آخر الأخبار

بعد تعليق "مشروع الحرية".. الجزيرة نت ترصد آراء الإيرانيين حول "ورقة مضيق هرمز"

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طهران- "رغم تهديداتها المتواصلة بضرورة رفع إيران راية الاستسلام، تعلن أمريكا تعليق عمليتها العسكرية ب مضيق هرمز بعد يومين فقط من انطلاقها. وهذا يعني أنها أدركت أن اللعبة تغيرت، وتراجعت أمام الإرادة الإيرانية"، بهذه الأقوال يعبر شهاب (58 عاما) عن احتفاله بعد سماعه بتوقف العمليات الرامية لفتح المضيق.

وبعد أن قرأ مراسل الجزيرة نت الخبر عليه لاستطلاع رأيه بهذا المستجد، يضرب شهاب المقود بكفه فرحا، ويقول "مضيق هرمز هو ممرنا المائي، ومن حقنا أن نسيطر عليه.. هذا هو السلاح الوحيد الذي يجبرهم على احترامنا".

كان شهاب يواصل عمله كسائق سيارة أجرة في شارع "ولي عصر" وسط العاصمة الإيرانية طهران، ولم يكمل شهاب كلامه بعد، حتى خالفته الشابة هليا (27 عاما) وهي مصففة شعر في صالون تجميل للنساء شمالي طهران، بعد أن رفعت رأسها من هاتفها، وقالت بحدة "أنا خائفة. كل هذا الكلام عن السيطرة على المضيق قد يعيد القصف على رؤوسنا. لقد ذقنا طعم الحرب 40 يوما، ويكفيني ما رأيته".

تجلس هليا في المقعد الخلفي، وتضيف "نحن على أعتاب كارثة. هذا التجميد مؤقت، وأمريكا لن تتردد في العودة للقصف إذا شعرت بأننا نعيق الملاحة. الإيرانيون دفعوا ثمنا باهظا جراء السياسة المناهضة لأمريكا وإسرائيل، ولا نريد حربا جديدة".

تحدثت الشابة للجزيرة نت بصوت مرتجف "يقول السائق حققنا نصرا، لكن من حقي أن أسأل: أين النصر وسماء طهران أضحت مكشوفة أمام مقاتلات الشبح؟ في حين الحرب أدت إلى خسارة العديد من المواطنين لأعمالهم ومصادر رزقهم".

مصدر الصورة سيارات الأجرة في طهران تتحول إلى محطات نقاش بين الركاب والسائقين حول مسجدات الحرب (الجزيرة)

انقسام الشارع

هذا الانقسام ليس حكرا على سيارة الأجرة هذه بطهران فحسب، ففي جولة ميدانية قام بها مراسل الجزيرة نت من ساحة سكة الحديد جنوبي طهران حتى جسر "بارك وي" شمالها، تكرر هذا المشهد بين شريحة متدينة متحمسة تتحدث عن "معادلة جديدة" فرضتها إيران على العالم، وآخرون يخشون أن يكون ثمن هذه المعادلة باهظا.

إعلان

وبين هذا وذاك، يعتقد الحاج آرام (73 عاما) وهو متقاعد من "وزارة الجهاد الزراعي"، أن بلاده التي خرجت للتو من حرب قاسية -وفق تعبيره- تقف اليوم على حافة اختبار جديد؛ بين تثبيت مكاسبها التفاوضية عبر ورقة مضيق هرمز أو المخاطرة بجولة قصف جديدة قد تحولها إلى قوة صاعدة، لكن الخيار الأخير قد يمنح الطرف المقابل ذريعة لكي يُجهز على ما تبقى من البنى التحتية.

وفي حديقة "ساعي" وسط طهران، يقول آرام للجزيرة نت إن فقدت مرشدها الأعلى وقيادات عسكرية وسياسية عديدة وكذلك تضررت لديها منشآت مدنية وصناعية، ناهيك عن تدمير المقرات العسكرية والأمنية، معبرا عن اعتقاده أن بلاده أخطأت بقبولها الهدنة دون ضمانات، لأن واشنطن انقلبت على الاتفاق الشفهي الرامي لاعتماد الورقة الإيرانية أساسا للمفاوضات، مضيفا أنه يستوعب الظروف التي تمر بها بلاده، لكنه يخشى تداعيات "لعبة هرمز الخطيرة".

نقاش الصحافة

وعلى غرار الشارع الطهراني، تحول الملف إلى مادة دسمة لنقاش محتدم في الأوساط الإيرانية بين مؤيد يرى في إصرار طهران على السيطرة على المضيق دليلا على "نصر إستراتيجي"، ومعارض يخشى من أن يكون هذا التحدي بمثابة دعوة مفتوحة لعودة القصف من جديد، في مؤشر على انقسام حيال ملف قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من الصراع أو السلام.

وفي الصحافة يعكس هذا الملف شرخا عميقا لا يتعلق بتقييم خطوة إغلاق المضيق فحسب، بل يمتد إلى صُلب مفهوم "النصر" و"الحكمة الإستراتيجية"، فيكشف الخطاب الصحفي عن انزياحين متوازيين بالكاد يلتقيان.

في صياغة أقرب إلى البلاغ الحربي منها إلى التحليل، اختارت صحيفة "كيهان" المحافظة "جبل مبادرة ترمب يلد فأرا!" و"مضيق هرمز صار أكثر تضييقا" عنوانين لافتتاحيتها التي كتبت فيها أن الرئيس دونالد ترمب يتعرض يوميا "لتأنيب الشعب الأمريكي والمسؤولين والأوساط البحثية"، مؤكدة أن المضيق "كان مفتوحا بالكامل قبل حماقة ترمب"، على حد وصفها، لكن "كل إستراتيجياته لفتحه باءت بالفشل".

وتقدم الصحيفة رواية واضحة مفادها أن إعلان "مشروع الحرية" انتهى قبل أن يبدأ بفعل "الرد الإيراني الحاسم"، وما كان جبلا من المبادرات الأمريكية ولد فأرا، ذلك لأن المضيق لم يُفتح بل ازداد "تضيقا"، متخذة من خطابها سردية للنصر موجّهة لقاعدة تؤمن بأن التحدي هو الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق.

مصدر الصورة لافتات الحداد على مقتل المرشد الأعلى السابق ما تزال معلقة في شوارع طهران (الجزيرة)

في المقابل، لا يجادل الناشط السياسي الإصلاحي عباس عبدي، في تفاصيل ما جرى في مضيق هرمز، بل يطعن في أساس السردية أعلاه من خلال طرحه سؤالا لاذعا "إذا كان إغلاق مضيق هرمز ضروريا وإستراتيجيا إلى هذه الدرجة، فلماذا لم تفعلوه قبل سنوات حين كانت السلطة موحدة بالكامل بيد المحافظين إبان حقبة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي؟".

ويرى عبدي أن الجهات "المؤيدة للحرب" حرة تماما في ممارسة أي سلوك إعلامي يهدف إلى إنهاء الحياة الطبيعية في إيران، بينما أيدي التيار الساعي إلى اتفاق مستدام لصالح إيران مقيدة نسبيا، متهما في صميم نقده الخطاب الإعلامي للتيار السياسي المنافس بـ"التلفيق والتمييز"، ويقول إنه ينتج أخبارا "إما كاذبة أو بلا مصدر يؤكدها أو ينفيها، ولا يجرؤ أحد على تكذيبها علنا".

إعلان

نقاش وجودي

ما تكشفه الصحيفتان ليس خلافا في تحليل حدث، بل وجود تحليلين يتصارعان على تعريف الواقع ذاته بين:


* شريحة نخبوية ترى هرمز ميدان نزال وجودي، وأن التراجع الأمريكي دليل على صحة النهج الإيراني المتبع في المياه الخليجية.
* في حين تعتقد أوساط أخرى أن قوانين الملاحة البحرية والمواثيق الدولية قد تبرر للقوى الغربية والشرقية القيام بعمليات مشتركة لإعادة فتح المضيق ومضايقة إيران أكثر فأكثر.

من جانبه، يقدم مدير "معهد العلاقات الدولية" في طهران، مجيد زواري، قراءة تتجاوز توصيف الخلاف البسيط، لترسم ملامح "نقاش وجودي" يخترق النخبة والشارع الإيرانيين على حد سواء، موضحا أن التوجه الحالي ينطوي على "مشكلات قانونية محتملة" قد تجلب ضغوطا دولية إضافية على طهران، لكنه يضع هذا الاعتراف في سياق أوسع بالقول إن "إيران استنفدت كل الطرق الدبلوماسية والحوارية وبذلت جهودا هائلة لتجنب الحرب، إلا أن جميعها باءت بالفشل".

هذه المقدمة، تمثل الأرضية التي ينطلق منها تيار واسع في إيران لتبرير التشدد في مضيق هرمز، ليس كخيار إستراتيجي مفضل، بل كخيار وحيد فرضه استنفاد البدائل، وفق زواري الذي يرى أن الحرب الأخيرة شكلت لحظة فارقة في الوعي الإيراني الجمعي حيث تعرضت البلاد لأسوأ سيناريو ممكن لكنها صمدت، ومن رحم هذا الصمود تولدت قناعة راسخة أن "الحق لا يُؤخذ إلا بالقوة".

مصدر الصورة لا يغيب الحديث حول تطورات المياه الخليحية عن حلقات نقاش المتقاعدين في الحدائق العامة (الجزيرة)

وفي حديث للجزيرة نت، يوضح زواري أن شريحة كبيرة من الإيرانيين يعتقدون أن الحفاظ على السيطرة على مضيق هرمز ليس مجرد قرار تكتيكي، بل "تكلیف شرعي" أعلنه المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي، وأن التراجع عنه، في نظرهم، سيكون هزيمة مزدوجة:


* أولاهما إستراتيجية، لأن إيران ستفقد ورقة ضغطها الأهم.
* والثانية رمزية لأنها ستظهر بمظهر المنهزم الذي لم يستطع تثبيت حقه أو تكريس نصره.

ويتحدث الباحث الإيراني عما يصفه بـ "حلقة مفرغة" تتفاوض خلالها واشنطن لتستعد للحرب، فإذا أوشكت على الهزيمة طلبت وقف إطلاق النار، لتعود إلى التفاوض من جديد، ثم تعيد بناء قدراتها لتهاجم إيران مجددا.

ويضيف أن هذه "الدوامة" تستهدف إنهاك إيران واستنزاف قدراتها على المدى الطويل، محذرا من تسليم "ورقة هرمز الرابحة" إلى خصم يُنظر إليه على أنه "غير موثوق" داخل طهران التي ما تزال تعيش ضبابية "اللاسلم واللاحرب".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا