خصص برنامج "نقطة حوار" مساحة لمناقشة الجدل الدائر بشأن التعديلات المقترحة على مدونة الأسرة في المغرب، وذلك خلال حلقة سُجلت في مدينة مراكش بحضور عدد من المهتمين بالشأن العام وقضايا الأسرة وحقوق المرأة.
واحتضن مركز نجوم "جامع الفنا" الثقافي فعاليات تسجيل الحلقة، بمشاركة عشرات الشباب والشابات القادمين من مناطق مختلفة من المملكة، بينهم طلبة وخريجو جامعات وفاعلون مدنيون، حيث تبادلوا الآراء بشأن أبرز التعديلات المطروحة وانعكاساتها الاجتماعية والقانونية.
واستضافت الحلقة كلا من الدكتورة سعادة بوسيف، رئيسة منظمة العدالة والتنمية، وغزلان ماموني، رئيسة جمعية "كيف ماما كيف بابا"، اللتين قدمتا وجهتي نظر مختلفتين بشأن عدد من القضايا المثيرة للجدل المرتبطة بإصلاح مدونة الأسرة.
ولا يزال الجدل بشأن مشروع تعديل مدونة الأسرة يتواصل في المغرب، في وقت تتصاعد مطالب جمعيات نسائية وحقوقية بالإسراع في إخراج الإصلاح إلى حيز التنفيذ قبل انتهاء الولاية الحكومية الحالية.
وكان ملك المغرب محمد السادس قد دعا إلى مراجعة مدونة الأسرة بما يواكب التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع المغربي، مع الحفاظ على المرجعية الدينية والثقافية للمملكة.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش العمومي، نظرا لارتباطها المباشر بقضايا الأسرة والمرأة والطفل.
وتشمل أبرز التعديلات المقترحة توسيع حقوق المرأة بعد الطلاق، والاعتراف بعمل الزوجة داخل البيت كمساهمة في تنمية أموال الأسرة، ومنح الأم الحاضنة صلاحيات قانونية أوسع، إلى جانب تسهيل بعض إجراءات الزواج لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج.
كما أثارت مقترحات تتعلق بإثبات النسب عبر البصمة الوراثية وإعادة النظر في بعض قواعد الإرث نقاشا واسعا بين مختلف الفاعلين، حيث تعتبر هذه الملفات من أكثر القضايا حساسية لارتباطها بأحكام دينية واجتماعية راسخة.
وفي ظل تأخر الإعلان عن الصيغة النهائية للتعديلات، عبرت اللجنة الوطنية للقطاع النسائي لحزب الاشتراكي الموحد عن قلقها من غياب تواصل رسمي واضح بشأن مآل المشاورات، رغم مرور نحو سنتين على تسليم التقرير الختامي للجنة المكلفة بالمراجعة إلى رئيس الحكومة.
وترى هيئات نسائية وحقوقية أن استمرار التأخير قد يؤثر على مصداقية الإصلاح ويؤجل الاستجابة لمطالب تتعلق بمحاربة التمييز وضمان حقوق الأطفال وتعزيز الحماية القانونية للنساء، محملة الجهات المعنية مسؤولية أي تراجع عن المكتسبات الحقوقية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وفي السياق نفسه، انتقدت التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة ما وصفته بصمت الحكومة تجاه هذا الملف، معتبرة أن عدم التطرق إليه خلال عرض الحصيلة الحكومية يعكس غياب إرادة سياسية كافية لجعل حقوق النساء ضمن أولويات الأجندة التشريعية.
وتتمحور أبرز نقاط الخلاف بشأن عدد من القضايا الجوهرية، في مقدمتها نظام الإرث والتعصيب.
فبينما تدعو جمعيات حقوقية إلى إلغاء نظام التعصيب باعتباره لم يعد ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها دور المرأة، يتمسك معارضو هذا الطرح بكون أحكام الإرث تدخل ضمن الثوابت الدينية التي لا تقبل التعديل.
ويبرز أيضا ملف إثبات النسب عبر البصمة الوراثية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، إذ يرى مؤيدوه أنه وسيلة لحماية حقوق الأطفال وضمان حقهم في الهوية والنفقة والرعاية، في حين يخشى معارضوه من انعكاسات قانونية وأخلاقية قد تترتب على توسيع العمل بهذه الآلية.
أما في ما يتعلق بحضانة الأطفال، فتدعو بعض المقترحات إلى تمكين الأم من الاحتفاظ بالحضانة حتى بعد زواجها إذا كان ذلك يحقق مصلحة الطفل، بينما يرى الرافضون أن هذا الأمر قد يؤثر على استقرار الطفل داخل الأسرة الجديدة.
كما يشمل النقاش مسألة اقتسام الممتلكات المكتسبة خلال الحياة الزوجية، حيث يطالب المدافعون عن حقوق النساء بالاعتراف بالعمل المنزلي باعتباره مساهمة اقتصادية فعلية في بناء ثروة الأسرة، مقابل تحفظات ترى أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام نزاعات قضائية معقدة.
ومن بين الملفات المطروحة كذلك قضية تزويج القاصرات، إذ تطالب منظمات حقوقية بإلغاء الاستثناءات التي تسمح بزواج من هن دون سن الثامنة عشرة بشكل نهائي، بينما يعتبر آخرون أن بعض الحالات الاجتماعية الخاصة تستدعي الإبقاء على هامش من الاستثناء.
وتشمل الخلافات أيضا مسألة الولاية في الزواج، حيث تدعو بعض الجهات إلى تعزيز استقلالية المرأة الراشدة في إبرام عقد زواجها بنفسها، في مقابل تمسك تيارات محافظة بدور الولي باعتباره جزءا من التقاليد والأحكام الشرعية المرتبطة بتنظيم الأسرة.
كما تعد مسألة تعدد الزوجات من أكثر القضايا إثارة للجدل ضمن النقاش الدائر بشأن إصلاح مدونة الأسرة في المغرب.
فبينما تطالب منظمات نسوية وحقوقية بتشديد القيود القانونية على التعدد أو منعه بشكل كامل، معتبرة أنه لم يعد ينسجم مع مبدأ المساواة بين الزوجين والتحولات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع المغربي، يرفض التيار المحافظ هذه الدعوات ويؤكد أن التعدد حكم شرعي نص عليه الإسلام مع إخضاعه لشروط قانونية صارمة.
ويرى المحافظون أن أي توجه نحو إلغائه قد يثير جدلا مجتمعيا ودينيا واسعا، في حين تدعو الأصوات المؤيدة للتقييد إلى تعزيز الضمانات القانونية لحماية حقوق النساء والأطفال داخل الأسرة.
ومع استمرار النقاش بين مختلف الأطراف، يترقب الرأي العام المغربي الخطوات المقبلة للحكومة بشأن هذا المشروع، الذي يعد من أبرز النقاشات التشريعية والاجتماعية المطروحة في المملكة خلال المرحلة الحالية.
برأيكم
ما الهدف الأساسي من تعديل مدونة الأسرة في المغرب؟
كيف يمكن أن تؤثر التعديلات الجديدة على حقوق المرأة والطفل؟
كيف أثرت التحولات الاجتماعية في المغرب على المطالبة بالإصلاح؟
هل تستطيع القوانين وحدها تغيير الواقع الاجتماعي داخل الأسرة المغربية؟
كيف تقارنون مدونة الأسرة المغربية بقوانين الأسرة في دول عربية أخرى؟
تراقبوا حلقة خاصة من "نقطة حوار" الساعة 16.06 بتوقيت غرينيتش الجمعة 26 يونيو/ حزيران سجلت في مدينة مراكش وناقشت التعديلات المقترحة بشأن مدونة الأسرة في المغرب.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة