آخر الأخبار

الانتقال الديمقراطي في تونس.. مراجعات نقدية للمسار والأدوار

شارك

"الانتقال الديمقراطي في تونس 2011-2021 مراجعات نقدية للمسار والأدوار"، هو عنوان كتاب الدكتور عز الدين عبد المولى الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وهو دراسة يقيم من خلالها تجربة التحول الديمقراطي في تونس، والعقبات التي واجهتها، ومسؤولية الأطراف المختلفة عن ما جرى لها من انتكاسة؛ ومن الدولة العميقة إلى الإسلاميين، ومن النخبة إلى اتحاد الشغل، ومن الإعلام إلى العالم الخارجي، ويتعرض لما وصفه بمقولة الإستثناء التونسي، وإمكانية التحول الديمقراطي.

ينطلق عز الدين عبد المولى من فرضية أساسية مفادها أن التجربة التونسية بين عامي 2011 و2021 تمثل تجربة انتقال ديمقراطي مكتملة الأركان من حيث النشأة والمسار، حتى وإن انتهت إلى انتكاسة سياسية في يوليو/تموز 2021. ويرفض المؤلف النظر إلى الحالة التونسية باعتبارها استثناءً مطلقًا خارج قوانين التحول السياسي، مؤكداً أنها خضعت للعوامل نفسها التي حكمت تجارب الانتقال الديمقراطي في مناطق مختلفة من العالم، من حيث الصراع بين قوى التغيير وقوى المحافظة، ومن حيث التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 باب المندب بعد الاتفاق.. هدوء مؤقت أم جولة جديدة من الصراع؟
* list 2 of 2 دمشق والعودة الكبرى.. هل تستعيد سوريا دورها الإقليمي؟ end of list

ويعتبر المؤلف أن الثورة التونسية لم تكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من موجة تاريخية عربية أوسع عرفت باسم "الربيع العربي". غير أن تونس تميزت بقدرتها على تحويل لحظة الثورة إلى عملية سياسية مؤسسية أفضت إلى انتخابات ودستور جديد ومؤسسات منتخبة، وهو ما لم يتحقق في معظم التجارب العربية الأخرى. لكن هذا النجاح النسبي لم يمنع تراكم أخطاء سياسية ومؤسسية ساهمت في تقويض التجربة تدريجيًا.

ويؤكد عبد المولى أن ما جرى في 25 يوليو/تموز 2021 لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تصحيح للمسار أو إجراءً استثنائيًا، بل يمثل في تقديره انقلابًا على المؤسسات الديمقراطية التي نشأت بعد الثورة. ويضيف أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الشخص الذي قاد هذا التحول كان رئيسًا منتخبًا ديمقراطيًا، وصل إلى السلطة عبر الآليات التي أفرزتها الثورة نفسها، ثم استخدم موقعه لتفكيك النظام الذي أتى به.

إعلان

كما يوضح المؤلف أن هدف الكتاب لا يقتصر على تأريخ عشرية الانتقال الديمقراطي، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم مراجعة نقدية شاملة للأدوار التي لعبتها النخب السياسية والإسلاميون واتحاد الشغل والإعلام والدولة العميقة والقوى الخارجية. ويبحث في الأسباب التي جعلت تجربة بدت واعدة في بدايتها تنتهي إلى الانسداد، محاولًا استخلاص الدروس التي قد تساعد على إعادة بناء مسار ديمقراطي جديد في المستقبل.

ويؤكد أن الانتقال الديمقراطي لا ينجح بمجرد إسقاط نظام استبدادي أو إجراء انتخابات، بل يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة ومؤسسات مستقرة وقاعدة اقتصادية واجتماعية داعمة. ومن هنا فإن تقييم التجربة التونسية لا ينبغي أن يقتصر على نتائجها النهائية، بل يجب أن يشمل أيضًا ما حققته من إنجازات وما كشفته من حدود وإخفاقات.

مصدر الصورة الثورة التونسية (الجزيرة)

الفصل الأول: انتقال ديمقراطي متعثر

يفتتح المؤلف الفصل الأول بتحديد الإطار النظري لمفهوم الانتقال الديمقراطي، موضحًا أن الأدبيات السياسية الحديثة تنظر إلى الانتقال باعتباره عملية معقدة تنتقل فيها المجتمعات من نظام سلطوي إلى نظام أكثر انفتاحًا وتعددية. وهذه العملية ليست خطية أو مضمونة النتائج، بل تتسم بالتعقيد والتذبذب، وقد تنتهي إلى نجاح الديمقراطية أو إلى الارتداد نحو السلطوية.

ويرى عبد المولى أن التجربة التونسية تمثل نموذجًا واضحًا لهذا النمط من التحولات، إذ جمعت بين عناصر النجاح وعوامل التعثر في الوقت نفسه.

ثم ينتقل إلى دراسة السياقات التي أحاطت بالانتقال الديمقراطي في تونس. فعلى المستوى الوطني، جاءت الثورة نتيجة تراكم طويل من الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ظل حكم زين العابدين بن علي. وقد ساهمت البطالة والتفاوت الجهوي وتضييق الحريات وانتشار الفساد في خلق بيئة قابلة للانفجار.

أما على المستوى العربي، فقد جاءت الثورة ضمن موجة احتجاجية واسعة شهدتها المنطقة، مما وفر لها زخمًا إقليميًا وساعد على انتشار مطالب التغيير الديمقراطي. وعلى المستوى ما بعد الكولونيالي، يناقش المؤلف أثر الإرث التاريخي للدولة الوطنية الحديثة وعلاقتها بالمؤسسات التي تشكلت بعد الاستقلال.

ويتوقف الكتاب عند فكرة "الاستثناء التونسي" التي راجت كثيرًا خلال سنوات الانتقال. فبينما رأى بعض الباحثين أن تونس تمتلك خصائص تجعلها أكثر استعدادًا للديمقراطية من غيرها، مثل قوة الطبقة الوسطى ومستوى التعليم ودور المجتمع المدني، يحذر المؤلف من المبالغة في هذه الفكرة. فالتجربة التونسية، في نظره، ليست نتاج خصوصية ثقافية مطلقة، بل ثمرة تفاعل عوامل سياسية واجتماعية ومؤسساتية محددة. ولذلك فإن نجاحها النسبي لا يبرر تحويلها إلى نموذج استثنائي خارج قواعد التحليل المقارن.

ويخصص المؤلف مساحة واسعة لمؤسسات الانتقال الديمقراطي ومحطاته الرئيسية. فيبدأ بهيئة تحقيق أهداف الثورة التي لعبت دورًا مهمًا في إدارة المرحلة الأولى بعد سقوط النظام، ثم المجلس الوطني التأسيسي الذي تولى صياغة الدستور الجديد. ويعتبر أن دستور 2014 مثل أحد أهم منجزات المرحلة الانتقالية، لأنه أسس لعقد اجتماعي جديد قائم على التعددية والتوازن بين السلطات وحماية الحقوق والحريات. كما يتناول أهمية الانتخابات الدورية التي شهدتها البلاد، ويرى أنها رسخت مبدأ التداول السلمي للسلطة وأعطت التجربة شرعية ديمقراطية حقيقية.

إعلان

ويناقش كذلك تطور المشهد الحزبي والثقافة السياسية والعدالة الانتقالية. فقد شهدت تونس بعد الثورة تعددية حزبية واسعة وحراكًا سياسيًا غير مسبوق، إلا أن هذا التنوع تحول أحيانًا إلى حالة من التشتت وعدم الاستقرار. أما العدالة الانتقالية فقد مثلت محاولة لمعالجة إرث الاستبداد والانتهاكات السابقة، لكنها واجهت عراقيل سياسية ومؤسساتية حدت من فاعليتها وأضعفت قدرتها على تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

وفي القسم الأخير من الفصل يتناول المؤلف في دراسته حدود الانتقال الديمقراطي ومآزقه. ويرى أن أبرز هذه المآزق تمثل في نخبوية المسار، إذ بقيت قطاعات واسعة من المجتمع بعيدة عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار السياسي. كما أن الإنجازات السياسية لم تترافق مع نجاح اقتصادي واجتماعي مماثل، وهو ما خلق فجوة متزايدة بين تطلعات المواطنين ونتائج العملية السياسية. ويعتبر أن هذه الفجوة شكلت "الثغرة الحاسمة" التي استغلتها القوى المناهضة للمسار الديمقراطي لاحقًا.

ويخلص عبد المولى إلى أن التجربة التونسية لم تفشل لأنها افتقرت إلى المؤسسات الديمقراطية أو إلى الشرعية الانتخابية، بل لأنها عجزت عن تحويل الديمقراطية إلى مشروع قادر على تحسين حياة المواطنين وتعزيز ثقتهم بالنظام الجديد. ومن هنا جاء التعثر الذي انتهى تدريجيًا إلى تفكيك كثير من مكتسبات العقد السابق، رغم أن التجربة ظلت، في تقديره، أهم محاولة عربية لبناء نظام ديمقراطي تعددي بعد عام 2011.

مصدر الصورة البرلمان التونسي حيث لم تفشل التجربة لأنها افتقدت إلى المؤسسات الديمقراطية أو الشرعية الانتخابية (رويترز)

الفصل الثاني: النخبة ودورها المزدوج

يرى عز الدين عبد المولى أن النخب السياسية والفكرية والنقابية كانت الفاعل الأكثر تأثيرًا في التجربة التونسية منذ سقوط نظام بن علي وحتى انهيار المسار الديمقراطي. ويعتبر أن فهم نجاح التجربة أو تعثرها يقتضي فهم طبيعة هذه النخب وعلاقاتها المتبادلة وقدرتها على إنتاج التوافقات أو تعطيلها. لذلك ينظر إلى النخبة بوصفها طرفًا أساسيًا في صناعة الانتقال الديمقراطي، وفي الوقت نفسه أحد الأطراف التي ساهمت في إضعافه لاحقًا.

ويؤكد المؤلف أن نجاح المرحلة الأولى من الانتقال لم يكن نتيجة تفوق مؤسسة بعينها، بل جاء نتيجة ديناميكية توافقية بين أطراف متعارضة فكريًا وسياسيًا. فقد أدركت القوى الرئيسية أن البلاد لا تحتمل صراعًا صفريًا، وأن نجاح الثورة يقتضي إدارة الخلافات عبر التفاوض والتسويات. ومن هنا نشأت ثقافة سياسية جديدة نسبيًا قامت على التوافق بدل الإقصاء، وهو ما سمح بتجاوز أزمات عديدة كادت أن تعصف بالتجربة في بدايتها.

ويتوقف المؤلف عند ما يسميه "التوافق المنعطف"، أي تلك اللحظة التي قبلت فيها القوى السياسية الكبرى نقل السلطة وفق قواعد ديمقراطية متفق عليها، رغم التباينات الحادة بينها. ويرى أن هذا التوافق لم يكن مجرد إجراء سياسي مؤقت، بل شكل قاعدة أساسية لحماية الانتقال من الانهيار خلال السنوات الأولى. كما يناقش الحوارات السياسية التي سبقت صياغة الدستور، والتي ساهمت في بناء أرضية مشتركة بين القوى المتنافسة.

ويولي اهتمامًا خاصًا للحوار الوطني الذي رعته منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها الرباعي الراعي للحوار. ففي تقديره، مثل هذا الحوار لحظة فارقة في تاريخ الانتقال التونسي، إذ نجح في تجنب الانزلاق إلى العنف السياسي في ظرف إقليمي شديد الاضطراب. لكن المؤلف يلاحظ أن النجاح المرحلي للحوار لم يتحول إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد يعالج جذور الأزمات السياسية والاقتصادية.

ويشير عبد المولى إلى أن التوافقات السياسية المتغيرة التي اتسمت بها المرحلة الانتقالية أفرزت نتائج متناقضة. فمن جهة ساعدت على الحفاظ على الاستقرار، ومن جهة أخرى أدت إلى ضبابية المشهد السياسي وإضعاف المحاسبة الديمقراطية. كما أن كثيرًا من التحالفات قامت على حسابات ظرفية أكثر من قيامها على برامج إصلاحية واضحة، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين في النخب الحاكمة.

إعلان

ويخلص المؤلف إلى أن النخبة التونسية الجديدة التي تشكلت بعد الثورة لم تستطع أن تتحول إلى نخبة تاريخية قادرة على قيادة مشروع وطني جامع. فبرغم نجاحها في إدارة بعض الأزمات، فإنها أخفقت في بناء توافق مستدام حول أولويات الدولة وإصلاحاتها الكبرى. ومن هنا جاء دورها المزدوج: فقد ساهمت في إنجاح الانتقال الديمقراطي، لكنها أسهمت أيضًا، بقصد أو من دون قصد، في توفير البيئة التي سمحت بالانقلاب عليه.

مصدر الصورة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الذي قامت عليه الثورة (غيتي)

الفصل الثالث: الإسلاميون.. عقدة الانتقال الديمقراطي

يخصص المؤلف هذا الفصل لدراسة تجربة الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة النهضة، بوصفها أحد أهم عناصر المعادلة السياسية التونسية بعد الثورة. ويرى أن الحركة انتقلت بصورة دراماتيكية من موقع الضحية التي تعرضت للقمع والملاحقة خلال العقود السابقة إلى موقع الفاعل السياسي الرئيسي بعد سقوط النظام. وهذا الانتقال السريع فرض عليها تحديات غير مسبوقة تتعلق بإدارة السلطة والتعامل مع مؤسسات الدولة وبناء التحالفات.

ويشرح المؤلف أن الإسلاميين دخلوا المجال السياسي بعد الثورة وهم يمتلكون رصيدًا شعبيًا كبيرًا، لكنه رصيد تكون أساسًا في سياق المعارضة لا في سياق الحكم. ولذلك وجدوا أنفسهم أمام اختبار صعب يتمثل في تحويل الشرعية الثورية والانتخابية إلى قدرة فعلية على إدارة الدولة. ويشير إلى أن الانتقال من المعارضة إلى السلطة كشف عن فجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات الحكم اليومية.

كما يناقش المؤلف طبيعة السلطة التي مارسها الإسلاميون خلال فترة وجودهم في الحكم، ويرى أنها كانت في كثير من الأحيان سلطة شكلية أو محدودة، بسبب وجود مؤسسات وقوى أخرى تملك القدرة على التأثير في القرار السياسي. ومن ثم فإن تحميلهم وحدهم مسؤولية تعثر المرحلة الانتقالية لا ينسجم مع تعقيدات الواقع السياسي التونسي.

ويتناول أيضًا العلاقة بين الإسلاميين والديمقراطية، وهي القضية التي ظلت محورًا رئيسيًا في الجدل السياسي والفكري. ويؤكد أن التجربة التونسية قدمت نموذجًا مختلفًا عن كثير من التجارب الأخرى، إذ أظهرت إمكانية مشاركة الإسلاميين في العملية الديمقراطية وقبولهم بقواعدها الأساسية. غير أن هذا القبول لم ينهِ المخاوف المتبادلة بينهم وبين خصومهم، مما أبقى حالة الاستقطاب قائمة بدرجات متفاوتة طوال العقد الانتقالي.

وينتهي المؤلف إلى أن الإسلاميين كانوا في آن واحد جزءًا من الحل وجزءًا من المشكلة. فمن دون مشاركتهم كان من الصعب بناء نظام ديمقراطي شامل، لكن الصراعات المرتبطة بهم وبموقعهم في السلطة ساهمت أيضًا في تعقيد المسار الانتقالي. ولهذا يصفهم بأنهم "عقدة الانتقال الديمقراطي"، أي العنصر الذي لا يمكن تجاهله عند تفسير النجاح أو الفشل.

مصدر الصورة غلاف الكتاب (الجزيرة)

الفصل الرابع: اتحاد الشغل والوجه الآخر لجائزة نوبل

يتناول المؤلف الدور الذي لعبه الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه إحدى أقوى المؤسسات الوطنية وأكثرها حضورًا في المجال العام. ويؤكد أن الاتحاد لم يكن مجرد منظمة نقابية تدافع عن الحقوق المهنية، بل تحول عبر التاريخ إلى فاعل سياسي واجتماعي مؤثر في رسم التوازنات الوطنية.

ويرصد المؤلف العلاقة المتقلبة بين البعد النقابي والبعد السياسي في نشاط الاتحاد، موضحًا أن هذه العلاقة لم تكن ثابتة، بل خضعت لاعتبارات متعددة تتعلق بالسياق الوطني وبطبيعة السلطة القائمة. وقد ظهر هذا الدور بوضوح خلال الثورة وما تلاها، حين انخرط الاتحاد في الأحداث بصورة محسوبة، محاولًا الحفاظ على موقعه الوطني الجامع.

ويستعرض الكتاب مساهمة الاتحاد في إدارة المرحلة الانتقالية منذ سقوط بن علي وحتى انتخاب المجلس التأسيسي، ثم خلال أزمة عام 2013 التي بلغت ذروتها مع الحوار الوطني. ويعتبر المؤلف أن الاتحاد لعب دورًا مهمًا في منع الانهيار السياسي وفي توفير إطار للحوار بين الخصوم، وهو ما جعل الرباعي الراعي للحوار يحظى بجائزة نوبل للسلام.

لكن المؤلف لا يكتفي بإبراز هذا الجانب الإيجابي، بل يقدم قراءة نقدية لأداء الاتحاد. فهو يرى أن المنظمة النقابية ساهمت أحيانًا في تعقيد الأوضاع الاقتصادية عبر الضغوط الاجتماعية المتزايدة والإضرابات المتكررة، كما أنها لم تحافظ دائمًا على المسافة نفسها من مختلف القوى السياسية. ومن ثم فإن دورها لم يكن أحادي الاتجاه، بل جمع بين المساهمة في حماية الانتقال وبين الإسهام في بعض أزماته.

إعلان

وعند تناوله لموقف الاتحاد من أحداث 25 يوليو/تموز 2021، يناقش المؤلف ما إذا كان دعمه يمثل مساندة مشروطة أم خطأ في تقدير النتائج المحتملة. ويخلص إلى أن كثيرًا من القوى التي رحبت بالإجراءات الاستثنائية لم تتوقع أن تؤدي إلى تفكيك المؤسسات الديمقراطية بالقدر الذي حدث لاحقًا.

الفصل الخامس: الإعلام والفرص المهدورة

يخصص عز الدين عبد المولى هذا الفصل لدراسة أداء الإعلام التونسي خلال عقد الانتقال الديمقراطي، ويعتبر أن الإعلام كان أحد المجالات التي حملت آمالًا كبيرة بعد الثورة، لكنه في الوقت نفسه يمثل أحد أبرز الأمثلة على الفرص التي لم تستثمر بالشكل المطلوب. فالتحرر من الرقابة السياسية وفتح المجال العام وفرا ظروفًا غير مسبوقة لإقامة إعلام مهني مستقل قادر على دعم الديمقراطية الناشئة، غير أن النتائج النهائية جاءت أقل من التوقعات بكثير.

ويبدأ المؤلف بتقديم مدخل نظري يوضح فيه العلاقة بين الإعلام والديمقراطية، مؤكدًا أن وسائل الإعلام لا تقتصر وظيفتها على نقل الأخبار، بل تسهم في تشكيل المجال العام ومراقبة السلطة وتوفير المعلومات التي تمكن المواطنين من اتخاذ قرارات سياسية واعية. ومن هذا المنطلق فإن نجاح الانتقال الديمقراطي يرتبط إلى حد كبير بوجود إعلام حر ومهني وقادر على أداء وظائفه الرقابية والتنويرية.

ثم يعود إلى مرحلة ما قبل الثورة، حيث كانت المنظومة الإعلامية خاضعة بدرجات مختلفة لسيطرة السلطة السياسية. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ ممارسات مهنية وسلوكية استمرت آثارها حتى بعد سقوط النظام. ويرى المؤلف أن التغيير السياسي السريع لم يصاحبه تحول مؤسسي وثقافي مماثل داخل المؤسسات الإعلامية، وهو ما جعل كثيرًا من أنماط العمل القديمة تستمر في بيئة جديدة.

ويشرح المؤلف أن عشرية الانتقال شهدت بالفعل إصلاحات تشريعية وتنظيمية مهمة، غير أن البيئة الإعلامية ظلت تعاني من اختلالات بنيوية. فقد تغيرت القوانين والهيئات المشرفة على القطاع، لكن الممارسات المهنية لم تتطور بالوتيرة نفسها. كما أن التنافس السياسي الحاد انعكس على الأداء الإعلامي، فتحولت بعض المنابر إلى ساحات للاستقطاب بدل أن تكون فضاءات للنقاش العمومي المتوازن.

ومن القضايا التي يتوقف عندها المؤلف ظاهرة تراجع الصحافة المهنية وصعود ما يسميه "الكرنكة"، أي أشكال من الخطاب الإعلامي القائم على الإثارة والتبسيط والشخصنة.

ويرى أن هذه الظاهرة أضعفت جودة النقاش العام وأسهمت في انتشار الشعبوية السياسية والإعلامية على السواء. كما يشير إلى أن كثيرًا من المؤسسات الإعلامية لم تنجح في تطوير نماذج اقتصادية مستقرة، مما جعلها عرضة للتأثيرات السياسية والمالية.

ويخلص عبد المولى إلى أن الإعلام التونسي أخفق في مهمتين متلازمتين: إصلاح المنظومة القديمة وبناء منظومة جديدة أكثر استقلالًا وكفاءة. ولذلك يعتبر أن قطاع الإعلام يمثل نموذجًا واضحًا للفرص التي أتاحتها الثورة دون أن تتحول بالكامل إلى مكاسب مؤسسية دائمة.

مصدر الصورة يرصد المؤلف تراجع الدور المهني للصحافة (غيتي)

الفصل السادس: الدولة العميقة أو "المسؤول الكبير"

يتناول المؤلف في هذا الفصل مفهوم "الدولة العميقة"، وهو من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في النقاشات السياسية العربية المعاصرة. ويشير إلى أن هذا المصطلح كثيرًا ما استخدم بصورة فضفاضة لتفسير مختلف الظواهر السياسية، مما أدى إلى تراجع قيمته التفسيرية. لذلك يحاول تقديم معالجة أكثر دقة للمفهوم من خلال العودة إلى جذوره النظرية وتطبيقاته المختلفة.

ويبدأ بمناقشة إشكالية التعريف، موضحًا أن الدولة العميقة لا تعني بالضرورة وجود تنظيم سري متكامل يتحكم في الدولة من خلف الستار، بل قد تشير إلى شبكات من المصالح والمؤسسات والأفراد الذين يمتلكون نفوذًا يسمح لهم بالتأثير في القرار السياسي بغض النظر عن التغيرات الحكومية أو الانتخابية. ومن هنا تنشأ صعوبة تحديد حدود المفهوم وضبطه علميًا.

كما يستعرض تاريخ المصطلح وانتشاره في الأدبيات السياسية المختلفة، ثم ينتقل إلى الاتجاهات المتباينة في تفسيره. فبعض الباحثين ينظرون إليه باعتباره حقيقة مؤسسية قائمة، بينما يرى آخرون أنه يستخدم أحيانًا كأداة خطابية لتبرير الإخفاقات السياسية أو تحميل المسؤولية لفاعل غير محدد.

وعند تطبيق النقاش على الحالة التونسية، يؤكد المؤلف أن الثورة لم تؤد إلى تفكيك كامل للشبكات والمؤسسات التي تشكلت خلال العقود السابقة. فقد استمرت أجزاء من الجهاز الإداري والأمني والبيروقراطي في أداء أدوار مؤثرة داخل الدولة، الأمر الذي جعل عملية التحول أكثر تعقيدًا. لكنه يحذر في الوقت نفسه من اختزال كل مشكلات الانتقال الديمقراطي في وجود "دولة عميقة"، لأن ذلك يغفل مسؤولية الفاعلين السياسيين الجدد عن كثير من الأخطاء التي ارتكبت خلال المرحلة الانتقالية.

وينتهي الفصل إلى أن مفهوم الدولة العميقة يمكن أن يساعد على فهم بعض جوانب التجربة التونسية، لكنه لا يكفي وحده لتفسير تعثرها أو انهيارها. فالأحداث السياسية الكبرى كانت نتاج تفاعل معقد بين المؤسسات القديمة والقوى الجديدة والظروف الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية.

الفصل السابع: العامل الخارجي

يناقش هذا الفصل أثر البيئة الدولية والإقليمية في الثورة التونسية وفي مسار الانتقال الديمقراطي. ويرى المؤلف أن أي تحليل يقتصر على العوامل الداخلية وحدها يظل ناقصًا، لأن التجربة التونسية تأثرت بصورة مستمرة بمواقف القوى الخارجية ومصالحها وحساباتها الاستراتيجية.

ويبدأ بعرض ردود الفعل الدولية والإقليمية تجاه الثورة. فبعض القوى رحبت بالتغيير السياسي واعتبرته فرصة لتعزيز الديمقراطية والاستقرار، بينما تعاملت قوى أخرى بحذر أو تحفظ بسبب المخاوف المرتبطة بنتائج التحولات الثورية. ويبين المؤلف أن هذه المواقف لم تكن ثابتة، بل تغيرت مع تطور الأحداث وتبدل موازين القوى داخل تونس والمنطقة.

كما يتناول دور العامل الخارجي في دعم بعض مؤسسات الانتقال الديمقراطي، سواء من خلال المساعدات الاقتصادية أو برامج دعم الحوكمة والإصلاح السياسي. ويرى أن هذا الدعم وفر موارد وخبرات مهمة، لكنه لم يكن كافيًا لمعالجة المشكلات البنيوية التي واجهتها البلاد.

ويخصص المؤلف مساحة مهمة لتحليل ما يسميه "مواجهة خطر النموذج الجديد". فنجاح الديمقراطية التونسية، في نظره، لم يكن مسألة داخلية فقط، بل كان يحمل دلالات إقليمية تتجاوز حدود البلاد. ولذلك نظرت بعض الأطراف إلى التجربة باعتبارها نموذجًا قد يشجع مطالب التغيير في بلدان أخرى، وهو ما جعلها تتعامل معها بحذر أو معارضة.

وعند تناوله لمرحلة ما بعد 25 يوليو/تموز 2021، يوضح أن المواقف الخارجية جمعت بين الضغوط المحدودة والمساندة الضمنية أو المباشرة لبعض السياسات الجديدة. ويخلص إلى أن العامل الخارجي لعب دورًا مؤثرًا في تشكيل البيئة التي تحركت فيها القوى السياسية التونسية، لكنه لم يكن العامل الحاسم الوحيد في مصير التجربة.

في الاحتفال بذكرى الثورة بعد افشالها (الأناضول)

الفصل الثامن: عودة الديمقراطية: شروط إمكانها وعوامل استدامتها

يمثل هذا الفصل خاتمة فكرية وسياسية للكتاب، إذ ينتقل فيه المؤلف من تحليل الماضي إلى التفكير في المستقبل. وينطلق من سؤال أساسي: هل يمكن استئناف المسار الديمقراطي الذي انقطع بعد 2021، أم أن تونس تحتاج إلى عملية دمقرطة جديدة بالكامل؟

ويعرض المؤلف حجج الاتجاهين. فهناك من يرى أن المؤسسات التي نشأت بعد الثورة ما زالت تشكل قاعدة يمكن البناء عليها لاستئناف التجربة، بينما يرى آخرون أن حجم التحولات التي حدثت بعد 2021 يجعل العودة إلى النقطة السابقة أمرًا غير واقعي، وأن المطلوب هو بناء مسار جديد يأخذ في الاعتبار أخطاء المرحلة الأولى.

ثم يناقش العوائق التي تحول دون استعادة الديمقراطية، وعلى رأسها فقدان الثقة بين القوى السياسية، وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات، واستمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويرى أن هذه العوامل لا تمثل مجرد مشكلات عابرة، بل تحديات هيكلية تتطلب معالجات عميقة وطويلة الأمد.

وفي المقابل يحدد مجموعة من الشروط الضرورية لإنجاح أي عملية دمقرطة جديدة. ومن أبرزها بناء توافق وطني واسع، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وتعزيز الثقافة الديمقراطية، وتحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية تخفف الفجوة بين المطالب الشعبية وقدرة الدولة على الاستجابة لها. كما يؤكد أهمية استخلاص الدروس من أخطاء العقد الأول بدل الاكتفاء بتمجيده أو إدانته بصورة مطلقة.

وينتهي عبد المولى إلى أن الديمقراطية في تونس لم تتحول إلى مشروع مستحيل، كما أنها لم تصبح مكسبًا مضمونًا لا رجعة فيه. فهي تظل مشروعًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، يتوقف نجاحه على قدرة القوى السياسية والمجتمعية على بناء توافقات جديدة أكثر صلابة واستدامة من تلك التي قامت عليها تجربة 2011-2021.

تونسيون يواصلون الاحتجاج (رويترز)

خلاصة الدراسة

في دراسته "الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021): مراجعات نقدية للمسار والأدوار" الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2025، يقدم عز الدين عبد المولى مراجعة نقدية شاملة للعشرية التونسية. لا يكتفي المؤلف برصد الأحداث، بل يسعى إلى تفسير أسباب نجاح التجربة في مراحل معينة وأسباب تعثرها في مراحل أخرى.

ويخلص إلى أن الانتقال الديمقراطي لم يسقط بفعل عامل واحد أو طرف واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين أخطاء النخب، وإشكالات الحكم، وصعوبات إدارة التعددية، ودور الإسلاميين واتحاد الشغل والإعلام، وتأثير شبكات النفوذ القديمة، والعوامل الإقليمية والدولية.

ومع ذلك يظل مقتنعًا بأن التجربة التونسية تمثل أهم محاولة عربية معاصرة لبناء نظام ديمقراطي تعددي، وأن فشلها المرحلي لا يلغي الدروس العميقة التي قدمتها حول شروط التحول الديمقراطي وإمكاناته وحدوده.

لتحميل نسخة من الكتاب

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6557

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا