في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فيلسوف وعالم يوناني قديم، تتلمذ على يد فيلسوف أثينا أفلاطون، ويعدّ مؤسس علم المنطق في الفلسفة والأخلاق، ومن أكثر المفكرين تأثيرًا في الفلسفة الغربية.
عاش أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان معلما للإسكندر الأكبر المقدوني، وعرف بألقاب عديدة منها: "صاحب المنطق"، و"المعلم الأول"، و"أستاذ أساتذة المعرفة وكل شيء يعرف"، وفيلسوف "المَشَّائِين".
وُلد أرِسطُو -وعرف في التراث الإسلامي أيضا بـ"أرسطاليس"- سنة 384 ق.م، في مدينة تدعى "أَسْطاغِيرا"، وهي مستعمرة صغيرة في شبه جزيرة "خالقيديا"، على الحدود اليونانية، خضعت لنفوذ أثينا، قبل أن تسقط تحت سيطرة ملوك مقدونيا.
كان أرِسطُو ينتمي إلى طائفة أتباع "اسقلبيسوس" (إله الطب بحسب معتقداتهم)، الذين كانوا يتوارثون مهمنة الطب من الأب للابن، ولا يعرف ما إذا كان قد مارس الطب أثناء حياته.
كان والِدُه "نيقوماخوس"؛ طَّبِيبا خاصّا لملك مقدونيا "آمِنتاس الثاني"، مما مكنه من أن يقضي شطرا من طفولته في البلاط الملكي بمدينة "بللا".
فقد والده في سن مبكرة، فتعهده أَحَد أَقَاربه ويُدعَى "بروكسانس"، فكانت حياته غير مستقرة، حيث تنقل بين أماكن عدة.
جاء في وصفه أنه كان ألثغا، ونحيفا ضيق العينين، يلفت النظر بملابسه المبهرجة وخاتميه وقصة شعره العصرية، أما الرأس الرخامي المودع بمتحف الفن التاريخي في فيينا، لا دليل على أنه يمثل أرسطو، على أرجح الأقوال.
ويعتقد أنه كان يمتلك ثروة كبيرة، لأنه أوصى بمنزل في "استاغيرا"، ووزنه من الفضة لزوجته الثانية.
كان له ولد سمي على اسم جده، وخلده في كتاب "الأخلاق النيقوماخية"، وقيل إنه المبحث الأخلاقي الوحيد الذي لا يشك في نسبته إلى أرسطو.
تلقى تعليمه في مقدونيا، حيث ألمّ بطرف من حياة القصور، وتركزت معظم ثقافته في النواحي الطبية، إذ اهتم بالعلوم الطبيعية وخاصة علم الحياة، وكذا بتحليل الشؤون السياسية منذ حداثة سنه.
عندما بلغ الـ17 عاما، أَوفده والده إلى "أثينا"، ليكمل تعليمه، والتحق بـ"أَكادِيمية أفلاطون" الشهيرة، التي أنشأها على قطعة أرض مرتبطة بالبطل الأسطوري "أكاديموس".
بدأ حياته الفكرية تلميذا لأفلاطون، في مركزه التعليمي الذي يعد الأصل الأول، الذي تفرعت عنه الجامعات منذ العصور الوسطى.
تلقى الحساب وهندسة المصطلحات والمكعبات والفلك والصوت، إذ كان الاهتمام الأكبر بالمنهج الدراسي الأفلاطوني ينصب على الرياضيات.
أحب أفلاطون نبوغه المبكر فلقبه "بالقَرّاء" لكثرة اطلاعه، وكذلك "عقل الأكاديمية" لتملكه عادات النقد والجدل، إذ كانت المحاضرات في ذلك الوقت، أقل من المناقشات العميقة في الموضوعات العميقة والصعبة.
عرف أنه كان ذا عقل مجتهد، يَزِنُ أقوال أستاذه وينقدها ويحللها، ذو عقلية عملية يصعب التغلب عليها. وكانت تحدث أحيانا مشاحنات بينه وبين معلمه.
ظلَّ الشاب "الاسطاغيري" كما لقب نسبة إلى مسقط رأسه، يَدرُس في أثينا طوال 20 عاما، وكان من بين أساتذته "إيسوقرط". وشارك الأثينيين في دروس البلاغة والحساب التي كانت تلقى في السوق العامة.
كان الطالب أفلاطوني المذهب حتى وفاة أستاذه، على أرجح الأقوال، وهناك من يقول إنه انسحب من الأكاديمية في حياة أستاذه، ومن ثم نشأ قول ينسب إلى "أفلاطون"، جاء فيه "إن أرسطو يزدريني، مثلما يرفس المهر أمه التي ولدته".
في هذا الطور من حياته الفكرية، صنف أرسطو كتب "المحاورات"، ويُفترَض أن ذلك حدث أثناء وجوده في الأَكادِيمية.
نشر مع مجموعة من زملائه مذكراتهم عن محاضرة شهيرة كان قد ألقاها أستاذهم بعنوان "في الخير"، وذكر عزت قرني في "الفلسفة اليونانية"، أنهم ربما فعلوا ذلك بعد وفاة أفلاطون بقليل.
ارتبطت الحياة المهنية لأرِسطُو، بمرحلة ثانية في حياته الفكرية، أطلق عليها المؤرخون "طور التنقل" عقب وفاة أستاذه أفلاطون.
بدأ بالتوجه رفقة صديقه "أكسينوقراط" إلى آسيا الصغرى، فاستقبله "هرمياس" تلميذ أفلاطون، الذي أصبح حاكما لمدينة أثرنوس، وأنشأ فرعا للأكاديمية بها.
كان تدريس أرسطو هناك لثلاث سنين قد وجه تفكيره وجهة جديدة، فشرع ينظم معلوماته في المنطق والرياضة والفلك والتاريخ الطبيعي.
انتقل إلى "جزِيرة لسبوس"، وأَسَّس بها مدرسة ظلَّ يُديرها حتَّى عَهِد إليه فيليب ملِك مقدونيا بتَعليم ابنِه الأمير وولي العهد الذي أصبح لاحقا الإسكندر الأكبر.
ويرجح حسب النظام التعليمي السائد في بلاد اليونان آنذاك، أن يكون قد علّم تلميذه بعض الدروس حول فن الحكم وواجبات الحكام، في مدّة لم تتجاوز سنتين أو ثلاثا، وكان ولي العهد آنذكا في الـ13 من عمره.
لاحقا عاد إلى أثينا مرة أُخرى، فأنشأ في سن الخمسين مدرسة فلسفية وعلمية مستقلة، سُمِّيَت "اللوقيوم" نِسبة إِلى معبد "أبولولوكيوس" التي تعني "قاتل الذئب".
وكان قد لقي تأييدا من الإسكندر المقدوني الذي منحه إعانات مالية، وكان يصطحب في حملاته تلاميذه من العلماء لجمع ونقل المعلومات العلمية.
في هذه المدرسة كان يمشي أرسطو بين تلاميذه وهو يعلمهم، ومن هذه العادة، اكتسب التدريس في "اللوقيوم" أو "الليسيه" اسمه المعروف "الفلسفة المَشائِية".
وتميز بنوعين من الدروس: صباحية كانت مخصصة لتلاميذه في العلوم النظرية والمجردة مثل المنطق، والطبيعيات، والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة). أما الدروس المسائية فكانت توجه لعامة الناس، مثل الموضوعات الجدلية والخطابية والسياسة.
ظلَّ يمارس مهامه التعليمية تدريسا وتأليفا مدة 13عاما، إلى أن غادر أثينا حين اتُّهِم بالزَّندَقة، بعد وفاة تلميذه الملك الإسكندر الأكبر.
كان فيلسوف "المَشائِين" واسع المعرفة، وأعلم أهل عصره بفروع العلم المختلفة، وكتب في جميع أنواع المعرفة. ويغلب على الظن أنه بدأ كتابته بعلم المنطق، ثم العلوم الطبيعية، ثم الأخلاق والسياسة، ثم "الميتافيزيقا".
معظم ما يعرف من مؤلفاته، ينتمي إلى الفترة الأثينية الثانية في "اللوقيوم"، وترجح كتب التاريخ أن بعضها مبني على مذكرات دونها أثناء قيامه بالتدريس، وبذلك يكون أول من ألّف كتبا مدرسية.
وقسم جورج سارتون في "تاريخ العلم" مؤلفات أرسطو إلى قسم أول كان على شكل مُحاورات كتبها في فترة أكاديمية أثينا، وقسم ثاني شمل مصنفات علمية كتبها في "اللوقيون" على الأرجح، أما القسم الثالث، فشمل بحوثا عدة أعدها في السنين الـ13 من آخر حياته، وجميعها توجد في الفهارس كاملة، ما عدا مؤلفا واحدا من القسم الثاني، وهو الدستور "الأثيني".
رتب ابن النديم في كتاب "الفهرست"، كتب أرسطو إلى: المنطقيات، والطبيعيات، ثم الإلهيات، فـ "الأخلاقيات". ورتبتها دراسات أخرى في: مؤلفات شعبية كتبها لجمهور القراء، ومذكرات وملخصات جمعها مادة لمؤلفاته، ثم المؤلفات العلمية.
بينما جعلها مصطفى النشار في كتابه "أرسطو رائد التفكير العلمي" على قسمين:
الأول: يشمل مؤلفات فترة الشباب، وكتب معظمها على هيئة محاورات تابع فيها أستاذه أفلاطون.
الثاني: يضم مؤلفات علمية أو مباحث في فهم وعرض مذهبه الفلسفي والعلمي في شتى المجالات، وهي على الأقسام التالية:
ويقال إن له نحو 400 كتاب فُقِد منه أكثر من ثلاثة أرباع.
وحسب المؤرخين العربيين "ابن القفطي" و"ابن أبي أصيبعة"، ينسب للفيلسوف نحو 92 كتابا، يتضمن نحو ألف مقالة، بعضها إما مفقود أو مشكوك في صحة نسبته إلى أرسطو. وجاء في الموسوعة الفلسفية، أن أرسطو ترك 82 تصنيفا يتألف من 550 مقالة لكن قسما كبيرا منها قد ضاع.
كما كان لكتابه "في الشعر" رغم صغر حجمه ( أقل من 30 عمودا)، تأثيرا على تاريخ النقد الأدبي لا سيما في ميدان الأدب المسرحي.
كان للخلفية الطبية دلالتها في الحياة الفكرية لأرسطو، فالطب حتى ذلك الوقت كان يعتمد على ملاحظة دقيقة، وتلك سمة أساسية تتسم بها مؤلفاته، وهذه الصلة بالطب، تفسر اهتمامه بعلم الحياة، وتأثيره على فكره الفلسفي.
تميزت كتاباته بكونها ذات طابع موسوعي، تجمع شتات ما وصل إليه من علوم سابقيه، أو ما زاد عليه وأضافه من معارف ومعطيات جديدة.
ينسب إليه أنه أول من صنف المعارف ونظمها، إذ بدأ بتعريف العلم وتحديد موضوعاته ومنهجه، وجعل لكل مجال معرفي بحث خاص به.
وكان تفكيره يقوم على التحليل، وينتقل إلى التجربة والملاحظة المعتمدة على مقارنة الأشياء وتعليلها، وفي النهاية إلى مرتبة التأمل النظري في هذه العلل.
كان أشهر إسهام قدمه إلى الفكر المنهجي، أن جعل المنطق علما قائما بذاته لذلك يُسمى بالمعلم الأول؛ لأن المنطق لم يكن قبله علما، كما أسس لعلم الفلسفة في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، ورسخ خصائصه الفكرية التي تتميز بسمات العقلانية، والنقد التحليلي، وطابع الشمول والعمومية، والتفكير التأملي التركيبي. مثلما أسس معظم العلوم الأخرى من طبيعة وفلك ونقد فني وعلم الحياة وعلم النفس والسياسة.
يعد أرسطو الواضع الأول لعلم الأخلاق، وتعتبر الكتب المنسوبة إليه في هذا العلم، أقدم المؤلفات النظرية من نوعها. عُني بمنطق الصورة فقط، ولم يزد عليه المتأخرون في ذلك إلا قليلًا، لكن يُؤخذ عليه، أنه أهمل منطق المادة تقريبا.
أرسطو أول من صنف المعارف ونظمها (شترستوك)اعتبر أول من انتقد تعاليم أفلاطون، إذ كان ذا نزعة تجريبية واقعية أكثر منه. إذ نشأ بحثه في "ما وراء الطبيعة" (الميتافيزيقا) من انتقاد ما ذهب إليه أفلاطون من شرح ظواهر الكون بالمُثل، وأطلق عليها اسم "الفلسفة الأولى"، أي البحث في الروابط العامة الأولى للمعرفة.
كان أرسطو من الشخصيات الثلاث الكبرى في الفلسفة اليونانية المرتبطة بمدينة أثينا.
وقيل إن الفلسفة الحديثة تعد انعكاسا لِمَا قَدَّمَهُ هو وأستاذه أفلاطون، وأنهما يقتسمان التأثير على تاريخ الفلسفة اللاحق عليهما، ودليل ذلك، أنَّ الفلاسِفة انقسمُوا إِلى "أفلاطونيِّين" و"أرسطو طاليسيِّين".
وقد بلغت الفلسفة اليونانية بفكر أرسطو في العصر القديم إلى ذروة قمتها، ويرى كثير من المؤرخين أن فلسفته لها بابين: الأول هو الميتافيزيقا والثاني هو الطبيعة.
وفي فلك مذهبه الفلسفي وما أسسه من علوم، كان يدور الفلاسفة والعلماء، شرحا وتعليقا وتحليلا وفهما منذ أكثر من 20 قرنا.
لقد ظلت أفكاره تدرس في أثينا حتى عام 329 بعد الميلاد، عندما أغلق الامبراطور الروماني "جوستنيان" جميع المدارس الفلسفية.
وإبان الألفية الأولى، كانت مؤلفاته مجهولة تقريبا في أوروبا الغربية، وحتى عام 1210م، كان يُهَدد من يدرس فلسفة الطبيعية، حين اتخذت الكنيسة منه ومن فلسفته موقف العداء.
لكن الأمر تغير عندما شرح فلاسفة العرب كتب أرسطو في العصر الوسيط. وكان "ابن رشد" أول من ترجم "الكون والفساد" الذي صدر أصله بالفرنسية تقريبا في القرن الرابع قبل الميلاد، وهو ما جعل الفيلسوف الإيطالي "دانتي" يلقَّب ابن رشد بأنه "الشارح الأكبر لأرسطو".
تأثر عدد كبير من عُلماء المُسلمين بالفيلسوف أرسطو، منهم: ابن سينا والكِنْدي والفارابي. وامتَدَّ التأثير إِلى فَلاسفة العصر الحديث، مِثْل: ديكارت وكانْت. وشرح عدد من العلماء آراءه باللغة اليونانية، وبعدئذ باللغة العبرية، ثم باللاتينية.
أقدم الطبعات صدر معظمها باللاتينية، ومنها الطبعة الأصلية الإغريقية لمؤلفات أرسطو التي نشرها "ألدوي مانوكيوس" في البندقية عام 1498، وهي في 5 مجلدات من القطع الكبير.
وظهرت أول طبعة بالترجمة اللاتينية في ليون الفرنسية عام 1590. وأهم طبعة حديثة نشرتها أكاديمية برلين مع الترجمة اللاتينية، في 5 مجلدات من القطع الصغير، ثم ترجمة إلى الفرنسية عام 1839 والسنوات التالية، والترجمة الانجليزية في المجلدات الـ11 لأكسفورد، وسلسلة لويب الكلاسيكية.
غادر أرسطو أثينا في آخر حياته، وفي أول سنة من إقامته في خلقيس مدينة موطنه الأصلي، أُصيب بمرض مات به عن عمر يناهز 63 سنة، وذلك في سنة 322 ق.م.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة