزيرة)

النمو لا ينهي الأزمة

ويعتقد النيفر أن نمو الاقتصاد بنسبة 2.4% يمكن أن يخلق طلبا إضافيا، لكن التضخم يضغط على القدرة الشرائية، مما يجعل الاستهلاك يتركز بدرجة أكبر على المواد الأساسية.

ويرى أن النمو المسجل لم يولد طلبا إضافيا كبيرا، خصوصا بعد انتهاء ذروة الاستهلاك الصيفية وعودة المغتربين والسياح إلى بلدان إقامتهم، متوقعا حدوث "نوع من التوازن" خلال الفترة المقبلة مع عودة الإنتاج والاستهلاك إلى الوتيرة المعتادة.

لكن الشكندالي يرى أن موجات النقص تعود إلى "تداخل عدة عوامل هيكلية وتنظيمية وظرفية"، من أبرزها "ضرب منظومة التخزين التجاري والخلط بينها وبين الاحتكار".

ويقول إن تجريم التخزين والتعامل معه باعتباره احتكارا أو مضاربة، بما يشمل تكوين مخزون اعتيادي لتأمين استمرارية التوزيع، "أدى إلى عزوف فاعلين اقتصاديين عن تكوين مخزونات من المياه".

ويعتقد أن ذلك "تسبب في تفكيك حلقات الإمداد الوسيطة التي كانت تمتص تقلبات الطلب، وحرم السوق من صمام أمان تقليدي".

مصدر الصورة مظاهرات وسط العاصمة التونسية (أسوشيتد برس)

ضغوط مالية ومخاطر مستقبلية

ويضيف الشكندالي أن الضغوط على التوازنات المالية حدت من قدرة الدولة على ضمان انتظام التزويد بالمواد الأساسية، مثل الأرز والسكر والشاي، بالسرعة المطلوبة.

وبشأن النمو البالغ 2.4% خلال النصف الأول من العام، يقول الشكندالي إنه لا يزال دون هدف النمو المحدد عند 3.3%، ويتوقع تراجعه بسبب تداعيات انقطاعات الكهرباء على الإنتاج الصناعي والخدماتي، والتوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط عالميا وما يترتب عليها من زيادة كلفة الإنتاج والنقل والضغط على ميزانية الدولة.

ويرى الشكندالي أن النمو المسجل حتى الآن لم يكن مدفوعا بقطاعات إنتاجية قادرة على تخفيف الضغط على السوق الداخلية، بل جاء أساسا من الخدمات والفلاحة.

وعلى خلاف توقعات النيفر، يرى الشكندالي أن "عدة مؤشرات موضوعية تجعل خطر تجدد أزمات الندرة أو استمرارها خلال الأشهر المقبلة أمرا ممكنا إذا لم تُتخذ إصلاحات استباقية".

ويحذر من أن ارتفاع كلفة الطاقة وانقطاعات الكهرباء قد يقلصان العرض المحلي ويزيدان هشاشة الأسواق أمام أي صدمة جديدة، فضلا عن شح الموارد المائية والضغوط المالية ومحدودية احتياطات النقد الأجنبي وما تفرضه من قيود على تمويل الاستيراد المنتظم للمواد المدعومة، معتبرا أن التأثير قد يمتد إلى الوقود.

وفي مقابل هذه التحذيرات من عوامل اقتصادية وهيكلية وراء أزمات الندرة، تربط السلطات التونسية جانبا من نقص المواد الأساسية بالاحتكار والمضاربة ومحاولات افتعال أزمات.