آخر الأخبار

بين رصاص القناصة وأزمة السكن.. يمنيون مجبرون على العيش على خطوط النار

شارك

تعلم أم يوسف علم اليقين أن العيش على خطوط المواجهة في مدينة تعز اليمنية يكتسي خطورة بالغة، ورغم الهدوء النسبي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية بفضل التهدئة العامة في اليمن، فإنها لا تزال تقع على خطوط التماس بين المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية اليمنية وتلك الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين).

تنتشر المباني المدمرة على طول خطوط التماس في المدينة، لتقف شاهدة على ضراوة المعارك التي استمرت أكثر من عقد من الزمان.

غير أن أم يوسف -وهي سيدة في الأربعينيات من عمرها وأم لأربعة أطفال- شعرت بأن الخيارات أمامها معدومة، فبصفتها المعيل الوحيد لأسرتها بعد وفاة زوجها قبل سنوات أثناء عمله في الخارج، لم يكن لديها ما يكفي لتحمّل تكلفة الإيجار بوسط المدينة، والذي يبلغ نحو 130 دولارا شهريا لمنزل من 3 غرف، وهو مبلغ صعب التحصيل في بلد تفاقمت فيه معدلات الفقر منذ اندلاع الحرب.

تسترجع أم يوسف (وهو اسم مستعار لأسباب أمنية) الأيام التي سبقت انتقالها للعيش في المنطقة الخطرة، فتقول في حديث للجزيرة: "هناك طلب هائل على المنازل، وقد باءت كل محاولاتي بالفشل عندما كنت أعيش مع أطفالي في غرفة واحدة.. كان البقاء في تلك الغرفة أمرا في غاية الصعوبة".

وبعد 8 أشهر من التنقل بين منطقة وأخرى، والبحث حتى في أطراف مدينة تعز، وجدت أن خيارها الوحيد هو الانتقال إلى منزل يقع بالقرب من خطوط المواجهة. ورغم خطورة المكان، فإن المنزل الذي وجدته مقابل نحو 13 دولارا شهريا كان خيارا لا يمكن تجاهله في ظل شح دخلها.

في يناير/كانون الثاني 2025، انتقلت الأسرة إلى المنزل الجديد. وبعد شهرين فقط، دخل ابنها البالغ من العمر (11 عاما) إلى البيت بعد أن كان يلعب في الخارج، والدماء تتدفق من فمه إثر تعرضه لإطلاق نار.

خطر القناصة

تقول أم يوسف: "لم أستوعب ما حدث للوهلة الأولى.. إذ لم أسمع صوت إطلاق النار".

إعلان

لا تزال أم يوسف تجهل مصدر إطلاق النار بدقة، لكن معظم الإصابات بالقرب من خطوط المواجهة في اليمن تتسبب فيها نيران القناصة.

وتُعتبر مدينة تعز من المناطق ذات الخطورة الشديدة في هذا الجانب تحديدا، إذ إن خط المواجهة الذي يمر عبرها يُعد من خطوط التماس القليلة التي تقطع منطقة حضرية في قلب المدينة. كما أن تضاريس المدينة -بين هضاب وتلال ويشرف عليها جبل مرتفع- توفر مواقع إستراتيجية متعددة للقناصة.

وأظهر مشروع مراقبة تابع للأمم المتحدة أن 66% من إجمالي الضحايا المدنيين الذين سقطوا بنيران القناصة في اليمن العام الماضي كانوا في تعز، حيث سُجلت 21 حالة، كان من بينها 9 أطفال.

ولحسن الحظ، لم تكن إصابة ابن أم يوسف بالخطورة التي خشتها في البداية، إذ نُقل فورا إلى المستشفى لتلقي العلاج، وخرج منه في اليوم التالي.

بيد أن الحادثة أيقظت أم يوسف على الحقيقة المرة للمكان الذي تعيش فيه رفقة أطفالها، لكنها لا تزال غير قادرة على الانتقال منه نظرا لضيق ذات اليد، وبعد بحث مضن، لم يكن أمامها سوى البقاء فيه واتخاذ احتياطات للحد من المخاطر المحدقة بها وأطفالها الأيتام.

تقول أم يوسف: "يتخذ السكان هنا احتياطات لم أكن أعلم عنها شيئا من قبل؛ مثل إطفاء الأنوار ليلا في الغرف التي يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ومنع الأطفال من اللعب في المساحات المكشوفة، وتوجيههم للعب خلف المنازل بدلا من ذلك. أصبحت أدرك هذه الأمور الآن وألتزم بها للحفاظ على سلامة أطفالي".

مصدر الصورة حتى في المناطق الآمنة بمدينة تعز لا تزال هناك منازل متضررة بسبب بطء وتيرة إعادة الإعمار (الجزيرة)

منازل مدمّرة

تُعد محافظة تعز الأكثر اكتظاظا بالسكان في اليمن، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 4.5 ملايين نسمة، ويتجاوز عدد النازحين فيها 400 ألف، وفقا لمدير مكتب الإحصاء المحلي خالد علوان، الذي يقول في تصريح للجزيرة: "تضرر أكثر من 10 آلاف منزل بشكل كلي أو جزئي جراء الصراع في تعز، وهناك الكثير من المنازل الأخرى التي لم نتمكن من الوصول إليها لحصرها".

ويتابع: "إعادة الإعمار مكلفة للغاية، وأغلب السكان لا يستطيعون تحمل تكاليف إصلاح منازلهم حتى لو كانت في مناطق آمنة، مما يضاعف من حدة أزمة السكن في المدينة".

ولفت علوان إلى أنه بالرغم من قيام بعض المنظمات الإنسانية بترميم منازل متضررة جزئيا في مناطق آمنة، فإن هذه الجهود تبقى مجرد "قطرة في بحر" مقارنة بالعدد الهائل للممتلكات المتأثرة.

وتُعد منظمة "صناع النهضة" إحدى الجهات التي تعمل على إعادة تأهيل المنازل في عدة محافظات يمنية. وحتى الآن، رممت المنظمة 2389 منزلا في محافظات تعز ولحج والحديدة وعدن وأبين، وكان لتعز نصيب الأسد من تلك الترميمات.

ورغم أن هذه المبادرة ساعدت بعض العائلات على العودة إلى مناطق آمنة، فإن الاحتياجات العامة لا تزال هائلة، حيث يُقدر عدد النازحين في جميع أنحاء البلاد بنحو 4.8 ملايين شخص لا يزالون غير قادرين على العودة إلى ديارهم.

الحراسة مقابل السكن

يعيش محمد سعيد (53 عاما) في حي الثورة بتعز قرب خط المواجهة منذ عام 2023. ويعتقد أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع، وكان الارتفاع الفاحش في أسعار الإيجارات من أسوأ تداعياتها.

إعلان

يقول سعيد للجزيرة: "لست سعيدا بالعيش هنا، فنحن نسمع أصوات إطلاق النار باستمرار خلال الليل. وحتى إن لم نكن مستهدفين بشكل مباشر، فإن مجرد سماع تلك الأصوات كفيل بإرهابنا. في البداية، لم يكن أطفالي يستطيعون النوم عند سماع إطلاق النار، لكنهم تكيفوا الآن.. ولكن تكيفوا مع ماذا؟ تكيفوا مع العيش في منطقة خطر!".

يعيش محمد سعيد -وهو عاطل عن العمل ولا يستطيع تحمل تكاليف الإيجار- في منزل مجانا مقابل حراسته. وبسبب قرب الحي من خطوط المواجهة، فإن العديد من السكان هنا لا يدفعون الإيجار.

ويضيف سعيد: الأوضاع هادئة في الوقت الحالي، لكن لو حدث أي تصعيد، فسنقع في مصيدة تبادل إطلاق النار. أتمنى أن أجد وظيفة تمكنني من استئجار منزل في مكان آمن ومغادرة هذا المكان".

في المقابل، كان خالد عبد الهادي (46 عاما) أحد الذين استطاعوا المغادرة. وُلد خالد في حي الكمب بمدينة تعز ويملك منزلا هناك، لكنه فرّ منه خلال المعارك الطاحنة عام 2018 ولم يعد إليه منذ ذلك الحين، نظرا لأن قربه من خط التماس يجعله غير آمن.

يقول عبد الهادي: "العودة للعيش في منطقة خطرة ليست قرارا صائبا.. رغم أنني أدفع الإيجار بينما أمتلك منزلا، إلا أن العودة قد تكلفني حياتي".

ويشير خالد عبد الهادي، الذي يعمل محاسبا في شركة محلية، إلى أن بعض جيرانه عادوا، وفقد أحدهم ابنه إثر تعرضه لرصاصة قناص.

وقد سمح عبد الهادي لعائلة يعرفها بالعيش في منزله دون مقابل، لمعرفته بفقرهم ورغبتهم في حراسة العقار، لكنه اتخذ قرارا جازما بالعيش بعيدا عن حيه ومنزله: "أفضل العيش في مخيم آمن للعائلات النازحة على العيش في منزل يتهدده الخطر.. لقد فقدنا كل شيء خلال هذه الحرب، ولم يتبقَ لنا سوى أرواحنا، وعلينا الحفاظ عليها."

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا