آخر الأخبار

معلمون على حافة المهنة.. أزمة أجور تهدد استقرار التعليم في السودان

شارك

الخرطوم- بعد 37 عاما قضاها محمد سيد أحمد مسند في مهنة التعليم في العاصمة السودانية الخرطوم معلما وموجها تربويا، وصل إلى الدرجة الأولى، لكن راتبه البالغ 224 ألف جنيه (نحو 35 دولارا) لا يكاد يصمد أمام احتياجاته هو وأسرته.

يقول مسند للجزيرة نت إن راتبه لا يكفيه سوى أيام قليلة من الشهر، في وقت ظل فيه المعلمون "يتلقون وعودا بتحسين أوضاعهم المالية من دون أن يلمسوا تغييرا يتناسب مع ما يواجهونه من أعباء معيشية".

ولا تتوقف معاناته عند ضعف الأجور، فبيئة التعليم نفسها -حسب مسند- تعاني نقص التهيئة داخل المدارس والمكاتب، الأمر الذي يراه أحد أسباب تراجع الإقبال على المدارس الحكومية واتجاه بعض الطلاب إلى التعليم الخاص.

وبعد عقود من العمل في هذا المجال، يرى مسند أن وضع المعلم لم يعد يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، متسائلا عن جدوى الوعود بتحسين المرتبات إذا لم تتحول إلى إجراءات يشعر بأثرها المعلم في حياته اليومية.

زيادة الضغوط

أدت الحرب في السودان إلى زيادة الضغوط على العاملين في قطاع التعليم، وبات ضعف الأجور وتأخر المستحقات وتراجع بيئة العمل من أبرز الشكاوى التي يطلقها المعلمون.

أما إخلاص قاسم، وهي معلمة في إحدى المدارس الحكومية بالولاية الشمالية، فلا تبدأ حسابات راتبها عند موعد صرفه، بل عند السؤال عن الأشياء التي يمكن أن تؤجلها حتى نهاية الشهر.

وتقول في حديثها للجزيرة نت إن مهنة التعليم التي اختارتها منذ سنوات أصبحت أكثر كلفة عليها من الناحية المعيشية، في وقت لم تعد فيه الزيادة في الدخل تواكب ارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والاحتياجات اليومية.

ولا ترى إخلاص أن المشكلة تتعلق براتب شهر واحد، بل بأزمة ممتدة جعلت المعلم يعيش تحت ضغط مالي مستمر، وهو ما تؤكد أنه ينعكس على قدرته على أداء مهمته بالشكل الذي يريده، مشددة على تمسكها بالمهنة التي أمضت سنوات في ممارستها.

مصدر الصورة طالبات بإحدى المدارس الحكومية في ولاية الخرطوم (الجزيرة)

تدهور كبير

وتتجاوز هذه الأزمة حدود مدرسة أو ولاية بعينها، إذ تقول لجنة المعلمين السودانيين إن أوضاع المعلمين تدهورت على نحو واسع خلال سنوات الحرب، مع تآكل القيمة الفعلية للأجور وتراكم عدد من الاستحقاقات المالية، مما انعكس على قدرة المعلمين على الاستمرار وأثّر في أدائهم داخل المدارس.

إعلان

وفي السياق، تقول درية محمد بابكر، عضو المكتب التنفيذي للجنة، إن القيمة الحقيقية لأجور المعلمين تآكلت بأكثر من 90% نتيجة الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني، إلى جانب عدم انتظام صرف المرتبات وتراكم المتأخرات والمنح والعلاوات خلال سنوات الحرب.

وأضافت للجزيرة نت أن ظروف النزوح واللجوء دفعت كثيرا من المعلمين إلى أخذ إجازات غير مدفوعة الأجر، بسبب عدم قدرتهم على العودة إلى مناطقهم، الأمر الذي جعل كثيرين منهم عاجزين عن الوفاء بأبسط الالتزامات الأسرية، ودفع بعضهم إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل أخرى.

وتقول اللجنة إنها خاطبت الجهات المسؤولة وقدمت مذكرات تضمنت مطالب برفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع الأوضاع المعيشية، وصرف المتأخرات والعلاوات والمنح والاستحقاقات المالية، إلى جانب تنظيم مرتبات المعلمين وزيادة الإنفاق على التعليم إلى ما لا يقل عن 20% من الموازنة العامة للدولة.

لكن درية بابكر تقول إن تلك المطالب لم تجد استجابة من المسؤولين، وإن اللجنة لم تتلق معالجة فعلية لهذه الملفات.

قرارات حكومية

وتستند اللجنة في مطالبها إلى جملة من القرارات المالية الحكومية الصادرة منذ عام 2025، بينها:


* قرار تعديل بدل الوجبة.
* القرار التكميلي الخاص بجدولة فروقات الأثر الرجعي.
* قرار مجلس الوزراء رقم (78) لسنة 2026 بشأن إزالة المفارقات.
* منشور ديوان شؤون الخدمة الصادر في أبريل/نيسان الماضي.

ويمتد أثر أزمة أجور المعلمين إلى استقرار العملية التعليمية وجودتها، إذ يرى الخبير التربوي عبد الرحمن سيد أحمد أن استمرار تدهور الأوضاع المالية يدفع بعض المعلمين إلى مغادرة المهنة أو البحث عن أعمال أخرى لتأمين احتياجاتهم، وهو ما يفاقم فجوة الكوادر داخل المدارس ويؤثر في انتظام الدراسة واستقرارها.

ويحذر سيد أحمد -في حديثه للجزيرة نت- من أن استمرار الوضع الحالي قد ينعكس على مستوى التحصيل الدراسي للطلاب، خاصة في ظل الضغوط التي يواجهها قطاع التعليم "أصلا" بسبب الحرب والنزوح.

ومع صدور توجيهات حكومية مؤخرا بتنفيذ بعض القرارات المالية السابقة اعتبارا من أغسطس/آب 2026، كانت لجنة المعلمين السودانيين تترقب انعكاسها على أجور المعلمين، غير أن المرتبات صُرفت دون التعديل الذي نصت عليه تلك التوجيهات، الأمر الذي دفع اللجنة إلى التلويح بخطوات تصعيدية خلال الفترة المقبلة.

حقوق متأخرة

ويضع المتحدث الرسمي باسم اللجنة سامي الباقر الأزمة الحالية بين الحكومة والمعلمين في إطار حقوق مالية متأخرة بسبب الحرب، مشيرا إلى أن المتأخرات تصل في بعض الولايات إلى 14 شهرا.

وقال للجزيرة نت إن 3 قرارات مالية لم تُنفذ، من بينها إزالة المفارقات في الأجور، وبدل السكن الذي يختلف بحسب الدرجات الوظيفية.

وأوضح أن ديوان شؤون الخدمة خاطب الولايات بالمنشورات اللازمة لتطبيقها، غير أن تلك القرارات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما صُرفت المرتبات وفق التعريفة القديمة، متهما جهات لم يسمها بتعطيل تنفيذها.

وأشار الباقر إلى أن المعلمين باتوا على استعداد للتصعيد بالوسائل السلمية، للمطالبة بتنفيذ القرارات وصرف حقوقهم المالية.

إعلان

وحاولت الجزيرة نت الحصول على تعليق من وزارة التربية والتعليم بشأن ما تثيره لجنة المعلمين حول تأخر المستحقات وعدم تنفيذ القرارات المالية، لكنها لم تتلق ردا حتى وقت نشر التقرير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا