شهدت ساحة "ماري فيتزجيرالد" في وسط جوهانسبرغ يوم الأربعاء الماضي واحدة من أبرز المظاهرات المعادية للمهاجرين منذ موجة العنف الكبرى عام 2008. إذ احتشد مئات من أنصار حركة "مارش آند مارش" للمطالبة بترحيل الأجانب غير الحاملين لوثائق إقامة. وشارك قادة من حزب "أكشن إس آيه" بزعامة عمدة جوهانسبرغ السابق هيرمان مشيلا، وحزب "حرية إنكاتا"، وحزب "إم كاي" التابع للرئيس السابق جاكوب زوما، مما حوّل مطلبا اجتماعيا إلى رهان سياسي قبيل الانتخابات المحلية أواخر العام.
ونظمت حركة "مارش آند مارش" مسيرات متتالية في ديربان وتشواني وجوهانسبرغ منذ منتصف أبريل/نيسان؛ تطالب بتشديد ضوابط التأشيرات، ومراجعة سياسات اللجوء، وملاحقة أصحاب الأعمال الذين يشغلون مهاجرين بلا أوراق. ورصدت صحيفة "إندبندنت أونلاين" أحداث جوهانسبرغ، مشيرة إلى أن بعض المتظاهرين اقتحموا الحي التجاري المركزي وأمروا أصحاب المحال الأجانب بإغلاق أبوابهم، فيما استقبلت الحشود زعيم "أكشن إس آيه" مشيلا بترحيب لافت.
ونقلت الصحيفة عن مشيلا قوله إن "الهجرة غير الشرعية تدمر روح البلاد"، متهما حكومة الوحدة الوطنية و"المؤتمر الوطني الأفريقي" بأنهما "فقدا البوصلة"، فيما اعتبر أحد أعضاء الحركة -في تصريح للموقع- أن الحركة "ليست معادية للأجانب، بل تطالب بسيادة القانون". في المقابل، وصفت صحيفة "دايلي مافوريك" خطاب حركة "مارش آند مارش" بأنه "يطمس عمدا الفرق بين المهاجر القانوني وغير القانوني"، مذكرة بأن محكمة جنوب أفريقية أصدرت في عام 2025 قرارا يمنع إعاقة وصول المهاجرين إلى المرافق الصحية العامة.
وكان الرئيس سيريل رامافوزا قد رد في خطاب "يوم الحرية" الأسبوع الماضي، محذرا من أن "ضغوط الهجرة لا ينبغي أن تولد التحامل والكراهية ضد إخوتنا الأفارقة"، مستحضرا الدعم الذي قدمته دول القارة لمناضلي مكافحة الفصل العنصري (الأبارتايد). غير أن خطاب رامافوزا يبقى في وضع دفاعي، إذ إنه نفسه أعلن في خطاب حالة الأمة لعام 2026 أن "الهجرة غير الشرعية تشكل تهديدا للاستقرار والنمو الاقتصادي"، متعهدا بنشر 10 آلاف مفتش عمل إضافي لتشديد الرقابة على المشغلين.
في الأثناء، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش -عبر المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك- عن "قلق عميق" إزاء "هجمات وتهديدات تستهدف الرعايا الأجانب" في ولايتي كوازولو ناتال والكاب الشرقية. كما قدر موقع "الويب الاشتراكي العالمي" أن أربعة مهاجرين على الأقل قُتلوا في جوهانسبرغ خلال الأسابيع الماضية.
وتتقاطع المسيرات مع ضائقة اقتصادية مزمنة. فوفق بيانات سابقة للبنك الدولي، تتجاوز نسبة البطالة في جنوب أفريقيا 32%، فيما يعيش نحو 55% من السكان تحت خط الفقر. ويعتقد أن البلاد تستضيف ملايين المهاجرين من زمبابوي وموزمبيق وملاوي وليسوتو، في حين انتهى عام 2024 تصريح "إعفاء الزمبابويين" مما أثر على وضع أكثر من 200 ألف مقيم.
وتربك هذه الموجة "حكومة الوحدة الوطنية" التي شكلها رامافوزا منتصف عام 2024 بعد فقدان حزبه الأغلبية المطلقة. فحزب "حرية إنكاتا" المشارك في الائتلاف يساند المسيرات، في حين يصعد "أكشن إس آيه" -الذي يخوض الانتخابات بمفرده- خطابه ليقضم من قاعدة الأحزاب المعتدلة. كما أن المنافسة على صوت الناخب الغاضب من البطالة أصبحت تجمع بين "إم كاي" و"التحالف الوطني" والتيارات الشعبوية الأخرى.
ومع تصاعد التحذيرات الدولية، ودعوة منظمات أفريقية إلى تطبيق صارم للقانون، تجد بريتوريا نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف توازن بين ضغط شارع غاضب يطالب بـ"حماية الجنوب أفريقيين أولا"، والتزاماتها الدستورية والإقليمية تجاه فضاء جنوب الصحراء؟ ويبقى السؤال مفتوحا، خصوصا في ظل دعوة "مارش آند مارش" إلى "إغلاق وطني" يوم غد 4 مايو/أيار، قد يفجر مواجهات أوسع، ويختبر مجددا صلابة "أمة قوس قزح" التي بشر بها نيلسون مانديلا قبل أكثر من ثلاثة عقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة