في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنوب لبنان – لا يشبه منزل سليمان البردان في المساكن الشعبية قرب مدينة صور، المنازل التي غادرها أصحابها بعدما حولتها الحرب إلى ركام. جدرانه ما زالت واقفة، وسقفه لم ينهر، وواجهته الخارجية لا تكشف حجم الكارثة التي تسكن داخله. لكن الحياة فيه توقفت منذ أشهر، بعدما اخترق صاروخ حربي إسرائيلي سقفين، وشق طريقه إلى باطن الأرض، ليستقر في مكان مجهول تحت المنزل.
في وسط البيت، يقف البردان أمام حفرة واسعة تتوسط المكان، يتتبع بعينيه مسار الصاروخ منذ لحظة دخوله السقف وحتى اختفائه تحت التراب. آثار الاصطدام لا تزال واضحة على الجدران والدعائم الخرسانية، فيما تشير المعاينات الأولية إلى أن وزنه قد يتراوح بين 500 و800 كيلوغرام، بعدما اصطدم بإحدى الركائز قبل أن يواصل طريقه إلى عمق الأرض.
اضطرت الأسرة في النهاية إلى ردم الحفرة مؤقتا خشية أن يتحول البحث عن الصاروخ إلى خطر جديد يهدد ما تبقى من البيت. فالمشكلة ليست في إزالة التراب بل في الوصول إلى جسم قد يحمل خطر انفجار في أي لحظة. وبين الرغبة في العودة والخوف من المجهول، بقي المنزل عالقا، فلا العائلة قادرة على السكن فيه، ولا على التخلي عنه.
منذ دخول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، بقي باب المنزل مغلقا، لم تعد الأسرة إليه، وبقيت العودة مرتبطة بمهمة هندسية لم تبدأ بعد. وحتى فكرة بيعه تبدو شبه مستحيلة؛ فمن سيشتري بيتا يعرف أن صاروخا يستقر تحت أرضه؟
يرفض البردان فكرة أن تتحمل العائلات وحدها مسؤولية إزالة مخلفات الحرب، ويرى أن التعامل مع جسم بهذا الحجم والخطورة يحتاج إلى خبرات ومعدات متخصصة لا تتوفر للأهالي.
والمطلوب، بالنسبة إليه، ليس مواصلة الحفر العشوائي، بل تدخل جهة مختصة تكشف موقع الصاروخ وتخرجه بأمان، قبل أن يتحول المنزل إلى مصدر خطر دائم.
ولا تبدو قصة منزل البردان حالة معزولة في الجنوب اللبناني بعد الحرب، فمع عودة السكان تدريجيا إلى بعض القرى، ظهرت مخاطر جديدة خلف مشهد الدمار؛ ذخائر وصواريخ وقنابل بقيت عالقة تحت الركام، وفي الحقول، وعلى أطراف الطرق، وحتى داخل المنازل.
لا تختصر قصة منزل البردان معاناة عائلة واحدة، بل تعكس واقعا يواجهه كثير من سكان الجنوب اللبناني بعد توقف القصف، فبعض مخلفات الحرب لا تظهر فوق الأرض، لكنها تبقى حاضرة تحت الركام وفي تفاصيل الحياة اليومية.
ومن بين هؤلاء أم محمد ياغي، التي عادت بعد أشهر من النزوح إلى بلدة زوطر الغربية، لكنها لم تعد إلى المنزل الذي احتضن عائلتها طوال 45 عاما، بل إلى أنقاض طابقين سُوّيا بالأرض.
وبينما كانت تبحث بين الركام عن أي أثر لما تبقى من منزلها، عثرت على قنبلة غير منفجرة مدفونة داخل الأرض. حضر الجيش اللبناني، وعملت وحدة الهندسة على سحبها وتأمين المكان، في مشهد أعاد التذكير بأن انتهاء المعارك لا يعني انتهاء مخاطرها.
فبالنسبة لكثير من العائدين، لا تبدأ رحلة العودة بإزالة الركام فقط بل بالتأكد أولا من أن الأرض التي يعودون إليها لم تعد تخفي خطرا صامتا.
وتشكل إزالة الذخائر غير المنفجرة شرطا أساسيا لعودة آمنة، وهي مهمة يعمل عليها المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبر مسح المناطق المشتبه بها، وتحديد مصادر الخطر، وتأمين المنازل والأراضي قبل إعادة استخدامها.
تشير تقديرات المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام إلى أن الحرب الأخيرة وسّعت بشكل غير مسبوق رقعة التلوث بالألغام والذخائر غير المنفجرة في جنوب لبنان، مع تسجيل 130 منطقة ملوثة جديدة خلال عام 2025 تمتد على نحو 2.33 مليون متر مربع، ليرتفع إجمالي المساحات الملوثة في البلاد إلى نحو 23.45 مليون متر مربع.
ويتركز الجزء الأكبر من هذا التلوث في القرى الحدودية الجنوبية، ولا سيما داخل الأحياء السكنية والأراضي الزراعية ومواقع الأبنية المدمرة والركام، حيث تخفي الأنقاض كميات من القذائف والقنابل غير المنفجرة، ما يجعلها من أبرز العوائق أمام عودة السكان وبدء إعادة الإعمار.
ولمحاصرة هذا الخطر، يعتمد المركز خطة أولية تقوم على استكمال المسح الفني وغير الفني لتحديد جميع المواقع الملوثة ورسم خريطة دقيقة لها، ثم ترتيبها وفق مستوى الخطورة، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تشهد عودة الأهالي والمناطق السكنية والزراعية.
كما يعمل على تعزيز فرق إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، واستكمال عمليات التطهير قبل السماح بإزالة الركام أو إعادة استخدام الأراضي والمنازل.
ويؤكد المركز أن وتيرة إزالة هذه المخلفات تبقى مرتبطة بتوافر التمويل والظروف الأمنية التي تسمح بوصول فرق الهندسة إلى جميع المناطق الملوثة، في ظل استمرار عمليات المسح لتحديد الحجم النهائي للتلوث الذي خلفته الحرب.
وأطلق المركز اللبناني برنامجا لدعم الأعمال المتعلقة بالألغام للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030، بميزانية تبلغ 2.8 مليون دولار، بتمويل من هولندا واليابان والاتحاد الأوروبي. ويركز البرنامج على تعزيز قدرات المركز في إدارة عمليات إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ودعم العودة الآمنة وإعادة الإعمار، إضافة إلى برامج التوعية ومساعدة الناجين.
وفي أبريل/نيسان 2026، وزع المركز نحو 1.9 مليون منشور للتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة عقب وقف إطلاق النار، ويأتي ذلك بعد عام شهد ارتفاعا في حجم التلوث، إذ سُجل خلال عام 2025 سقوط 48 ضحية، بينهم 16 قتيلا و32 جريحا، فيما جرى حشد 12.09 مليون دولار لتمويل أعمال إزالة الألغام في لبنان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة