جوبا- بصوت يملؤه الحزن، تقول سوكيجي ألفريد (من ضحايا العنف الجنسي جنوب السودان) للجزيرة نت، مستذكرة حادثة الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها أمام طفليها في كاجو كيجي عام 2016: "لا أريد أن أتذكر، لكن الأمر يعود إلى ذهني أحيانا فأبكي. وأتساءل أحيانا: هل ما زال أطفالي يتذكرون ذلك؟ وعندما يكبرون، كيف سينظرون لأمهم؟"
وفي شهادة أخرى للجزيرة نت، قالت نيارياك يونق، التي تعرضت للاغتصاب الجماعي في جوبا عام 2016: "لا أستطيع النوم أكثر من ثلاث ساعات، تراودني الكوابيس باستمرار، وأشعر دائما بأن الجنود سيعودون مرة أخرى".
وتؤكد المعطيات الأممية والحقوقية أن جنوب السودان لا يزال يواجه تحديا بنيويا في حماية المدنيين من العنف الجنسي، خصوصا النساء والفتيات، في ظل استمرار النزاع وتعدد الفاعلين المسلحين وضعف مؤسسات العدالة.
ويشدد مراقبون على أن تحقيق الاستقرار يتطلب وقفا دائما للأعمال القتالية، وتعزيز سيادة القانون، وتسريع تنفيذ مسارات العدالة الانتقالية، إلى جانب توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي للناجين، بما يضمن معالجة جذور الأزمة والحد من تكرار الانتهاكات في المستقبل.
يقول نقور مدينق، مدير منظمة تمكين المجتمع للتقدم في بور في ولاية جونقلي، في حديثه للجزيرة نت: "إن مناطق دوك فديت وأكوبو شهدت خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في حالات العنف الجنسي، حيث تم توثيق أكثر من 40 حالة خلال فترة قصيرة، مع ترجيح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير بسبب الخوف من الإبلاغ وصعوبة الوصول إلى الضحايا". وأضاف: "شملت الانتهاكات حالات اغتصاب فردي وجماعي واختطاف ارتبطت بحملات نزوح قسري وهجمات على القرى".
وفي السياق ذاته، قالت ربيكا جيمس قوانق، منسقة شؤون المرأة في منظمة تنمية شباب أعالي النيل في ولاية أعالي النيل التي تشهد مواجهات مستمرة بين الحكومة وقوات المعارضة المسلحة، في حديثها للجزيرة نت: "إن مناطق الناصر ومابان والقنال سجلت منذ بداية العام 73 حالة عنف جنسي، بينها 32 حالة اغتصاب جماعي، إضافة إلى حالات اختطاف وزواج قسري".
كما أوضحت منال ماريانو عدلان، الباحثة في مبادرة تمكين المرأة بولاية غرب بحر الغزال، في حديثها للجزيرة نت: "شهدت ولاية غرب بحر الغزال منذ بداية العام نحو 120 حالة عنف قائم على النوع الاجتماعي، من بينها 58 حالة اغتصاب، بينها حالات جماعية، و30 حالة زواج قسري، و20 حالة اختطاف، إضافة إلى اعتداءات جسدية أخرى".
ويرى حقوقيون أن استمرار الانتهاكات يرتبط جزئيا بتأخر تنفيذ آليات العدالة الانتقالية المنصوص عليها في "الاتفاق المنشط لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان" (تم توقيعه في سبتمبر/أيلول 2018، وكان بمثابة محاولة لقمع الصراع العنيف في جنوب السودان)، وفي مقدمتها المحكمة المختلطة لجنوب السودان، التي كان يُفترض أن تتولى محاكمة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة المرتكبة خلال سنوات النزاع.
ورغم مرور سنوات على توقيع الاتفاق، لم تُفعّل المحكمة حتى الآن، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية أحد أبرز أسباب استمرار الإفلات من العقاب، خاصة في الجرائم المرتبطة بالعنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
من جهتها حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، براميلا باتن، في بيان صدر على هامش الدورة السبعين للجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة في نيويورك في مارس/آذار الماضي، "من استمرار الفجوة بين الأطر القانونية والتنفيذ الفعلي في جنوب السودان"، معتبرة أن ضعف المساءلة يسمح باستمرار الانتهاكات.
ودعت باتن إلى تسريع تنفيذ برامج العدالة الانتقالية وتعزيز آليات الحماية، مشيرة إلى تقارير تفيد بتورط أطراف متعددة في حوادث اغتصاب واغتصاب جماعي واستعباد جنسي.
وتؤكد ربيكا جيمس أن بعض الحالات ارتبطت بوفاة الضحايا أو إصابتهم بأمراض منقولة جنسيا، فضلا عن اضطرابات نفسية حادة بين الناجين والناجيات، في ظل ضعف خدمات الرعاية الصحية والدعم النفسي.
من جهتها، حذرت منال ماريانو من الآثار بعيدة المدى لهذه الانتهاكات، مشيرة إلى أنها تشمل الصدمات النفسية والحمل المبكر وتراجع فرص التعليم بين الفتيات.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن الآثار المترتبة على العنف الجنسي لا تقتصر على الأضرار الجسدية، بل تمتد إلى اضطرابات نفسية مزمنة وتفكك أسري ووصم اجتماعي يواجهه الناجون والناجيات لسنوات طويلة.
وتعكس شهادات موثقة لناجيات من العنف الجنسي حجم الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد التي تخلفها هذه الانتهاكات.
رغم اقتراب جنوب السودان من إكمال 15 عاما على انفصاله عن السودان، لا تزال البلاد تواجه تداعيات الصراع المسلح الذي اندلع أواخر عام 2013 بين القوات الحكومية بقيادة سلفاكير ميارديت وقوات المعارضة التابعة لريك مشار.
وأدى تجدد المواجهات في عام 2016، إلى جانب انتشار المليشيات المحلية والانقسامات المسلحة، إلى اتساع نطاق الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والنزوح القسري والتجنيد القسري والعنف الجنسي، في وقت لا تزال فيه جهود تنفيذ اتفاق السلام تواجه تحديات أمنية وسياسية متواصلة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن النزاع أودى بحياة مئات الآلاف بصورة مباشرة وغير مباشرة، ووفقا لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، سُجلت 193 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع خلال عام 2020.
كما وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2023 تعرض 118 امرأة و98 فتاة و5 رجال وأطفال لانتهاكات جنسية مرتبطة بالنزاع، فيما سجلت خلال عام 2024 نحو 246 حالة عنف جنسي ضمن أكثر من ألف انتهاك استهدف المدنيين.
وتفيد تقارير حقوقية بأن هذه الانتهاكات تُرتكب من قبل أطراف حكومية وغير حكومية، وغالبا ما تقع أثناء الهجمات المسلحة أو عمليات النزوح، وتشمل الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري والاختطاف، في ظل محدودية الملاحقات القضائية وضعف آليات العدالة، الأمر الذي يكرس مناخ الإفلات من العقاب.
وأوضحت بعثة الأمم المتحدة في تقريرها الفصلي الأخير أن الفترة بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2025 شهدت مئات الحوادث المرتبطة بالنزاع، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، إضافة إلى تسجيل 159 حالة اختطاف و79 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة