في وقت تعيد فيه حرب إيران ترتيب خريطة المخاطر في الخليج، يبدو سعي سلطنة عمان لإنشاء منطقة اقتصادية خاصة بالذكاء الاصطناعي في مسقط أكثر من مجرد إعلان استثماري جديد. المرسوم الذي أصدره السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، الأسبوع الماضي، يضع السلطنة داخل سباق خليجي على اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكنه يأتي أيضا في لحظة لم تعد فيها التكنولوجيا معزولة عن حسابات الأمن والسياسة.
خلال السنوات الماضية، ضخت دول الخليج مليارات الدولارات في هذا القطاع، عبر صناديقها السيادية وشراكاتها مع كبرى الشركات العالمية، وراهنت على مراكز البيانات والبنى الرقمية المتقدمة بوصفها أساسا لاقتصاد ما بعد النفط. غير أن الحرب التي اندلعت في نهاية فبراير، بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، غيّرت طبيعة هذا الرهان. إذ أظهرت الضربات التي طالت دولا خليجية وبنى تحتية، من بينها منشآت مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز بيانات، أن هذه الأصول لم تعد خارج دائرة الاستهداف، بل أصبحت جزءا من معادلة الردع والتصعيد.
قد يدفع هذا التحول المستثمرين إلى إعادة النظر في التوزيع الجغرافي لأصولهم. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بمن يقدم حوافز أكبر أو بنية أكثر تطورا، بل بمن يبدو أكثر أمنا وأقل عرضة للاهتزاز عند كل تصعيد في المنطقة. وهذا مهم خصوصا في قطاع مثل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم الاستثمارات على منشآت ضخمة وحساسة كمراكز البيانات. من هنا يبرز السؤال: هل تمنح هذه المخاطر عُمان فرصة أوسع لجذب جزء من هذه الاستثمارات، بوصفها البلد الذي يبدو أنه خرج من الحرب بأقل قدر من الضرر؟
في هذا الإطار، يقول الاقتصادي العُماني، يوسف الهوتي، إن الاستقرار السياسي والحياد النسبي يمنحان سلطنة عُمان ميزة في جذب الاستثمارات طويلة الأجل، خصوصا في مجالات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي، حيث تبحث الشركات الكبرى عن بيئات يمكن التنبؤ بها قانونيا وأمنيا. لكنه يضيف أن هذه الميزة لا تكفي وحدها، ما لم تُدعم باستثمارات في التعليم والبنية التحتية والتشريعات، بما قد يتيح لعُمان أن تتحول إلى لاعب مهم، وربما مركز إقليمي متخصص، في بعض مجالات الذكاء الاصطناعي.
ويرى الاقتصادي الكويتي قيس الشطي أن سلطنة عُمان مؤهلة لأن تكون إحدى الحاضنات المهمة لقطاع الذكاء الاصطناعي في الخليج، لكنه يرجح أن يتجه الخليج نحو منظومة موزعة جغرافيا، تتكامل فيها أدوار الدول بدلا من أن تتنافس كل منها منفردة.
يقول الكاتب الصحفي العُماني أحمد الشيزاوي إن السعودية والإمارات ستظلان جاذبتين للشركات الكبرى بحكم حجم أسواقهما، لكنه يرى أن عُمان بدأت تطرح نفسها من زاوية مختلفة، مع مشروع المنطقة الاقتصادية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي واستثمار التحولات التي تشهدها المنطقة.
ويضيف أن شركات أكثر باتت تبحث عن مواقع آمنة نسبيا، وهو ما قد يمنح عُمان فرصة لتقديم نفسها كوجهة بديلة، مستفيدة من استقرارها، وبُعدها النسبي عن نقاط التوتر، وتنوعها الجغرافي الملائم لمراكز البيانات والبنية الرقمية. كما يشير إلى اهتمام متنام بتحويل السلطنة إلى مركز لصناعة الرقائق الإلكترونية، مع بدء بعض الشركات خطوات استثمارية في هذا المجال.
ويرى الشيزاوي أن جاذبية عُمان لدى المستثمرين تقوم أساسا على الاستقرار والأمان، لا على حجم السوق أو الثقل المالي. لذلك، فإن تحولها إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي قد لا يحدث سريعا، لكنه يظل ممكنا على المدى البعيد، إذا واصلت نهجها الحالي أو دفعت تقلبات المنطقة بعض الشركات إلى إعادة التموضع.
ولا يبدو الطموح العُماني، بحسبه، قائما على منافسة مباشرة مع المراكز الخليجية الكبرى، بل على تقديم بيئة أكثر هدوءا للشركات والاستثمارات التي تضع الاستقرار في مقدمة أولوياتها، بما يجعل السلطنة أشبه بخيار احتياطي في أوقات عدم اليقين.
استهدفت إيران، خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير، مراكز بيانات مرتبطة بشركات تقنية كبرى، بينها مركزان تابعان لأمازون في الإمارات، فيما تسبب هجوم بطائرة مسيرة بأضرار في مركز ثالث في البحرين. ووفقا لما أعلنته أمازون في 1 مارس، شملت الأضرار تلفا هيكليا، وانقطاعا في الكهرباء، وتشغيل أنظمة الإطفاء، ما أدى إلى أضرار مائية داخل بعض المنشآت.
وتسببت الهجمات في اضطرابات بخدمات الحوسبة السحابية، طالت بنوكا ومنصات دفع وشركة Snowflake. كما أعفت أمازون عملاءها في الشرق الأوسط من رسوم مارس 2026، في خطوة قُدرت بنحو 150 مليون دولار.
وفي السياق نفسه، تعرض مجمع مراكز بيانات تابع لشركة Pure DC في جزيرة ياس بأبوظبي لشظايا. ويُعد الموقع، البالغة قدرته 20 ميغاواط، مخصصا لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، من دون إعلان حجم الخسائر.
وبعد استهداف مركز بيانات تابع لبنك إيراني في 11 مارس، صعّد الحرس الثوري الإيراني تهديداته، ونشر قائمة ضمت شركات مثل Google وMicrosoft وPalantir وIBM وNvidia وOracle. وفي 2 أبريل، جرت محاولة لاستهداف مركز تابع لـOracle في دبي، لكن الدفاعات الجوية اعترضت الهجوم، وسقطت شظايا على واجهة المنشأة.
ويقول الهوتي إن عُمان خرجت من تداعيات الحرب بأضرار أقل، ما عزز صورتها كوجهة أكثر أمانا نسبيا، مستفيدة من استقرارها السياسي وموقعها بين آسيا وأفريقيا. كما أن المشاريع الجديدة قد تمنحها فرصة لبناء بنية تحتية حديثة من البداية، وجذب شركات تبحث عن بيئة تشغيل هادئة ومستقرة.
لكنه يرى أن عُمان أقرب إلى مركز ناشئ وآمن في مجال الذكاء الاصطناعي، لا إلى قائد إقليمي مباشر. ويعتمد نجاح هذا المسار، بحسبه، على حوافز استثمارية جاذبة، وتطوير الكفاءات البشرية، وتسريع مشاريع البنية التحتية.
ويضيف أن التحول إلى حاضنة فعلية للذكاء الاصطناعي يتطلب مراكز بيانات متقدمة، واتصالا رقميا سريعا، وطاقة مستقرة، إلى جانب تشريعات مرنة تنظم استخدام البيانات وتشجع الابتكار. كما يحتاج إلى تمويل البحث والتطوير، وبناء منظومة تضم شركات ناشئة وحاضنات أعمال وشراكات مع شركات تكنولوجية عالمية.
فالشركات العالمية، بحسب الشطي، لم تعد تنظر فقط إلى حجم التمويل وفرص النمو، بل صارت تسأل أيضا عن سلامة البنية التحتية، وقدرة المشاريع على العمل في بيئة مستقرة على المدى الطويل.
ويرى الشطي أن الضرر الأكبر لم يصب الاتجاه العام للاستثمار، بل أصاب التوقيت والزخم. فبعض المشاريع تأجل، وأخرى خضعت لإعادة تقييم بسبب المخاطر الجيوسياسية. وهذا التأجيل، كما يقول، لا يعني خسائر مالية فقط، بل قد يبطئ انتقال الخبرات وبناء الكفاءات المحلية.
مع ذلك، لا تبدو المنطقة في طريقها إلى فقدان جاذبيتها. فالهوتي يرى أن دول الخليج ما زالت تملك السيولة والخطط والطلب الكافي على الذكاء الاصطناعي لاستعادة قوة الدفع، لكن ضمن حسابات أكثر تشددا في ما يتعلق بالأمن والتشريعات واستمرارية التشغيل.
أما الشيزاوي فيرى أن الشركات الكبرى لم تصل إلى مرحلة الانسحاب من الخليج، لكنها أصبحت أبطأ في قراراتها وأكثر تدقيقا في التفاصيل. فالأولوية الآن، كما يقول، لحماية البيانات وتعزيز أنظمة النسخ الاحتياطي وضمان قدرة المراكز الرقمية على العمل عند حدوث اضطرابات.
وبين بقاء الجاذبية وارتفاع منسوب الحذر، تحاول عُمان أن تجد موقعها كخيار أكثر هدوءا في منطقة مضطربة.
المصدر:
الحرة