آخر الأخبار

حوكم بتهمة “خدش الحياء” ولقب بـ “ملك الصعاليك”.. من هو حسين مردان “بودلير العرب”؟

شارك

شاعرٌ مشاكسٌ، حالمٌ، استفزازيٌّ وعنيد.. تقرأه فيأخذك إلى تيهٍ لغويٍّ جميل. عاصر السيَّاب، والبياتي، والجواهري، وسعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر، واختلف عنهم جميعاً؛ فكتب القصيدة العمودية بروح وثّابة متجدِّدة وجريئة، تحركها الأشواق ويدفعها الغموض والحب واللهفة، وتميز بنثره المُرَّكز الذي يذهب بك إلى سماوات القلق الوجودي، والجوع العاطفي، والحزن والكآبة، متجاوزاً المألوف إلى عوالم رامبو، وبودلير، ولوتريامون، ونرفال، ومن شابههم من السرياليِّين وكبار الحالمين.

عرفت مقاهي بغداد الثقافية الشاعر حسين مردان (1927–1972م) بلقب «بودلير العراق» أو «بودلير العرب». ويعود هذا الربط بينه وبين الشاعر الفرنسي الرائد شارل بودلير (صاحب ديوان "أزهار الشر") إلى تشابه جلي في أسلوب حياتهما، ومضامين شعرهما، وثورتهما العارمة على التقاليد الأدبية والاجتماعية الجامدة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 قائمة أسود الرافدين.. أيمن حسين يقود تشكيلة العراق في خليجي 27
* list 2 of 2 "موازين".. كيف يعيد "طريق التنمية" صياغة تموضع العراق الإقليمي؟ end of list

بوهيمية التسكع والتمرد على العرف

عاش مردان حياة بوهيمية بلغت حدود التصعلك؛ كانت حياته تائهة ومشردة في شوارع بغداد، ومقاهيها الثقافية، وأوساطها الأدبيِّة، متبنياً روح التشرُّد والرفض التام للأعراف. وهو ما يطابق "بودليرية" التسكع التي عاشها الشاعر الفرنسي في باريس القرن التاسع عشر.

في عام 1949، أصدر حسين مردان ديوانه الشهير «قصائد عارية»، الذي أحدث ضجة كبرى لجرأته وصراحته الصادمة، وقُدِّم على إثره إلى المحاكمة بتهمة "خدش الحياء العام" وسُجن. هذا الموقف يُحاكي تماماً ما حدث مع بودلير الذي حوكم في فرنسا ومُنعت بعض قصائد ديوانه "أزهار الشر" لنفس الأسباب الأخلاقية.

ويلتقي الشاعران في دائرة الاحتفاء بالجسد والشبق؛ إذ يركز شعر مردان على الجسد والشهوة الحسية العنيفة والنزوع نحو العبث، متمردًا على النظرة العذرية أو الكلاسيكية للمرأة، ومصوِّراً عوالم الليل والغواية بشكل يشبه سوداوية بودلير واحتفاءه بالجانب المظلم من النفس البشرية.

«النثر المركز».. الريادة المبكرة لقصيدة النثر

مثلما كان بودلير من أوائل من كتبوا قصيدة النثر في العالم عبر مجموعته "سوداوية باريس"، اخترع حسين مردان في العراق نصاً نثرياً مغايراً وخارجاً عن النمط السائد سمّاه «النثر المركز».

إعلان

يعتبره العديد من النقاد العراقيين رائدًا حقيقيًا لقصيدة النثر في العالم العربي؛ فقصيدته تختلف بكيميائها وروحها عن قصيدة محمد الماغوط، وسبقت حتى التبشير بها في مجلة "شعر" اللبنانية التي نُشرت فيها بعض قصائده لاحقاً.

ارتبطت مسيرة مردان الأدبية بمفاهيم الحزن، التمرد، القلق، والصعلكة، حتى وُصف في القراءات النقدية بـ «سيِّد الحزن» ولُقّب بـ «ملك الصعاليك»، حيث عاش حياة قاسية تنقل فيها بين الفقر والبطالة والتشرد. وتجلى وجهه الممسوح بغيوم الكآبة عبر قصائده المسربلة بالقلق الوجودي والضياع في مجازات اللغة ومدارات المجهول، مسجلاً مسحة واضحة من الألم والوحدة، كما في قصيدته الشهيرة «وتدور مقلته الحزينة».

الفلسفة الوجودية ومفهوم «الشاعر العاري»

أدخل مردان الفلسفة الوجودية إلى الشعر العربي الحديث؛ إذ تأثر بالفكر الوجودي (خاصة عند جان بول سارتر) وعكسه في نصوصه من خلال الاحتفاء بالحرية الفردية المطلقة ومواجهة عبثية الوجود.

وقدّم مفهوم «الشاعر العاري» الذي يرفض الأقنعة الزائفة للمجتمع البرجوازي، متقاطعاً في ذلك مع مبادئ "جيل البيت" (Beat Generation) الأمريكي في التمرد على المنظومات الاستهلاكية. كما صهر حياته الشخصية اليومية المتسكعة بصوت قصيدته، فكانت كتاباته مرآة لشقائه الفردي واحتفائه بالحياة والمرأة والحب في آن واحد.

شظف العيش، الصحافة، والنضال الاجتماعي

واجه مردان صعوبات مادية قاسية دفعته لممارسة أعمال اعتيادية لكسب الرزق؛ فاشتغل في البناء والصحافة. ونظراً لطموحه المتقاطعة مع واقع العهد الملكي، ترك الدراسة وانشغل بالموقف السياسي وهموم بلاده.

تخصص فيما بعد في الأدب والصحافة؛ وتأثر بالشاعر اللبناني إلياس أبي شبكة، فجاءت نصوصه النثرية مفعمة بالعصبية الملتهبة، ومكتوبة بإيقاع متوتر ذات رغبة متفجرة. وبلغ مستوى رفيعاً في كتابة المقالة الإبداعية التي اجتذبت نقاد المشهد الثقافي العراقي.

وفي نهاية عام 1968، عمل محرراً في مجلة "ألف باء" الأسبوعية العراقية، وخُصصت له صفحة أسبوعية يكتب فيها المقال، أو قصيدة النثر المركز، أو الشعر الحر. وكتب من خلالها مقالات تنحاز للمرأة، محارباً النظرة الاستهلاكية لها كـ "جارية وعاشقة"، ومدافعاً عن مكانتها كـ "امرأة مناضلة، وعاملة، وكادحة".

وفي الفترة التي عانى فيها العراق من الركود الأدبي (قبل وفاته بثلاثة أعوام)، نشر مقالته الشهيرة «الجدل لا الكظم»، التي شدد فيها على أن ملامح الشعر الأصيل يجب أن تنبع من جذور الأرض والمجتمع الحقيقي الذي يعيش فيه الشاعر قبل الانفتاح على الآداب العالمية.

أبرز مؤلفاته: "الأزهار تورق داخل الصاعقة"، "من يفرك الصدأ؟"، "عزيزتي فلانة“، ”الربيع والجوع“، ”أغصان الحديد“، "الأرجوحة هادئة الحبال"، ”مقالات في النقد الأدبي“.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا