كشفت مصادر وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني لـ”الحرة” عن خلافات داخلية تهدد مسار عملية السلام الجارية مع تركيا.
وتواصلت “الحرة”، عبر وسطاء، مع مسؤول سابق في الحزب وناشطين سياسيين مقربين من قيادته.
وأكد الثلاثة أن جناحا من قيادة الحزب في قنديل يعارض توجيهات عبد الله أوجلان مؤسس الحزب وزعيمه المسجون في تركيا، كونه لا يزال معتقلا.
ويعتبر هذا الجناح عملية السلام الحالية استسلاما، وليست حلا للقضية الكردية في تركيا.
وفي المقابل، ينتظر جناح آخر توصل أوجلان وحزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، الجناح السياسي للأكراد في تركيا، إلى حسم مصير قادة العمال الكردستاني.
ويشترط هذا الجناح إطلاق سراح أوجلان ليقود بنفسه عملية السلام والمفاوضات مع الحكومة التركية.
ويبرز مصير قادة ومؤسسي حزب العمال، كعقبة حقيقة تهدد عملية السلام مع تركيا، لا سيما بعد استثنائهم من العفو الممنوح للمقاتلين الذين يختارون إلقاء السلاح.
واستثنى قانون “تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي” المعروف بـ”القانون الإطاري”، الذي صدّق عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أغسطس الماضي، أكثر من 300 قيادي من كبار قادة العمال الكردستاني من أي عفو قانوني، أو إعفاء من الملاحقات القضائية.
وبين هؤلاء مؤسسو الحزب، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية. الذي يتوزع أكثرهم بين العراق وسوريا، وتصنفهم السلطات كمخططين ومسؤولين عن عمليات قتل.
وتمنع القوانين التركية العفو عنهم، كما ترفض أنقرة حتى الآن بقاءهم في العراق وسوريا أو في دول أخرى مجاورة، وتلاحقهم أيضا دوليا.
وأشارت المصادر التي تحدثت لـ”الحرة” إلى أن قيادة العمال الكردستاني قد تشهد انشقاقا للجناح الرافض لعملية السلام، أو حتى أن تعلن قيادة الحزب بجناحيه تجميد العملية حتى إطلاق سراح أوجلان، وإصدار عفو عن قياداته بالكامل.
وحذر جميل بايك، الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني “KCK”، التي ينضوي تحتها حزب العمال الكردستاني “PKK”، من مخاطر تعثر عملية السلام بين الحزب وتركيا.
ودعا بايك، في مقابلة مع وكالة “الفرات نيوز” الموالية للعمال الكردستاني، السلطات التركية إلى دعم خطوات تخلي الحزب عن سلاحه بإصلاحات سياسية وقانونية، معتبرا أن “القانون الإطاري” لا يزال غير واضح.
وتؤكد مصادر “الحرة” أن عددا من قيادات الكردستاني ومسلحين منه يسعون حاليا للتوجه إلى دول أوربية للحصول على حق اللجوء فيها.
وأشاروا أيضا إلى مقترح لم تعلن أنقرة ولا حزب العمال الكردستاني بعد موافقتهما عليه، يتضمن نقل عدد من المسلحين والقادة البارزين الذين لن تقبل تركيا العفو عنهم إلى مخيمات خاصة في إقليم كردستان، أو في مدن أخرى في العراق، تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتشبه هذه المخيمات مراكز الإيواء التي نقل إليها مسؤولو وعائلات الأحزاب الكردية الإيرانية قبل ثلاثة سنوات داخل مدن الإقليم، تنفيذا لاتفاق أمني بين بغداد وطهران الذي قضى بإبعادهم عن حدود البلدين.
ويرى الباحث الاستراتيجي علاء النشوع، أن العمال الكردستاني وقيادته يواجهان موقفا صعبا جدا، بالتزامن مع ما تشهده المنطقة من تغيرات.
وأوضح النشوع في حديثه لـ”الحرة” أن توصل الحزب وقيادته إلى نتائج جذرية في علاقته بأنقرة قد يتسبب في حدوث تمرد، لا سيما بين القيادات، ما قد يعرقل عملية السلام.
لكنه يستبعد استئناف العمل المسلح نظرا لانكشاف معظم مواقع الحزب، إلا في حالة وحيدة، وهي احتفاظه بكامل سلاحه واعتصامه مجددا بجبال قنديل الحصينة التي تؤمن له البقاء.
وبحسب المصادر التي تحدثت لـ”الحرة”، فقد شرعت مجموعات من مسلحي حزب العمال في تسليم أنفسهم للأمن التركي منذ بداية العام الجاري. وهي عملية مستمرة ولكن بوتيرة بطيئة.
وفي 19 يونيو الماضي، نقلت صحيفة “نفس” التركية اليومية، معلومات عن مصادر استخباراتية ميدانية، مفادها أن مسلحي العمال الكردستاني انسحبوا من 72 موقعاً في شمال العراق.
وأفادت الصحيفة بأن الحزب أخلى 28 موقعا في منطقة وادي جبل متينة بمحافظة دهوك، المقابلة لقضاء تشوكورجا في محافظة هكاري التركية، حيث انتشرت القوات التركية في هذه النقاط وقامت بتأمينها من الأسلحة والمتفجرات.
ويركز الحزب وجوده في جبال قنديل بكردستان العراق، معقله الرئيسي، منذ عام 1998.
ويؤكد الباحث السياسي التركي، عمر كوش، على مجموعة من العراقيل التي تبطئ سير عملية السلام، بينها شرط إطلاق سراح أوجلان والعفو عن قادة الحزب.
لكنه يضيف إلى ذلك طلب الإفراج عن صلاح الدين دمرتاش، الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، وغيره من القادة السياسيين الأكراد، كما يشير في المقابل إلى انقسام سياسي في تركيا حيال عملية السلام.
وتدرس الحكومة التركية، حسب كوش، مشروع قانون جديد يسهل ظروف عودة آلاف المسلحين والمدنيين الأكراد من العراق وسوريا إلى ديارهم.
ورفعت أنقرة مؤخرا اسم سمير علي أسو، المعروف بـ”سيبان حمو”، معاون وزير الدفاع السوري الحالي، وهو قيادي سابق في قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، من قائمة المطلوبين.
ويقول كوش إن السلطات التركية رفعت أيضا اسم مظلوم عابدي المستشار الحالي في الرئاسة السورية من ذات اللائحة.
لكن أنقرة لم تصدر إعلانا رسميا بهذا الصدد.
ووفق وسائل إعلام تركية، فإن السلطات التركية تعمل حاليا على تخفيف ظروف احتجاز أوجلان في جزيرة إمرالي.
ويرى السياسي المستقل المختص بالشأن الكردي، عبدالله حجاب، إن عملية السلام لم تبدأ حتى الآن بشكل فعلي، وبالتالي لا يمكن اعتبار تصريحات قادة الكردستاني الأخيرة تهديدا لسيرها.
لكنه يشير إلى أن استثناء قيادات الحزب من قرارات العفو في القانون الإطاري ما زال موضوعا للنقاش بين ممثلي حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وزعماء حزب العمال الكردستاني وأوجلان.
ويحذر من أن استمرار استثناء القيادات من العفو سيعرقل مسار العملية.
المصدر:
الحرة