آخر الأخبار

قمة ترمب وشي: بكين أدارت المشهد وواشنطن اكتفت بالاستعراض

شارك

دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بكين باحثاً عن صفقة تُظهر أن واشنطن ما زالت تمسك بمفاتيح اللعبة، فوجد نفسه داخل مشهد صيني محكم تمثل باستقبال مهيب، ورسائل محسوبة، وخطوط حمراء في تايوان، ووعود اقتصادية لا ترقى إلى اختراق.

وبينما أدارت بكين الصورة والإيقاع بدقة، خرجت واشنطن -في قراءات صحف ومواقع أمريكية وبريطانية- بما يشبه حصيلة ناقصة.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 وزير الطاقة الأمريكي يزور مشروع "غولدن باس" التابع لقطر للطاقة
* list 2 of 3 أكسيوس: خطة كوبية لاستخدام مئات المسيّرات ضد قواعد وسفن أمريكية
* list 3 of 3 أحدث كوابيس البحرية البريطانية.. فرقاطات صُنعت بطريقة خاطئة end of list

في هذا السياق، تقول صحيفة غارديان البريطانية إن الزيارة امتلأت بالبهرجة والرموز، لكنها تركت ترمب في النهاية بلا الكثير مما يمكن عرضه: لا إنهاء سريعاً للحرب مع إيران، ولا جواباً واضحاً بشأن تايوان، ولا سوى ملامح عامة لصفقات تجارية كبرى.

وتنقل الصحيفة عن راش دوشي، مدير مبادرة إستراتيجية الصين في مجلس العلاقات الخارجية، أن القمة كانت أثقل بالرمزية منها بالمضمون، وركزت على إدارة المشكلات لا حلها.

في المقابل، بدت بكين، كما تصفها غارديان، مدينة فائضة بالثقة: قطارات منتظمة، ومراكز تجارية فاخرة، ومتاحف تعرض إنجازات الصين في الطاقة الخضراء والروبوتات والفضاء، وشعارات تعلن "شق الطريق نحو القوة الوطنية".

أما الولايات المتحدة، فبدت في خلفية المشهد مثقلة بانقساماتها الداخلية ومغامراتها الخارجية، في لحظة وجد فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ ما يكفي من الثقة ليحذر ترمب من "فخ ثيوسيديدس"، أي الصدام بين قوة صاعدة وأخرى راسخة تخشى تراجع موقعها، وفقاً لما ورد في الصحيفة.

مسرح صيني لرئيس يحب الاستعراض

أدارت بكين القمة كما لو أنها تعرف ضيفها جيداً. فبحسب غارديان، رافق شي ترمب بين الحدائق والأشجار والورود، وأغدق عليه استقبالاً بلغ ذروته في مأدبة دولة عزفت فيها فرقة عسكرية صينية أغنية "واي إم سي إيه" المرتبطة بحملات ترمب. فبدا المشهد مصمماً لاحتواء رئيس يقدّر البذخ والدبلوماسية الشخصية والصور التي تصنع الانطباع.

إعلان

ورد ترمب بالمثل؛ وصف شي بأنه "جاد في العمل" لكنه أيضاً "شخص دافئ"، وشكره على "الاستقبال العظيم"، وامتدح المكان والضيافة.

وتلاحظ غارديان أن الرئيس الأمريكي، المعروف عادة بصخبه الإعلامي، بدا في بكين أكثر صمتاً وانضباطاً من المعتاد، حتى إن ظهوره الهادئ في بعض المحطات العامة بدا كأنه مراعاة متعمدة للرئيس الصيني.

ولم تكن رمزية المشهد بريئة. فقد أبرزت وسائل إعلام صينية، وفق غارديان وصحيفة فايننشال تايمز ، مديح ترمب لشي بطريقة جعلت الرئيس الأمريكي يبدو في موقع احترام زائد للقائد الصيني. بل إن بعض الترجمات الصينية صاغت مخاطبة ترمب لشي بلغة أكثر تبجيلاً، بينما خاطب شي ضيفه بصيغة أقل رسمية.

هكذا لم تستقبل بكين ترمب فقط، بل أعادت إخراج الزيارة لجمهورها كدليل على مكانتها.

مصدر الصورة بدت زيارة ترمب إلى بكين أثقل بالرمزية والبهرجة منها بالنتائج السياسية والتجارية (أسوشيتد برس)

اقتصاد بلا انتصار

لربما أراد ترمب نتائج اقتصادية سريعة من الزيارة، بما في ذلك صفقات، ومشتريات زراعية، وعقود طائرات، وربما تهدئة أوسع في علاقة أثقلتها الرسوم والقيود التقنية.

غير أن صحيفة إندبندنت البريطانية ترى أن الرئيس الأمريكي ذهب إلى الصين لحماية الاقتصاد الأمريكي، لكنه غادر من دون اختراق كبير، بعدما بدت بكين صاحبة الأوراق الأقوى.

فالقمة، بحسب الصحيفة، لم تقدم نقاشاً واضحاً بشأن الرسوم الجمركية، رغم أن التعريفات الأمريكية على الصين لا تزال مرتفعة.

وعندما سُئل ترمب عما إذا كان الطرفان مددا الهدنة التجارية التي تنتهي في نوفمبر/تشرين الثاني، قال إنهما "لم يناقشا الرسوم"، مع أن تمديدها كان -وفق خبراء نقلت عنهم الصحيفة- الحد الأدنى لقياس نجاح القمة.

ولم يكن ملف المعادن النادرة أكثر وضوحاً، حيث قالت إندبندنت إن ترمب غادر من دون حل رسمي لأزمة المعادن التي استخدمتها الصين ورقة ضغط منذ فرضت قيوداً على تصديرها رداً على رسومه عام 2025.

وتذكر الصحيفة أن الصين تنتج نحو 90% من المعادن النادرة والمغانط المعالجة عالمياً، وهي مواد تدخل في السيارات الكهربائية والرادارات ومقاتلات "إف-35" وصواريخ توماهوك والغواصات وأشباه الموصلات. بهذا المعنى، كشفت بكين قدرتها على الضغط على واشنطن من دون طلقة واحدة.

أما الصفقات المعلنة، فبقيت معلقة بين الوعد والتأكيد. إذ تقول غارديان إن ترمب تحدث عن مشتريات صينية بمليارات الدولارات من المنتجات الزراعية الأمريكية، خصوصاً فول الصويا، وعن شراء 200 طائرة بوينغ فوراً، مع احتمال رفع العدد إلى 750 لاحقاً.

لكن المسؤولين الصينيين لم يؤكدوا الصفقة، بينما تشير إندبندنت إلى أن أسهم بوينغ هبطت بعد إعلان الرقم، لأنه جاء أقل من توقعات سابقة تحدثت عن نحو 500 طائرة.

مصدر الصورة استخدمت بكين البروتوكول والرمز لإظهار الثقة والقوة، في قمة خرجت منها واشنطن بوعود أكثر من إنجازات (الأوروبية)

تايوان.. ما خرجت به بكين

إذا كانت القمة لم تمنح واشنطن انتصاراً اقتصادياً واضحاً، فإن ملف تايوان كشف، في قراءة صحيفة آي بيبر البريطانية، عن مكسب أكثر حساسية لبكين. فالصحيفة ترى أن الصين قد تعلن صفقات، لكن الجائزة الأهم كانت في نبرة ترمب المترددة تجاه الجزيرة.

إعلان

بعد الزيارة، قال ترمب إن شي "يكنّ مشاعر قوية" تجاه تايوان، وإنه هو نفسه "لم يقدم التزاماً في أي اتجاه". ثم حذر تايوان من السعي إلى استقلال رسمي، قائلاً إنه لا يبحث عن حرب تقطع فيها الولايات المتحدة 9500 ميل للقتال. وبدا غير حاسم أيضاً بشأن صفقة أسلحة لتايوان قيمتها 14 مليار دولار، مكتفياً بالقول: "قد أمضي بها.. وقد لا أفعل".

وتقول آي بيبر إن هذا التردد قد يكون "موسيقى لأذن الصين"، بعدما جعلت بكين ملف تايوان مركز الزيارة، محذرة من أن العلاقات الثنائية قد تنزلق إلى "صدامات أو حتى صراعات" إذا أسيء التعامل معه.

في المقابل، لم يذكر بيان البيت الأبيض تايوان أصلاً، بينما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن السياسة الأمريكية لم تتغير "حتى اليوم".

لكن المسألة لا تقاس بالبيانات وحدها. فقد نقلت الصحيفة عن باتريك غيل-تيني، الباحث في العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، أن تردد ترمب "يضعف الدعم" لتايوان، وأن أي وقف أو تقليص لمبيعات السلاح قد يُقرأ في بكين بوصفه إشارة إلى تراجع الالتزام الأمريكي.

ومع استنزاف الذخائر الأمريكية في حرب إيران ونقل قوات من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، يصبح قلق تايبيه أكثر من تفصيل عابر.

مصدر الصورة روّج ترمب لصفقة طائرات ضخمة مع الصين، لكن بكين لم تؤكدها، وبقيت تفاصيلها بين الوعد والغموض (الفرنسية)

إيران تكشف الحاجة إلى الصين

كما لم تكن إيران ملفاً هامشياً في بكين. فبحسب غارديان، دخلت الحرب أسبوعها الحادي عشر بعد ضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، فيما أدى إغلاق مضيق هرمز فعلياً إلى تعطيل نحو خُمس تدفقات النفط العالمية ورفع الأسعار، بما أثقل الاقتصاد العالمي وخفض شعبية ترمب في الداخل.

وفقاً للتقارير، خرج ترمب من لقائه مع شي قائلاً إن الصين والولايات المتحدة متفقتان على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي وفتح المضيق، وزعم أن شي وعد بعدم تزويد طهران بمعدات عسكرية. لكن بيانات بكين جاءت أكثر تحفظاً؛ إذ اكتفت وزارة الخارجية الصينية بالقول إن الحرب "ما كان ينبغي أن تقع"، ودعت إلى فتح طرق الشحن من دون تبني مقاربة ترمب.

ويقدم فرانكلن فوير في مقال رأي في مجلة أتلانتك قراءة أشد حدة: حرب إيران لم تعرض قوة أمريكا بل حدودها. فالولايات المتحدة، بحسب الكاتب فرانكلن فوير، استنزفت ذخيرتها في حرب لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني أو إزالة تهديده النووي، إلى حد جعل حلفاءها في المحيط الهادئ يتساءلون عما إذا كانت واشنطن لا تزال تملك ما يكفي للدفاع عنهم.

وفي هذه القراءة، لم تضعف الحرب موقع الصين في الشرق الأوسط، بل عززته. فدول خليجية مهددة من إيران بدأت تنظر إلى بكين طلباً لأنظمة حماية لبنيتها النفطية وقواعدها. ومن دون أن تبذل جهداً كبيراً، تترك الصين الحرب تطول، وتدع واشنطن تتحمل كلفة اضطراب الطاقة والشحن، بينما تقدم نفسها بوصفها القوة الأكثر هدوءاً واتزانا.

مصدر الصورة غادر ترمب بكين بعد قمة مليئة بالصور، لكن ملفات إيران وتايوان والتجارة والمعادن النادرة بقيت مفتوحة (رويترز)

الصين الواثقة وأمريكا المترددة

في المحصلة، لم تكن زيارة ترمب إلى بكين فشلاً صاخباً ولا نجاحاً حاسماً؛ بل كانت مشهداً كاشفاً. الصين بدت واثقة بما يكفي لتدير المسرح، وتضع خطوطها الحمراء، وتغدق الضيافة من دون تنازلات جوهرية. أما واشنطن، فجاءت تبحث عن نتائج تسند اقتصادها وحربها وموقعها في آسيا، لكنها عادت بوعود ضبابية وصور كثيرة وأسئلة مفتوحة.

وبين تايوان وهرمز والمعادن النادرة والتجارة، ظهرت القوة الأمريكية أقل قدرة على فرض النتائج، وظهرت الصين أكثر قدرة على الانتظار والمساومة والتحكم في الإيقاع. بكين أدارت المشهد، وواشنطن اكتفت إلى حد بعيد بالاستعراض.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا