(CNN) -- أعلنت المملكة المتحدة، الثلاثاء، عن فرض عقوبات على إسرائيل على خلفية التوسع الاستيطاني الهائل في الضفة الغربية المحتلة في ظل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يمثل "إعادة ضبط" جوهرية للعلاقات بين الجانبين.
وصرح وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، بأن المملكة المتحدة ستحظر استيراد البضائع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية "المحتلة بشكل غير قانوني"، وستفرض عقوبات على مجموعة أخرى من المستوطنين الإسرائيليين، وستتخذ إجراءات ضد شركات وأفراد محددين متورطين في التوسع الاستيطاني في قطاعات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات.
وأشار ميليباند إلى أن المملكة المتحدة تتخذ هذه الإجراءات بالتنسيق مع دول أخرى، من بينها فرنسا وكندا.
كان ميليباند قال بوقت سابق الثلاثاء، إن العقوبات تهدف إلى الحيلولة دون تدمير حل الدولتين.
ويمثل هذا القرار صداماً كبيراً بين إسرائيل وواحدة من أبرز حلفائها الغربيين، ويأتي في ظل تزايد الانتقادات الدولية لسياسات إسرائيل في الضفة الغربية، حيث تصاعدت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد الفلسطينيين في مناطق يعتبرها المجتمع الدولي جزءاً من الدولة الفلسطينية المستقبلية.
ومن المرجح ألا يكون للعقوبات المفروضة على منتجات المستوطنات تأثير يُذكر على حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين -البالغ نحو 8 مليارات دولار- إذ لا يأتي سوى جزء ضئيل للغاية منه من الضفة الغربية. ووفقاً لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية، فإن المنتجات الطبية والدوائية تتصدر قائمة الصادرات البريطانية إلى إسرائيل، في حين تأتي الفواكه والخضروات على رأس قائمة الواردات.
وقال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن فرض العقوبات سيكون "خطأً جسيماً في التقدير واختياراً للجانب الخاطئ من التاريخ". وخلال فعالية بمناسبة مرور ثلاثة عقود على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في مجالي البحث والابتكار، صرّح هرتسوغ قائلاً: "العقوبات ليست حلاً، بل الحوار هو الحل".
وقد تؤدي العقوبات البريطانية أيضاً إلى رد فعل من جانب إدارة ترامب؛ إذ صرّح السفير الأمريكي مايك هاكابي -الذي دافع عن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية- لشبكة BBC الثلاثاء قائلاً: "أعتقد أنه سيكون هناك رد فعل بلا شك"، محذراً من أن ذلك قد يخلف "تأثيراً هائلاً على الشركات البريطانية".
وتأتي هذه العقوبات في ظل مساعي إسرائيل للمضي قدماً في مشروع الاستيطان " E1 " -المُدان دولياً- والذي يرى منتقدوه أنه يقسّم الضفة الغربية إلى شطرين شمالي وجنوبي، مما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة الأراضي أمراً شبه مستحيل.
كما أنها تفصل القدس الشرقية– التي يُفترض أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية– عن بقية الأراضي. وفي أواخر أغسطس/آب، طرحت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية في منطقة " E1 "؛ وتهدف الخطة إلى إقامة كتلة متصلة من المستوطنات تمتد من القدس الشرقية وصولاً إلى الضفة الغربية.
ودعا وزير المالية الإسرائيلي المنتمي إلى اليمين المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، صراحةً إلى توسيع الاستيطان كوسيلة "للقضاء" على فكرة الدولة الفلسطينية؛ إذ قال- عندما حصل مشروع " E1 " على الموافقة النهائية- إن "الدولة الفلسطينية تُشطب من على الطاولة، ليس بالشعارات، بل بالأفعال".
العام الماضي، فرضت المملكة المتحدة ودول أخرى عقوبات على سموتريتش ووزير الأمن القومي اليميني المتشدد إيتمار بن غفير؛ بسبب "التحريض المتكرر على العنف ضد الفلسطينيين".
وسيطرت إسرائيل على القدس الشرقية والضفة الغربية في حرب عام 1967. وتُعتبر المنطقتان أراض محتلة بموجب القانون الدولي، كما تُعد المستوطنات الإسرائيلية فيهما غير قانونية على نطاق واسع.
وأدان ميليباند الخطة في وقت سابق من هذا الشهر، واصفاً إياها بأنها "عمل غير مقبول ومدمر" وتتجاوز "خطاً أحمر"؛ كما طالب بـ "التراجع الفوري" عنها، واستدعى القائم بالأعمال الإسرائيلي في لندن في شهر أغسطس/آب.
وقال ميليباند: "لقد كان تأثير عنف المستوطنين وإرهابهم كارثياً على المجتمعات الفلسطينية"، محذراً من أن توسع المستوطنات "يهدد السلام والأمن وآفاق قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة".
وفي مايو/أيار، كانت المملكة المتحدة واحدة من عدة دول أوروبية حذرت الشركات الدولية من المشاركة في أعمال البناء في منطقة " E1 "؛ وذلك بسبب المخاطر والتبعات القانونية وتلك المتعلقة بالسمعة. وأشار البيان -الذي حظي أيضاً بدعم كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا- إلى أن الوضع في الضفة الغربية قد "تدهور بشكل كبير" في ظل وصول عنف المستوطنين إلى "مستويات غير مسبوقة".
وقال وزير الخارجية البريطاني: "لن تقف بريطانيا مكتوفة الأيدي وتتقبل تدمير حل الدولتين"، في إشارة إلى خطة سلام تدعو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.
وصرّح ميليباند للمشرعين البريطانيين الاثنين بأنه سيعرض "مجموعة شاملة من التدابير في الأسابيع المقبلة".
من جانبه، قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، لوسائل إعلام محلية الأسبوع الماضي إن حكومته سترد على بريطانيا في حال فُرضت عقوبات.
وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي لموقع Ynet News قائلاً: "إذا تحركت بريطانيا ضد دولة إسرائيل، فإن دولة إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا؛ فنحن نمتلك الأدوات اللازمة. لقد ولّى الزمن الذي كان فيه البعض يتحركون ضد دولة إسرائيل دون أن ترد".
ومنحت إسرائيل الموافقة النهائية على خطة " E1 " في العام الماضي، معطيةً الضوء الأخضر لإنشاء أكثر من 3400 وحدة سكنية.
لقد تسارعت وتيرة تنفيذ خطة " E1 " في ظل حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة، التي جعلت من التوسع الاستيطاني أولوية لها. وفي حين تُعد معظم المستوطنات الإسرائيلية مشاريع تديرها الدولة، فقد عمدت العديد من مجموعات المستوطنين -في السنوات الأخيرة- إلى إنشاء عشرات البؤر الاستيطانية غير المصرح بها (غالباً باستخدام العنف والقوة البدنية)، وهي بؤر سرعان ما تحصل لاحقاً على موافقات من الحكومة الإسرائيلية.
وصرحت منظمات حقوقية وهيئات رقابية- بما في ذلك منظمة العفو الدولية- بأن حكومة نتنياهو تغض الطرف عن العنف، واصفةً إياه بأنه جزء من منظومة أوسع لما يُعرف بـ "عنف المستوطنين المدعوم من الدولة".
المصدر:
سي ان ان