آخر الأخبار

ترمب وشي وجبهات القمة الثلاث.. الرقائق والذكاء الاصطناعي وتايوان

شارك

نادرا ما تأتي القمم الكبرى محمّلة بكل هذا القدر من التعقيد، فزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبكين لا تُقرأ فقط كحدث دبلوماسي، بل كمحطة اختبار لمسار العلاقة بين قوتين تعيدان تشكيل النظام الدولي.

وتأتي هذه الزيارة في وقت لم يعد التنافس فيه محصورا في التجارة والنفوذ التقليدي، بل امتد إلى عمق التكنولوجيا، حيث تتقاطع الرقائق والذكاء الاصطناعي مع ملفات السيادة، وفي مقدمتها تايوان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كوبا تحت تهديد ترمب.. هل يتحول الحصار إلى غزو؟
* list 2 of 2 بين أوكرانيا وتايوان.. هل تبحث موسكو عن نهاية للحرب أم عن صفقة كبرى؟ end of list

وفي هذا السياق، لا تبدو القمة الأمريكية الصينية ساحة مواتية لحل الخلافات بقدر ما هي منصة لإعادة تعريف حدود الاشتباك بحسب توصيف صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست في سلسلة تقارير تناولت هذه القمة، حيث باتت المقاربة في العاصمتين تقوم على "إدارة" الملفات الخلافية لا على "حلها"، مع إقرار ضمني بأن الكثير من القضايا بنيوية ومتجذرة في أولويات الأمن القومي والتنافس التكنولوجي للطرفين.

مصدر الصورة الصين تعمل على تسريع بناء منظومة تكنولوجية أكثر استقلالا (رويترز)

احتواء يدفع إلى الاستقلال

وبحسب تحليل الصحيفة لملف التكنولوجيا، لم تعد القيود الأمريكية على تصدير أشباه الموصلات ورقة ضغط أحادية الاتجاه، لأن الصين تعمل على تسريع بناء منظومة تكنولوجية أكثر استقلالا.

وهذا ما يعكسه اتجاه شركات مثل "ديب سيك" للاعتماد على رقائق هواوي ومنصاتها البرمجية المحلية، في خطوة تعزّز المخاوف التي عبّر عنها الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جينسن هوانغ بشأن فقدان الشركات الأمريكية سوقاً حيوية.

وتشير ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى انقسام داخل واشنطن بين اتجاه برلماني يدفع نحو تشديد القيود على التكنولوجيا، وتوجّه داخل بعض دوائر الإدارة يميل إلى مقاربة أكثر براغماتية تحافظ على انفتاح جزئي على السوق الصينية.

وذلك للإبقاء على "توازن دقيق"، وصفه نيك مارو كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا في وحدة الاستخبارات الاقتصادية بأنه "محاولة لإبقاء الصين في خانة الاعتماد الجزئي دون تمكينها من التفوق الكامل".

إعلان

في المقابل يرى كير غيبس الرئيس السابق لغرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي "أن القضايا التكنولوجية بين الطرفين هيكلية وعميقة ولا تبدو قابلة لتسوية سريعة، مما يجعل القمة الحالية أقرب إلى محاولة لضبط الإيقاع وليس تغييرا للمسار.

مصدر الصورة تتوقع الصحافة الصينية أن يبقى ملف تايوان في خانة "الإدارة" لا "الحسم" (غيتي إيميجز)

تايوان.. ملف يُدار ولا يُحسم

وعلى جبهة تايوان، تفيد تقارير الصحيفة بأن بكين تدخل القمة من موقع تفاوضي أقوى نسبيا، مدفوعة بتحولات في ميزان القوى الإقليمي وتركيز واشنطن على ملفات وأزمات أخرى، مع توقع أن يظل الملف في خانة "الإدارة" لا "الحسم"، عبر سعي الصين لتثبيت خطوطها الحمراء من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

وترى الصحيفة أن الصين اليوم أكثر ثقة بميزان القوى الإقليمي، وأن هامش الحركة أمام دعاة الاستقلال في تايوان تضيق مساحته، حتى وإن ظل ملف الجزيرة النقطة الأخطر في العلاقات الصينية الأمريكية.

ووفق هذه التقديرات، سيدفع ترمب بتركيز أقل في قضية تايوان، في حين تتجنب بكين الانجرار إلى مواجهة مفتوحة يمكن أن تطيح بأولوية التنمية الداخلية.

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن عميد معهد الدراسات التايوانية بجامعة تشينخوا وو يونغ بينغ قوله: "إن حدوث تحول كبير في موقف الولايات المتحدة من قضية تايوان أمر مستبعد، كما تعتقد بكين أن إدارة القضية ممكنة في إطار علاقة صينية أمريكية مستقرة".

وأشار وو إلى أن ترمب بات أقل تركيزا على تايوان مما كان خلال ولايته الأولى، واستدل على ذلك بأن "الصين اليوم تختلف اختلافا كبيرا عن الصين التي واجهها ترمب في ولايته الأولى".

مصدر الصورة الشركات الأمريكية العاملة في الصين لم تغادر السوق الصينية، بل أعادت تموضعها عبر تعميق الشراكات المحلية (الأوروبية)

واقعية ميدانية ومزاج متقلب

بعيدا عن حسابات القادة، ترسم الشركات الأمريكية العاملة في الصين صورة أكثر براغماتية للتعامل مع التنافس المتصاعد، حيث يؤكد رئيس غرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي أن غالبية هذه الشركات لم تغادر السوق الصينية، بل أعادت تموضعها عبر تعميق الشراكات المحلية، وتوسيع "التوطين" في التصنيع والبحث والتطوير وسلاسل التوريد، حسب ما أوردته صحيفة جيه فانغ الصينية.

هذا التكيّف يعكس قناعة بأن الصين ليست مجرد سوق استهلاكية ضخمة، بل أيضا بيئة تنافس عالية الكثافة تتيح للشركات اختبار قدراتها وابتكار نماذج أعمال جديدة، مع الاستفادة لاحقا من الخبرة المكتسبة في أسواق أخرى بما فيها "الجنوب العالمي".

وتوضح الصحيفة أن حدود السياسات الحكومية تتجلى في الفجوة بين رغبة واشنطن في تقليص الاعتماد على الصين، وميل الشركات إلى تكريس حضورها في إحدى أكثر المنظومات الصناعية تكاملا في العالم.

أما في وول ستريت، فقد تجسدت حالة عدم اليقين في مصطلحات مثل "تاكو" (TACO) الذي يرمز لعبارة (ترمب يلين دائما) و"ناتشو" (NACHO) الذي يرمز إلى أنه (لا فرصة لفتح مضيق هرمز) التي تحولت إلى مفردات تلخص الرهانات على سلوك ترمب في ملفات الرسوم الجمركية والأزمات الجيوسياسية، وفقا لتقارير ساوث تشاينا مورنينغ بوست.

إعلان

ويتراوح المزاج الغالب بين فرضية أن ترمب "سيتراجع في اللحظة الأخيرة" وبين قناعة أوسع بأن أزمات مثل حصار مضيق هرمز قد تطول، في ظل انسداد مسارات التسوية وتداخل ملفات الطاقة بالسياسة والتنافس مع الصين.

مصدر الصورة ترمب يوقع مذكرة لفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية (وكالة الأنباء الأوروبية)

تعايش تنافسي طويل الأمد

وعند لقاء الجبهات الثلاث: التكنولوجيا المتقدمة والرسوم الجمركية وتايوان، عند حقيقة أن الصراع الأمريكي الصيني دخل مرحلة "تنافس منظم"، ستحاول كل قوة حماية مصالحها الحيوية من دون الوصول إلى قطيعة كاملة.

فلا واشنطن قادرة واقعيا على كبح صعود الصين، ولا بكين مستعدة لقبول سقف دائم لطموحاتها التكنولوجية والجيوسياسية، الأمر الذي قد يفرض نمطا من التعايش التنافسي يمتد لسنوات.

وبذلك تبدو القمة المقبلة بين ترمب وشي أقرب إلى لحظة اعتراف متبادل بحدود القوة منها إلى محطة لفرض شروط طرف على آخر؛ وأقصى ما يُنتظر منها -وفق تقديرات عدد من الخبراء- هو إرساء آليات لخفض مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وترك القضايا الجوهرية لعمليات تفاوض وإدارة أزمات ستتواصل في جولات لاحقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا