آخر الأخبار

ما يُحكى ليس كما يُرى في الأبيّض السودانية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الأبيّض- على الطريق الرابط بين مدينتي كوستي والأبيّض، ونحن نتجه نحو عاصمة شمال كردفان، كانت آثار المعارك واضحة على جانبي الطريق، شاحنات متفحمة وهياكل معدنية متوقفة هنا وهناك بعد أن طالها القصف، لتبقى شاهدة على مرحلة كان الوصول فيها إلى المدينة مغامرة محفوفة بالمخاطر.

تكررت هذه المشاهد طوال فترة الحصار الخانق الذي عانت منه الأبيّض، حين كان هذا الطريق أحد المسارات التي انعكست عليها تداعيات القتال، فتوقفت عنده الحركة أو استُؤنفت في ظروف شديدة القسوة.

مصدر الصورة مدخل مدينة الأبيّض "عروس الرمال" في شمال كردفان (الجزيرة)

"عروس الرمال"

غير أن فك الحصار غيّر تفاصيل المشهد، إذ عاد شريان الحياة إلى الطريق، وأصبح المسافرون يعبرون باتجاه الأبيّض بسهولة أكبر، متخففين من ويلات الخوف والقلق اللذين رافقا الرحلة لشهور.

ومع اقترابنا من المدينة، بدأت ملامح "عروس الرمال" تتجلى تدريجيا، المدينة التي ارتبط اسمها بطبيعتها الرملية، وتاريخها الزاخر كمركز تجاري يربط بين مختلف أقاليم السودان.

منذ لحظة دخولنا، كان استقبال الأهالي أول ما لفت انتباهنا، حفاوتهم وإصرارهم على إكرام الضيف رغم ضغوط الحرب، وكأنهم يرسلون رسالة مفادها أن المعاناة لم تنل من عاداتهم ولا روحهم.

وفي صدارة تفاصيل الاستقبال، يُقَدَّم مشروب "التبلدي" أو "القنقليز" كما يسميه المحليون، وهو المشروب الذي ارتبط بالمنطقة وبأهلها، فأصبح المشروب الرسمي في شمال كردفان.

خلال النهار، تبدو الأبيّض أكثر حركة. الناس يتنقلون بين الأحياء والمركبات تجوب الشوارع، والمتاجر تفتح أبوابها. ولربما ما رأيناه هو بمثابة استعادة المدينة إيقاعها بعد فترة طويلة من الحصار.

ليلا عند زيارتنا لأحد المطاعم بشارع "بلل" وسط المدينة، كانت حركة الزبائن محدودة، لكنها لم تكن غائبة. جلس بعضهم إلى موائدهم، فيما واصل العاملون تقديم الطعام.

حكاية أخرى

غير أن الأبيّض لا تعيش حياة واحدة. ففي مراكز الإيواء، تبدأ حكاية أخرى لمدينة استقبلت نازحين قادمين من مناطق شهدت القتال. أُسر تركت منازلها ومناطقها، وجاءت إلى الأبيّض بحثا عن الأمان، لتجد نفسها أمام حياة جديدة داخل أماكن لم تكن معدة لتكون بيوتا دائمة.

إعلان

في أحد مراكز الإيواء، تتقاطع تفاصيل يومية كثيرة. أمهات يحاولن تدبير شؤون أسرهن، وأطفال يقضون وقتهم في محيط المركز، وأسر تحتفظ بما استطاعت حمله معها من متاع. هي حياة مؤقتة، لكنها امتدت بالنسبة لكثيرين إلى فترة لا يعرفون نهايتها.

النازحون هنا لا يعيشون فقط مشكلة فقدان المنزل، وإنما يواجهون أسئلة أخرى تتعلق بالغذاء والماء والصحة والتعليم ومصدر الدخل. وتزداد هذه الاحتياجات مع استمرار وجود أعداد كبيرة منهم داخل المدينة.

وبينما يحاول سكان الأبيّض استعادة حياتهم، ينتظر النازحون ظروفا تسمح لهم بالعودة إلى مناطقهم. فبالنسبة إليهم، العودة ليست مجرد فتح الطريق، وإنما توفر الأمن والخدمات والقدرة على بدء الحياة من جديد.

ويعيش الناس داخل الأبيّض حياتين، حياة أهل المدينة الذين يحاولون استعادة تفاصيلهم اليومية، وحياة النازحين الذين ما زالوا يعيشون تبعات الحرب في أماكن الإيواء. وبين الحياتين تتحمل المدينة ضغطا إضافيا على خدماتها ومواردها.

مصدر الصورة جانب من الطريق الرابط بين كوستي والأبيّض (الجزيرة)

بيوت تركها القصف خلفه

لكن آثار الحرب لا تظهر فقط في مراكز الإيواء. ففي حي "السكة حديد" تقودنا الجولة إلى منازل تعرضت للقصف. بعضها دُمّر بالكامل، بينما أصاب الدمار أجزاء من منازل أخرى، وبقيت الجدران المتصدعة والركام شاهدة على ما حدث.

أهل المنطقة الذين التقيناهم يستعيدون تفاصيل القصف، ويشيرون إلى أحد المنازل التي تعرضت له، وبحسب الرواية، فإن جميع من كانوا بداخله فارقوا الحياة إثر القصف.

يتحول المنزل هنا من مجرد مبنى مدمّر إلى ذاكرة لعائلة كاملة، كان هذا المكان بيتا لها قبل أن يتحول إلى أثر من آثار الحرب.

تلك المشاهد تجعل عودة الحياة إلى الأبيّض أكثر تعقيدا. ففي الوقت الذي تعود فيه الأسواق والمطاعم إلى العمل، لا تزال بعض الأحياء تحمل على جدرانها وبيوتها آثار المعارك، ولا يزال السكان يستعيدون قصصا عن أيام القصف والحصار.

حين يحل المساء

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع المدينة مرة أخرى. ففي جولة ليلية داخل شوارع السوق، بدت الحركة تتراجع تدريجيا. التجار يستعدون لإغلاق محالهم، والمارة تتسارع خطواتهم للمغادرة، ومع حلول الليل تخلو الشوارع من كثير من المارة وتصبح أكثر هدوءا.

علمنا أن الأسواق تعمل ساعات محددة ضمن إجراءات أمنية تهدف إلى ضبط الأوضاع والحد من الانفلات. لذلك تبدو للأبيض حياة مختلفة بعد غروب الشمس، أنوار تخفت، ومحال تغلق أبوابها، وحركة تتراجع، فيما يعود الناس إلى منازلهم.

رغم عودة الحياة، لا يزال الليل يحمل شيئا من القلق لدى السكان. فمدينة عاشت الحصار والقصف لا تستعيد الإحساس الكامل بالأمان بين ليلة وضحاها -هكذا يقولون- لذلك يتعامل الناس مع ساعات المساء بحذر أكبر.

ولعل أكثر ما تختصره هذه المشاهد أن الأبيّض لم تعد مدينة محاصرة، لكنها أيضا لم تصبح بعد مدينة تجاوزت الحرب. بين الحركتين، يمضي أهلها يومهم، بينما ينتظر النازحون داخل مراكز الإيواء يوما آخر قد يحمل لهم طريق العودة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا