آخر الأخبار

يوم دُمرت روما وأسر البابا!

شارك

تمردت قوات الإمبراطور الروماني المقدس شارل الخامس، المؤلفة في معظمها من مرتزقة إسبان وألمان، وقامت في 6 مايو 1527 بارتكاب أعمال نهب وقتل وحشية في روما.

Gettyimages.ru

يُعد هذا الحدث الكبير، في الغالب، بمثابة نهاية رمزية لعصر النهضة الإيطالية، وقد أدى أيضا إلى أسر البابا من قبل قوات الإمبراطور لعدة أشهر، في حين قُتل، في خضم تلك الفوضى، ما يقرب من 150 من أصل 189 من الحرس السويسري أثناء دفاعهم عن البابا كليمنت السابع.

كان نهب روما في ذلك الوقت حدثًا محوريا في حرب عصبة "كونياك"، إذ خرجت قوات الإمبراطور شارل الخامس عن السيطرة، واستولت على ما يُعرف بـ"المدينة الخالدة" ونهبتها، ليجد البابا كليمنت السابع نفسه محاصرا في قلعة سانت أنجلو.

سعى البابا كليمنت السابع، وهو من عائلة ميديشي الشهيرة، إلى إضعاف نفوذ آل هابسبورغ على الكرسي الرسولي، وتحقيقا لهذه الغاية شكّل عصبة "كونياك"، التي ضمت فرنسا وولايات فلورنسا والبندقية وميلانو الإيطالية.

في ربيع عام 1527، اجتاحت قوات الإمبراطور الروماني المقدس شارل الخامس شمال إيطاليا، حيث جابت الطرقات أكثر من 35 ألف مرتزق، من بينهم إسبان بقيادة الدوق شارل دي بوربون، وجنود ألمان بقيادة جورج فون فروندسبيرغ، ووحدات من المرتزقة الإيطاليين.

خلال أشهر الحملة الطويلة، لم تخض هذه القوات أي معركة حقيقية، ولم تتقاض رواتبها لأن الخزانة الإمبراطورية كانت خاوية، فانعدم الانضباط تماما، حتى أن فروندسبيرغ، رغم سلطته، عجز عن السيطرة على جنوده.

كان الإمبراطور شارل الخامس نفسه في أمسّ الحاجة إلى المال في ذلك الوقت، وعرض على البابا كليمنت السابع هدنة بموجبها كان على الفاتيكان أن يدفع للإمبراطورية ستين ألف دوكات. ولكن ما إن انتشرت شائعات المال بين الجنود، حتى أجبر المرتزقة قادتهم عمليا على الزحف نحو روما، بهدف واحد هو الثراء على حساب البابا.

على الطريق، تحول الجيش بشكل كامل إلى عصابة هائجة، انضم إليها على طول الطريق العديد من اللصوص والهاربين والمتشردين. بحثا عن فريسة سهلة، تقدمت قوات الإمبراطور المنفلتة من مدينة أريتسو بوسط إيطاليا نحو روما، بينما كان البابا منشغلا بقلاقل جرت في فلورنسا، وكان عدد المدافعين عن المدينة قليلا، لا يزيد عن خمسة آلاف من رجال الميليشيا بقيادة الكوندوتييري رينزو دا تشيري، إضافة إلى الحرس السويسري.

مصدر الصورة

أما أسباب نهب روما فتُعزى إلى الدافع المالي وحاجة المتمردين لاسترداد أموالهم المستحقة، بالإضافة إلى عوامل دينية، إذ كان من بين المحاصرين العديد من البروتستانت الذين اعتبروا روما رمزا للارتداد عن القيم المسيحية.

خلال قصف أسوار المدينة، قتل شارل دي بوربون، قائد شرطة فرنسا السابق، وكان يقود القوات الإمبراطورية المهاجمة، حيث قطعت قذيفة مدفعية رأسه. تقول الأسطورة إن صائغا اسمه بينفينوتو تشيليني هو من أطلق القذيفة القاتلة.

بعد مصرع شارل دي بوربون، سادت الفوضى صفوف المحاصرين، ثم اقتحمت القوات الإمبراطورية المدينة وألحقت بها دمارا لم تشهده منذ ما يُعرف بالغزوات البربرية.

انخفض عدد سكان روما من حوالي 55 ألفا إلى عشرة آلاف نسمة فقط بسبب هذه المذبحة والمجاعة والنزوح الجماعي. علاوة على ذلك، كان لهذا الغزو آثار ثقافية كارثية، إذ تسبب في تشتت فناني روما ومثقفيها وحرفييها، وفي الوقت ذاته ساهم هذا التشتت في انتشار أساليب عصر النهضة في جميع أنحاء أوروبا.

إضافة إلى كل ذلك، كان مصير الحرس السويسري مأساويا، إذ قتل أحد الحراس على درجات كاتدرائية القديس بطرس، ومن بين 189 حارسا لم ينج سوى 42. أصبح هذا الحدث بمثابة مأساة خالدة في تاريخ الفاتيكان، وحتى يومنا هذا، يؤدي حراس البابا اليمين الدستورية في ذلك اليوم المشؤوم، السادس من مايو.

بعد القضاء على المدافعين عن المدينة، بدأ نهب واسع النطاق لقصور النبلاء والكرادلة المعروفين بقربهم من البابا، كما أُجبر سكان روما الموالون للإمبراطورية على دفع رشاوي للمحتلين.

أُطلق سراح البابا من قلعة سانت أنجلو في السادس من يونيو بعد دفع فدية قدرها أربعمئة ألف دوكات. علاوة على ذلك، تنازل الكرسي الرسولي عن حقوقه في مناطق بارما وبياتشنزا وتشيفيتافيكيا ومودينا.

أدى نهب روما أيضا إلى تفاقم الكراهية والعداء الديني بين الكاثوليك واللوثريين. وفي نهاية المطاف، في فبراير 1528، أجبر انتشار الطاعون واقتراب قوات عصبة الأمم بقيادة المارشال الفرنسي أوديه دي فوا الجيش الإمبراطوري على التراجع من روما في اتجاه نابولي.

تسبب نهب روما في تقويض السلطة البابوية، واعتبر مسيحيو أوروبا ما جرى بمثابة عقاب على خطايا النخبة الكنسية المتحللة. مع ذلك، بمجرد انتشار الأنباء عما جرى لروما، سارع الجميع إلى إدانة هذه الأعمال الدموية، بل إن الإمبراطور الروماني المقدس نفسه قدّم أعمق اعتذاراته لكليمنت السابع، مؤكدا للبابا أن المرتزقة تصرفوا من تلقاء أنفسهم.

هكذا بقيت ذكرى نهب روما علامة فارقة في التاريخ الأوروبي، حيث جمعت بين العنف السياسي، والصراع الديني، والانحطاط الأخلاقي، ونهاية عصر ثقافي بأسره.

المصدر: RT

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا