آخر الأخبار

سنوات من الانتظار والفقد.. تونسيون يطالبون بكشف مصير أبنائهم المفقودين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تونستأتي من بعيد حاملة صورة ابنها المفقود منذ سنوات، وبخطوات متثاقلة تقترب من سفارة إيطاليا في العاصمة تونس. تبدو ملامح ليلى صالح منهكة من الخصاصة، ومن الفقد أكثر، وهي تستعيد قصة ابنها بدر الدين حسين الذي غادر البلاد عام 2018 بحثا عن مستقبل أفضل، قبل أن ينقطع أثره.

تقول ليلى للجزيرة نت إن ابنها كان ينفق عليها، وكان ملتزما ولم تكن له سوابق، لكنّ عسر الحال وضيق الأفق دفعاه إلى الهجرة. وتضيف: "كان يقول إنه سيوفر لي كل ما أحتاجه، لكنه ذهب دون أن يترك أثرا".

ومنذ ذلك الوقت، تنتظر ليلى معرفة مصير بدر الدين الذي اختفى بعد مشاركته في رحلة هجرة غير نظامية نحو إيطاليا.

مصدر الصورة عائلات المفقودين تندد بصمت السلطات التونسية والإيطالية تجاه استمرار اختفاء عدد من المهاجرين (الجزيرة)

قصص مختلفة

أمام السفارة الإيطالية، تجمعت عائلات يحمل أفرادها صور أبنائهم الذين انقطعت أخبارهم منذ سنوات. تختلف قصص هؤلاء المفقودين وظروف اختفائهم. بعضهم غادر على متن قوارب الهجرة غير النظامية، فيما تقول أسر أخرى إن أبناءها كانوا يعملون أو يقيمون في إيطاليا قبل أن ينقطع الاتصال بهم.

من جانبها، تقول عواطف الدالي، وهي أستاذة متقاعدة، إن ابنها حمدي بسباس كان يعمل ميكانيكيا في إصلاح السفن، ولم يكن مهاجرا غير نظامي.

وتوضح للجزيرة نت أنها حاولت لسنوات معرفة مصيره، وسافرت برفقة زوجها إلى إيطاليا بحثا عنه، لكنْ من دون الوصول إلى معلومة حاسمة. وتضيف: "أخبرتني السلطات التونسية أنه وصل إلى إيطاليا عام 2020 وأنه يعالَج، وسيتصل بي بعد أيام، لكنه لم يعد".

وبالنسبة إلى العائلات، فإن مرور السنوات لا يعني انتهاء البحث، بل يزيد صعوبة معرفة أين بدأت قصة الاختفاء وأين انتهت.

لا تتوفر حصيلة رسمية محيّنة لكل التونسيين الذين لا يزال مصيرهم مجهولا في إيطاليا. ويعود أحد أبرز الأرقام الرسمية إلى تقرير للمفوض الحكومي الإيطالي المكلف بالأشخاص المفقودين صدر عام 2015، أشار إلى 501 حالة لتونسيين مفقودين كانت محل متابعة حينها، معظمهم من الأشخاص الذين غادروا تونس خلال عام 2011 في اتجاه روما أو بلدان أوروبية أخرى.

إعلان

كما أشار التقرير إلى عمليات بحث وتثبت في قواعد البيانات الإيطالية بالتنسيق مع الجانب التونسي، دون التوصل آنذاك إلى تحديد مصير الحالات المعنية. ولا توجد منذ ذلك التاريخ أي معطيات رسمية محدثة تعكس وضع الملف اليوم، وهو ما تؤكده الجهات المتابعة للملف ذاتها من منظمات وعدد من الناشطين في مجال الهجرة.

مصدر الصورة تقرير إيطالي يعود لعام 2015 يتحدث عن أكثر من 500 مفقود تونسي في إيطاليا (الجزيرة)

الإشكال الأساسي

في المقابل، تتحدث عائلات ومنظمات تونسية عن آلاف المفقودين، لكنّ هذه التقديرات تشمل فترات زمنية وحالات مختلفة. ويقول مجدي الكرباعي، النائب السابق والناشط الحقوقي المتابع لقضايا الهجرة في إيطاليا، للجزيرة نت، إن الإشكال الأساسي يتمثل في غياب متابعة مؤسساتية مستمرة لكل حالة.

ويضيف أن العائلات تضطر في أحيان كثيرة إلى الاتصال مباشرة بالسلطات الإيطالية والمستشفيات والمقابر والجمعيات، بدل وجود مسار واضح تتولاه المؤسسات التونسية منذ لحظة تسجيل الاختفاء.

لا يعني اختفاء المهاجر بالضرورة أنه فُقد في البحر. فبعض الأسر تقول إن لديها معلومات عن وصول أبنائها إلى إيطاليا، قبل أن ينقطع الاتصال بهم، وهو ما يجعل عملية البحث مرتبطة أيضا بسجلات مراكز الاستقبال والاحتجاز، والمستشفيات، وحالات الترحيل، فضلا عن الجثامين مجهولة الهوية.

وتملك روما قاعدة بيانات رسمية للمفقودين، كما تتيح السلطات بيانات تتعلق بالجثامين مجهولة الهوية وعمليات التعرف إليها. وتبرز هنا أهمية مطابقة البيانات بين البلدين، خصوصا عينات الحمض النووي التي يمكن أن تساعد في تحديد هوية جثامين لم يتم التعرف إليها.

وفي هذا السياق، أرسلت تونس في وقت سابق عينات جينية لأهالي مفقودين إلى السلطات الإيطالية بهدف إجراء المطابقات.

لكن السؤال الذي تطرحه العائلات اليوم هو: ما حصيلة هذه العمليات؟ وكم حالة تمكنت السلطات من حسم مصيرها؟

مصدر الصورة مراكز الاحتجاز باتت تثير قلق المنظمات الحقوقية مع استمرار تسجيل الانتهاكات (الجزيرة)

دور الدولة

ويرى الكرباعي أن الدولة التونسية مطالبة بإدارة هذا المسار بصورة أكثر انتظاما، عبر جمع بيانات العائلات وتحديثها ومتابعة ملفات الجثامين مجهولة الهوية لدى السلطات الإيطالية.

وأحدثت وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية عام 2015 لجنة لمتابعة التونسيين المفقودين خلال الهجرة غير النظامية باتجاه السواحل الإيطالية، من بين مهامها جمع المعلومات والتنسيق مع الجانب الإيطالي والتواصل مع عائلات المفقودين.

كما شاركت البعثات الدبلوماسية والقنصلية التونسية في روما في متابعة عدد من الملفات، خصوصا الحالات التي عُثر فيها على جثامين أو احتاجت إلى إجراءات للتثبت من الهوية.

لكن الأسر تقول إن التواصل مع المؤسسات لا يزال غير كافٍ، وإنها تحتاج إلى جهة واضحة يمكن الرجوع إليها لمعرفة آخر تطورات الملف.

ويعتبر الناشط مجدي الكرباعي أن القنصليات التونسية "يُفترض أن تكون حلقة الوصل الأساسية بين العائلات والسلطات الإيطالية"، وأن المطلوب هو آلية دائمة للمتابعة وإبلاغ الأسر بما يستجد، بدل التعامل مع كل حالة بصورة منفصلة.

مصدر الصورة تسجيل حالات وفاة في صفوف التونسيين المحتجزين بشكل متكرر (الجزيرة)

ضعف المتابعة

لا يتعلق الملف بالمفقودين فقط، إذ تعيد وفاة مهاجرين داخل منظومة الاحتجاز والترحيل طرح أسئلة أخرى حول أوضاع التونسيين الموجودين في مراكز الاحتجاز. ومن أحدث الحالات، وفاة المهاجر التونسي الضاوي لسود، المولود عام 1996، يوم 10 أغسطس/آب الجاري داخل مركز الحجز والترحيل "سان جرفاسيو" بمدينة بوتنسا.

إعلان

وتعيد القضية إلى الواجهة حالات سابقة، من بينها وفاة الشاب التونسي وسام عبد اللطيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بعد نقله من مركز بونتي غاليريا للترحيل والاحتجاز في روما إلى المستشفى، حيث فتحت السلطات الإيطالية تحقيقا في ظروف وفاته.

كما توفي التونسي بلال بن مسعود في مايو/أيار 2020 على متن سفينة "موبي زازا" قبالة صقلية، أثناء وجوده ضمن ترتيبات الحجر الصحي للمهاجرين.

هذا وقد تعذر على الجزيرة نت الحصول على تعليق من وزارة الخارجية التونسية بشأن ملف المفقودين وقضية وفاة الشاب الضاوي لسود.

وحسب الكرباعي، فإن مسؤولية السلطات التونسية في حالات الوفاة لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات القنصلية، بل تشمل متابعة التحقيقات والملف الطبي والتواصل مع عائلة المتوفى وضمان حصولها على المعلومات المتعلقة بظروف الوفاة.

من جهته، يقول عماد السلطاني، رئيس جمعية "الأرض للجميع"، للجزيرة نت إن العائلات لا تطالب بأكثر من معرفة مصير أبنائها، منتقدا ما يصفه بضعف متابعة السلطات التونسية للملف. ويعتبر أن استمرار غياب المعلومات يضاعف معاناة العائلات، داعيا إلى التعامل مع المفقودين كملف جماعي يحتاج إلى تنسيق مستمر بين تونس وإيطاليا.

أما بالنسبة إلى ليلى صالح، فلا تزال صورة ابنها التي حملتها إلى الوقفة تختصر سنوات الانتظار. ولم تعد تعرف إن كان عليها أن تنتظر رجوعه، أو تبحث عن أثر يقودها إلى مكانه.

وبالنسبة إلى عشرات الأسر التي تتقاطع قصصها أمام السفارة الإيطالية، يبقى المطلب أبسط من كل التعقيدات الإدارية التي تحيط بالملف: معرفة ما حدث لأبنائهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا