خلال موجة الحر في يونيو/ حزيران من هذا العام والتي جلبت معها درجات حرارة قياسية إلى دول في غرب أوروبا وحتى مناطق واسعة من العالم العربي، كافح الكثير من الناس لمحاولة الحصول على قدر من النوم، لكن الموجة الحارة تسببت في فقدانهم عدة ساعات من النوم يومياً.
واضطراب النوم هو نتيجة حتمية لفصل صيف طويل وأكثر حرّاً مدفوعة بتغيّر المناخ الذي تسبب فيه النشاط البشري. وباعتبارها القارة الأسرع احترارًا والتي تسخن بأكثر من ضعف المعدل العالمي، فإن أوروبا تُعتبر نقطة فقدان نوم ساخنة. ففي ولاية ساكسونيا الألمانية في يونيو/حزيران، أبلغت محطة أرصاد جويّة عن درجة حرارة دنيا ليلية استوائية بلغت 29.4 درجة مئوية (85 درجة فهرنهايت).
هذه الظروف الليلية القاسية أصبح معدل حدوثها أكثر بـ 100 مرة بسبب تغيّر المناخ الناجم أساساً عن حرق الوقود الأحفوري ، كما تشير منظمة "إسناد الطقس العالمية" ، وهي هيئة علمية عالمية تحلل كيفية تسببت المناخ في الظواهر الجويّة القاسية.
الجدير بالذكر أنه لم يتم الاعتراف بفقدان النوم الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة كمؤشر مهم لكيفية تأثيّر تغيّر المناخ على الصحة البدنية والعقلية إلاّ في الآونة الأخيرة.
في هذا الإطار، قام فريق عالمي من الباحثين بجمع بيانات من 165 مليون ليلة نوم من ما يقرب من 318 ألف مستخدم لأجهزة تتبّع النوم القابلة للارتداء لمراقبة تأثيّر ارتفاع درجات الحرارة على النوم. وفي ورقة بحثية نُشرت في يوليو/تموز، أظهرت النتائج أنه عندما ترتفع درجات حرارة الليل من حوالي 12 درجة مئوية إلى 27 درجة مئوية، يواجه الأشخاص احتمالاً أعلى بنسبة 40% للنوم أقل من ست ساعات.
تتسبب موجة حر شديدة تجتاح أوروبا منذ 20 يونيو - وتُعد الأسوأ من نوعها على الإطلاق - في وقوع وفيات وأضرار في البنية التحتية واضطرابات واسعة النطاق في أنحاء القارة.صورة من: Jaap Arriens/Sipa USA/picture allianceعلمياً، لا يستطيع الإنسان الحفاظ على الوظائف الإدراكية والذاكرة والتوازن العاطفي عندما ينام أقل من سبع ساعات في الليل، كما أشار تاي فيرغسون، باحث زميل في جامعة أديليد الأسترالية الذي يدرس التأثيّرات الصحية والاجتماعية المحتملة لاضطراب النوم الناجم عن المناخ، والذي لم يكن جزءاً من دراسة يوليو/تموز.
وبالإضافة إلى تأثيّره على المزاج والانتباه، يمكن للنوم المضطرب أن يزيد من خطر الإصابة بمرض السكري والاكتئاب وأمراض القلب وحتى السمنة، وفقاً لفيرغسون.
وقال بوين تشو، باحث في كلية العلوم الجويّة بجامعة نانغينغ في الصين والذي شارك في تأليف دراسة في مارس/آذار حول التأثيّرات الاقتصادية المحتملة لقلة النوم الناجم عن المناخ لدى الأطفال : "النوم ضرورة فسيولوجية أساسية ضروريّة لوظيفة المناعة البشرية والصحة العقلية والرفاهية اليومية".
وبخلاف أبحاث تغيّر المناخ التقليدية التي تركز في كثير من الأحيان على الظواهر الجويّة القاسية، فإن فهم فقدان النوم "يسمح للعلماء بقياس التأثيّرات التدريجية واليومية والتراكمية لارتفاع درجة الحرارة المحيطة على الحياة اليومية وصحة الناس حول العالم"، كما قال تشو لــ DW.
وتشير ملاحظات كيلتون مينور، الأستاذ المشارك بجامعة كوبنهاغن بالدنمارك إلى أن "درجات الحرارة ترتفع أيضاً بشكل أسرع ليلاً منها خلال النهار"، داعياً فريق بحثه - إلى جانب جمعية النوم العالمية - إلى تشكيل فريق عمل عالمي للنوم لفهم ومعالجة استنزاف النوم في عالم أكثر حرّاً بل والاستعداد للأمر.
وتصبح الليالي أكثر حرّاً جزئياً لأن السحب تمتص الحرارة وترسلها إلى الأرض بعد غروب الشمس، بخلاف النهار عندما تعكس أشعة الشمس. وقد جد الباحثون أن أنماط السحب تتغيّر بأشكال ووسائل تضخّم من معدل الاحترار العالمي.
عانت معظم الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، من موجة حر قياسية ودرجات حرارة قصوى.صورة من: Mustafa Yalcin/Anadolu/picture allianceربما يتم الإبلاغ عن فقدان النوم بشكل غير مكتمل كتأثيّر مناخي لأنه "لا ينتج حدثاً درامياً واحداً، فلا عدد وفيات صريح في العناوين، ولا ضرر مرئي"، بحسب ما لاحظت كيم فان دالين، أخصائية الأوبئة البيئية بجامعة كامبريدج والمشاركة في تأليف ورقة بحثية نشرت مؤخراً بعنوان " فقدان النوم في عالم يزداد سخونة ".
تقول فان دالين عن التأثيرات الدقيقة لفقدان النوم: "إنه يتراكم بهدوء، ليلة تلو الأخرى، مما يسهّل سقوطه سهواً في التغطية الإعلامية التي تميل إلى التركيز على وفيات موجات الحر الحادة أو دخول المستشفيات".
وتضيف قائلة: "إن فقدان النوم المرتبط بالحرارة قد يوسّع أوجه عدم المساواة الصحية والاجتماعية والاقتصادية القائمة". وقد يكافح الأطفال من أجل التركيز والتعلم والتشبع بالعواطف، بينما "يتعرّض كبار السن والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة إلى إجهاد القلب واختلال معدل الأيض بشكل أكبر" عند تراجع ساعات النوم.
وعن التأثيّرات الاجتماعية الأوسع لاضطراب النوم، قال تشو: "فقدان النوم المزمن الناجم عن درجات الحرارة المرتفعة مرتبط بانخفاض الإنتاجية وتراجع كفاءة التعلم وزيادة محتملة في خطر وقوع حوادث المرور وزيادة الأعباء الصحية طويلة الأجل على المجتمع".
وأضاف قائلاً: "النوم السيء يجعل من الصعب العمل والتعلم والعناية بالآخرين والحفاظ على الصحة الجيدة"، منوهاً إلى أن الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة للتأثيرات السلبية لأنها تعيش في منازل سيئة التهوية أو لا تستطيع تحمّل تكاليف التبريد.
وقد تكون الفئات السكانية ذات الدخل المنخفض داخل الدول الغنية وسكان الدول ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة بما يصل إلى ثلاث مرات لتأثيّر الحرارة المرتفعة على النوم، وفقاً لمينور.
يحدث ذلك من خلال "انخفاض الوصول إلى تكييف الهواء والطرق الاقتصادية الأخرى التي يمكن أن تبقي الحرارة خارجاً"، بحسب ما ذكر مينور، مشيراً إلى "الأشخاص بلا مأوى الذين يحاولون النوم في الشوارع والمهاجرين في خيام خانقة والأشخاص المسجونين في زنازين سجون حارقة والرضّع في غرف نوم حارة للغاية والأمهات الحوامل والأمهات الجدد اللاتي يعانين بالفعل من صعوبة النوم"، وهي الفئات الأكثر تأثراً بالأمر.
أيضاً، يواجه العالم العربي تحديات فريدة متعلقة بفقدان النوم الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة يتجاوز المعدل العالمي.
وتُظهر الدراسات أن دول عربية مثل الإمارات والسعودية والعراق ومصر تشهد موجات حر قياسية، مما يؤثر بشكل مباشر على نوعية نوم السكان.
ويعيش غالبية السكان في الدول العربية في ظروف اقتصادية واجتماعية متباينة، مما يجعل الفئات الفقيرة والمهمشة - خاصة العمال الموسميين والعاملين بالقطاع غير الرسمي - أكثر عرضة لمضاعفات فقدان النوم، بما في ذلك انخفاض الإنتاجية والإصابة بأمراض القلب والسكري.
حتى في السيناريو الذي تُحقق فيه الدول انبعاثات صفرية شبه كاملة، فإن التكيّف مع فقدان النوم الناجم عن المناخ سيكون ضرورة مستمرة لأن درجات الحرارة ستستغرق عقوداً حتى تنخفض، كما لاحظ فيرغسون.
ولعل من أهم الطرق التي يمكن من خلالها التخفيف من تراجع النوم المرتبط بالمناخ سواء في أوروبا أو المنطقة العربية، زيادة الوصول إلى المراوح أو تكييف الهواء، واستعمال أغطية أسرة أخف وزناً وجيدة التهوية، واستخدام عوازل الحرارة خلال البناء، والحد من استخدام الخرسانة الحابسة للحرارة في المدن، كما شرح فيرغسون.
ووفقاًُ لتشو، فإن وجود مساحات خضراء أكثر وأسطح عاكسة للإشعاع الشمسي، إلى جانب تصاميم المباني ذات التبريد السلبي التي تستخدم ستائر النوافذ وتُحسّن التهوية، يُمثل حلولاً هيكلية حيويّة. أيضاً سيكون تعديل الجداول الزمنية لتجنّب العمل خلال موجات الحر القاسية أمراً أساسياً للتدابير التي تساعد في الحفاظ على مدة النوم في عالم أكثر احتراراً.
هذه الحلول ستكون مهمة بشكل خاص في دول أوروبية مثل ألمانيا التي لديها عدد ضئيل للغاية من مكيفات الهواء، على سبيل المثال، بالمقارنة مع الولايات المتحدة أو أستراليا، وفق ما لاحظ مينور، مضيفاً أن "تكييف حوالي ثلث حياتنا الذي نقضيه نائمين مع الاحترار الليلي بالفعل يستحق الأولويّة السياسية الأوروبية والابتكار التكيّفي".
تحرير: عباس الخشالي
المصدر:
DW