"تمثل اللحظة الراهنة نقطة انكسار تاريخية في عقيدة الدفاع الجوي عالميا"
هناك الكثير من الدروس التي سيستخلصها الخبراء العسكريون من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكن أهم هذه الدروس على الإطلاق يتعلق بالدفاع الجوي. تمثل اللحظة الراهنة نقطة انكسار تاريخية في عقيدة الدفاع الجوي العالمي، بعدما كشفت تداعيات "عملية الغضب الملحمي" عن الحدود المادية لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية.
إذ لم يعد تفوق هذه المنظومات يُقاس بجودة أنظمتها أو بقدرتها التقنية على الاعتراض فحسب، بل كذلك بقدرة المخزونات على الصمود وبطاقة القاعدة الصناعية على تغذية حرب استنزاف ممتدة، ما حوَّل النقاش من سؤال تقني تقليدي حول "من يملك التكنولوجيا الأفضل؟" إلى سؤال أكثر واقعية هو "من يملك مخزونا يكفي لحرب طويلة؟".
فمنذ انطلاق الحملة الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، استُهلِكت 3 من أعمدة الدفاع الجوي الأمريكي بصورة مكثفة وهي: صواريخ "ثاد" المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وصواريخ "إس إم-3" (SM-3) المستخدمة في منظومة الدفاع البحري الصاروخي "أيجيس"، التابعة للبحرية الأمريكية، والمتخصصة في اعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي في المراحل المبكرة من مسارها، فضلًا عن صواريخ "باك-3 إم إس إي" (PAC-3 MSE) التابعة لمنظومة "باتريوت"، والمسؤولة عن التصدي للصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز.
ووفقًا لتقديرات "معهد باين للسياسات العامة" في الولايات المتحدة، استُهلك ما يزيد عن 11 ألف قطعة ذخيرةٍ خلال أول 16 يوما من الصراع مع إيران، بتكلفة تُقدَّر بحوالي 26 مليار دولارٍ. ورغم تراجع وتيرة الهجمات الإيرانية لاحقًا مقارنة بذروتها الأولى، فإن هذا الانخفاض لم يوقف الاستنزاف المتواصل لأهم منظومات الدفاع الجوي الأمريكية.
"استُهلك ما يزيد عن 11 ألف قطعة ذخيرةٍ خلال أول 16 يوما من الصراع مع إيران، بتكلفة تُقدَّر بحوالي 26 مليار دولار"
تُظهر البيانات التفصيلية التي نشرها المعهد، إطلاق حوالي 1300 صاروخ "باتريوت باك-3" خلال هذه الفترة وحدها، في وقت لا يتجاوز فيه الإنتاج السنوي الأمريكي منها 600 صاروخٍ؛ أي أن 16 يوما من القتال استهلكت ما يعادل إنتاج عامين كاملين. كما أُطلق أكثر من 340 صاروخا "ثاد"، الذي لا يتجاوز إنتاجه السنوي 96 صاروخا، ما يعني أن تعويض ما استهلك في أسبوعين يحتاج أكثر من 3 أعوام بمعدل الإنتاج الحالي. فضلًا عن إطلاق 431 صاروخا بحريا من عائلة "أيجيس" في الفترة ذاتها، تشمل طرازات "إس إم-2″ و"إس إم-3" و"إس إم-6″، التي تتراوح كلفتها بين 8-25 مليون دولار، وتُنتج أيضًا بأعداد محدودة سنويا.
جدير بالذكر أن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) حذَّر في وقت سابق من انخفاض المخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية، بسبب استخدام ما يقارب 25% من إجمالي مخزون صواريخ "ثاد" الأمريكية الاعتراضية (حوالي 150 صاروخا)، إلى جانب استهلاك نحو 80 صاروخ "إس إم-3″، للدفاع عن إسرائيل ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية خلال حرب يونيو/حزيران 2025، وهو ما يمثل نسبة معتبرة من المخزون المتاح. بمعنى آخر، دخلت الولايات المتحدة الصراع الحالي تحت ضغط استنزاف سابق لم يُعوَّض.
يدفع هذا الوضع واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها الدفاعية؛ إذ جرى نقل عدد كبير من صواريخ "باتريوت" من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط لتعزيز تموضع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، فضلًا عن تحذير مسؤولين أمريكيين من تأخير شحنات الأسلحة المجدولة، وعلى رأسها صواريخ "باتريوت" المخصصة لكلٍّ من أوكرانيا وتايوان، نتيجة إعطاء الأولوية لإعادة تزويد مخزونات القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
يتزامن ذلك مع تصاعد التوترات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا سيما في ظل الخلافات مع إدارة دونالد ترمب حول أعباء الدفاع الجماعي، بما يضع أوروبا أمام مأزق دفاعي متصاعد، ويفرض عليها البحث عن بدائل قادرة على سد هذه الفجوة في ظل تراجع اليقين بالضمانات الأمريكية.
ولهذه الأسباب، تتحرك أوروبا اليوم في اتجاهين متوازيين لسد هذه الفجوة؛ الأول زيادة المشتريات وتوسيع القاعدة الصناعية، بحيث تمتلك القارة قدرة إنتاجية تسمح بتعويض ما يُستهلك في حال نشوب حرب طويلة، أما الثاني، وهو الأعمق، فيتعلق بإعادة تصميم "العمارة الدفاعية" نفسها داخل أجواء القارة.
"المنظومات مثل باتريوت لا تعمل كسلاح منفرد يُوجَّه نحو هدف ويُطلق، بل هي نظام متكامل يشبه في بنيته غرفة عمليات متحركة"
ولتوضيح ما نعنيه بـ"العمارة الدفاعية"، يجب إدراك أن منظومة مثل باتريوت لا تعمل كسلاح منفرد يُوجَّه نحو هدف ويُطلق، بل هي نظام متكامل يشبه في بنيته غرفة عمليات متحركة؛ إذ تبدأ العملية برادارات بعيدة المدى ترصد التهديد على مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات، ثم يتولى مركز القيادة تحليل طبيعة الهدف وحساب مساره وسرعته في ثوانٍ، قبل أن تُطلق صواريخ اعتراضية متخصصة تصطدم بالهدف مباشرة بسرعات تفوق سرعة الصوت عدة مرات. ويمكن تبسيط ذلك بتشبيه العملية بمحاولة إصابة رصاصة برصاصة أخرى في الهواء، وهو مستوى الدقة الذي تعمل عنده هذه المنظومات.
كما تتميَّز باتريوت بقدرتها على التعامل مع طيف واسع من التهديدات، من الطائرات والصواريخ الجوالة (كروز) إلى الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، بل وحتى بعض التهديدات الأعقد، مثل الصواريخ الفرط صوتية، كما اتضح في أوكرانيا عند اعتراض صواريخ "كينجال" الروسية المتقدمة. هذا التعدد في المهام، إلى جانب سجل قتالي يمتد من حرب الخليج عام 1991 إلى النزاعات الأحدث، هو ما يجعلها حجر الزاوية في منظومات الدفاع الجوي لدى الناتو.
المشكلة بالنسبة لأوروبا أن أي نظام أوروبي منفرد لن يتمكن من تغطية كافة هذه المهام، فكل نظام مصمم لمواجهة نوع معين من التهديدات. على سبيل المثال، يُعدُّ نظام "أيريس-تي إس إل إم" (IRIS-T SLM) الألماني فعالًا للغاية وبتكلفة معقولة (تتراوح بين 350-420 ألف دولارٍ للصاروخ الواحد)، في مواجهة الأهداف الهوائية المتحركة، مثل الطائرات والمُسيَّرات وصواريخ كروز، وقد حقق في أوكرانيا نسب اعتراض مرتفعة، ما دفع شركة "ديهل ديفنس" المطوِّرة إلى استثمار هذا النجاح وزيادة الإنتاج ليصل إلى نحو 16 وحدة إطلاق سنويا.
ويتكوَّن "أيريس" من مجموعة عناصر تعمل معًا كنظام متكامل، في مقدمتها رادار متعدد المهام من طراز "هينسولدت"، قادر على كشف الأهداف وتتبعها من جميع الاتجاهات بزاوية 360 درجة، ما يسمح برصد الطائرات أو الصواريخ فور دخولها نطاق التغطية. بعد ذلك، تنتقل البيانات إلى مركز العمليات التكتيكي الذي يُعدُّ عقل المنظومة، حيث تُحلَّل المعلومات الواردة ويُحدد نوع التهديد وسرعته ومساره، لاتخاذ القرار المناسب بشأن الاعتراض.
"يواجه نظام أيريس صعوبة في اعتراض الصواريخ الباليستية بسبب سرعتها الهائلة ومسارها شبه العمودي"
وفي المرحلة الأخيرة، تُطلق الصواريخ من منصات إطلاق تضم عادةً 3 شاحنات قاذفة ثقيلة، تحمل كل منها 8 صواريخ جاهزة للإطلاق العمودي، بما يتيح سرعة الاستجابة وإمكانية التعامل مع أكثر من هدف في وقت واحد. ويبلغ مدى الصاروخ نحو 40 كيلومترا، وتصل سرعته إلى نحو ثلاثة أمثال سرعة الصوت، ما يجعله مناسبا للتعامل مع تهديدات سريعة ومتعددة ضمن نطاق الطبقة المتوسطة.
وتعتمد صواريخ "أيريس" الاعتراضية على نظام توجيه بالأشعة تحت الحمراء عالي الدقة، يسمح لها بتتبع الهدف بدقة كبيرة، حتى في البيئات المشوشة، كما يتمتع الصاروخ بقدرة عالية على المناورة بفضل نظام التحكم في اتجاه الدفع، ما يُمكِّنه من تغيير مساره بسرعة والاشتباك مع أهداف سريعة أو حتى قريبة جدا، وهو ما يفسر فعاليته الكبيرة ضد المُسيَّرات وصواريخ كروز.
ومع ذلك، يواجه النظام صعوبة في اعتراض الصواريخ الباليستية بسبب سرعتها الهائلة ومسارها شبه العمودي، نظرًا لأنها تهبط بزاوية حادة نحو الهدف، مما يترك وقتا قصيرا جدا للاكتشاف والاعتراض، مقارنة بصواريخ كروز التي تطير لمسافات أطول وعلى ارتفاعات منخفضة.
وبالمثل، يعتمد نظام الدفاع الجوي النرويجي الأمريكي "ناسامز" (NASAMS)على بنية مشابهة، تقوم على تكامل الرادار ومركز القيادة ومنصات الإطلاق ضمن شبكة واحدة، مع اعتماده على صواريخ جو–جو مُعدَّلة للإطلاق من الأرض، كما يوفر النظام حماية ضد الطائرات والصواريخ الجوالة والمُسيَّرات، ولكنه يفتقر مثل "أيريس" إلى القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، بما يَحدُّ من دوره ضمن منظومة دفاع جوي متكاملة.
في المقابل، يُعدُّ نظام الدفاع الجوي الفرنسي الإيطالي "سامب/تي" (SAMP/T) الأقرب أوروبيا إلى منظومة باتريوت؛ إذ يُوفِّر النظام نطاقا أوسع من القدرات مقارنة بالأنظمة الأوروبية الأخرى. فقد صُمم للتعامل مع طيف كامل من التهديدات، يشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمُسيَّرات والطائرات، ضمن شبكة دفاع متكاملة قادرة على الاشتباك مع أهداف متعددة في آن واحد.
يصل مدى الاشتباك لصواريخ النظام إلى أكثر من 150 كيلومترا، مدعوما برادار متعدد المهام قادر على كشف الأهداف على مسافات تصل إلى نحو 350 كيلومترا، ما يمنحه قدرة إنذار مبكر متقدمة. وقد أظهر النظام فعاليته في الحرب الأوكرانية لا سيما في ما يخص كشف الأهداف البعيدة واستهدافها؛ حيث نجح في إسقاط أهداف على مسافات بعيدة، من بينها مقاتلة روسية في مارس/آذار 2025.
"نجح نظام سامب/تي الإيطالي في إسقاط مقاتلة روسية من على مسافة بعيدة في مارس/آذار 2025"
ويتكوَّن النظام من عدة وحدات مترابطة، تشمل ما يصل إلى 48 صاروخا جاهزا للإطلاق من منصات متعددة، إلى جانب وحدة اشتباك مركزية، مع قدرة على الانتشار السريع والإطلاق الفعال خلال حوالي 15 دقيقة. كما يتمتع "سامب/تي" بتوافق كامل مع أنظمة الناتو، ما يجعله قابلا للدمج ضمن الشبكات الدفاعية القائمة، ويؤهله للقيام بدور الطبقة العليا في منظومات الدفاع الجوي متعددة المستويات التي تسعى أوروبا إلى بنائها.
لم تعد الدول الأوروبية إذن تبحث عن "باتريوت أوروبي واحد" يحل محل النظام الأمريكي، بل تتجه نحو بناء شبكة دفاع متعددة الطبقات، تتكون من طبقة قريبة المدى للتعامل مع المُسيَّرات منخفضة التكلفة، مثل أنظمة المدافع السريعة والصواريخ قصيرة المدى، وطبقة متوسطة لاعتراض الصواريخ الجوالة والطائرات، مثل "أيريس-تي" و"ناسامز"، وطبقة بعيدة المدى لمواجهة الصواريخ الباليستية، مثل "سامب/تي".
يوفر هذا التوزيع للأدوار بين المنظومات المختلفة وبناء طبقات دفاعية متعددة درجة أعلى من الأمان والفعالية، كما أنه أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية أيضا. إذ يسعى هذا التوزيع إلى مواءمة تكلفة الاعتراض مع طبيعة التهديد، بحيث لا تُستخدم صواريخ باهظة الثمن لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة، مثل المُسيَّرات. وبهذا، تتعامل كل طبقة مع التهديد المناسب لها بالكلفة المناسبة، فلا تُهدر الموارد على أهداف غير مكافئة، ولا تُترك الصواريخ الباليستية لأنظمة غير مؤهلة لاعتراضها.
"تسعى الأنظمة الدفاعية متعددة الطبقات إلى مواءمة تكلفة الاعتراض مع طبيعة التهديد، بحيث لا تُستخدم صواريخ باهظة الثمن لاعتراض أهداف ثانوية"
ولإيضاح ذلك، يكفي عقد مقارنة سريعة بين تكلفة تشغيل هذه الأنظمة؛ إذ يبلغ سعر صاروخ "باتريوت باك-3" نحو 7 ملايين دولار، في حين لا تتعدى تكلفة صواريخ منظومة "أيريس" الاعتراضية 500 ألف دولار تقريبا، ويقع صاروخ "أستر-30" المستخدم في منظومة "سامب/تي" في المنتصف بتكلفة في حدود مليوني دولار.
بدأت هذه الفلسفة تتجسَّد عمليا بالفعل حين اختارت الدنمارك في سبتمبر/أيلول 2025 بناء منظومة دفاعية تعتمد على 4 أنظمة مختلفة تعمل معا، هي: "سامب/تي" للطبقة البعيدة، و"ناسامز" و"أيريس-تي" للطبقة المتوسطة، وأخيرا نظام "في إل ميكا" (VL MICA) الفرنسي قصير المدى للطبقات القريبة، في أكبر صفقة دفاعية في تاريخها بلغت قيمتها 9.1 مليار دولارٍ، مُفضِّلةً بذلك الحل الأوروبي متعدد الطبقات على منظومة "باتريوت" الأمريكية.
كما يظهر التوجه ذاته في النموذج الإيطالي، الذي يعتمد على دمج "سامب/تي" مع أنظمة أقصر مدى، من بينها نظام "غريفو" المخصص للتعامل مع التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع، ضمن شبكة واحدة تتقاسم فيها الأنظمة المختلفة مهام الاعتراض بحسب طبيعة التهديد.
على المستوى التقني، تكشف المقارنة بين "سامب/تي" و"باتريوت" عن تميز الأول بتصميم راداري يوفر تغطية كاملة بزاوية 360 درجة، بفضل خاصية المسح الدوراني، بما يمنح المنظومة قدرة التعامل مع تهديدات قادمة من عدة اتجاهات في وقت واحد، دون الحاجة لإعادة تموضع.
"يتميز سامب/ تي بتصميم راداري يوفر تغطية بزاوية 360 درجة، ما يمنح المنظومة قدرة التعامل مع تهديدات قادمة من عدة اتجاهات في وقت واحد"
وتعتمد النسخة الفرنسية من "سامب/تي" على رادار "غراوند فاير" (GF300) من إنتاج شركة "تاليس"، وهو مصفوفة مسح إلكتروني نشط يعمل في "نطاق إس" (S-band) المنخفض التردد، بما يجعله مناسبا للإنذار المبكر ورصد التهديدات البعيدة كالصواريخ البالستية، أما النسخة الإيطالية فتعتمد على رادار "كرونوس" (Kronos) من تطوير شركة "ليوناردو"، الذي يعمل في "النطاق الترددي سي" (C-band)، وهو نطاق أعلى ينتج موجات أقصر قادرة على رسم صورة أدق للهدف وتمييز نوعه وحجمه، وإن كان ذلك على مدى أقصر يتراوح حول 250 كيلومترا. هذا الاختلاف يعكس أولويات تشغيلية مختلفة؛ فالرادار الأول يُقدِّم المدى في حين يعطي الثاني أولوية للدقة.
ولتبسيط فكرة "النطاق الترددي"، يمكن تشبيه الرادارات بمحطات راديو تبث على ترددات مختلفة، فالنطاقات المنخفضة مثل "إس"، تُنتج موجات أطول تصل لمسافات أبعد لكنها أقل دقة، بينما النطاقات الأعلى مثل "سي"، تنتج موجات أقصر تعطي صورة أوضح للهدف لكن على مدى أقصر، لذلك لا يوجد نطاق أفضل بشكل مطلق، وإنما يتم اختيار الرادار بناء على متطلبات المهمة.
في المقابل، يواجه رادار "باتريوت" قيودا في زاوية التغطية؛ حيث يغطى قطاعا محددا يتراوح بين 90-120 درجة، بما يفرض نشر البطاريات بطريقة متداخلة لضمان تغطية شاملة أو إعادة توجيهها حسب اتجاه التهديد. ورغم أن رادارات "الاستشعار الدفاعي الجوي والصاروخي منخفض المستوى" (LTAMDS) التي أُلحقت حديثا بالمنظومة تعالج هذه المشكلة وتوفر تغطية 360 درجة، كما أنها تمتلك خاصية التردد ثنائي النطاق التي تُعد ميزة تصميمية، حيث تعمل بشكل أساسي في "النطاق الترددي سي" مع إمكانية استخدام ترددات النطاقين "إس" و"إكس"، بما يتيح الجمع بين المدى والدقة، فإن هذا التطوير لم يُعمَّم بعد على جميع المستخدمين، وتشير التقديرات إلى أن انتشاره الواسع قد لا يكتمل قبل عام 2032، في ظل محدودية معدلات الإنتاج وأولوية تزويد الجيش الأمريكي أولا.
"يحتفظ باتريوت بتفوق نسبي في اعتراض الصواريخ الباليستية عالية السرعة والمناورة"
ومع ذلك، يحتفظ "باتريوت" بتفوق نسبي في اعتراض الصواريخ الباليستية عالية السرعة والمناورة، ويرتبط ذلك بآلية الاعتراض؛ حيث تعتمد صواريخ "باتريوت باك-3" على مبدأ الاصطدام المباشر بالهدف، ورغم أن هذا الأسلوب يتطلب حسابات دقيقة من حيث التوقيت والمسار، لكنه فعَّال بشكل خاص ضد الأهداف الباليستية التي تعود للغلاف الجوي بسرعات هائلة وتقوم بمناورات في مرحلتها النهائية.
أما "سامب/تي" فيستخدم ما يُعرف بأسلوب "التفجير القريب بالشظايا"؛ إذ لا يقوم الصاروخ بإصابة الهدف بشكل مباشر بل ينفجر على مسافة محسوبة منه، مُطلقًا سحابة كثيفة من الشظايا تُدمر الهدف. ويمكن تشبيه ذلك بمحاولة إصابة هدف سريع عبر تطويقه بدلاً من الاعتماد على الاصطدام به، وهو ما يمنح النظام هامش خطأ أكبر ومرونة أعلى في التعامل مع طيف واسع من الأهداف، من الطائرات إلى المُسيَّرات وصواريخ كروز، كما يجعله أكثر ملاءمة لسيناريوهات الاشتباك متعدد الأهداف.
"لا يقوم سامب/تي بإصابة الهدف بشكل مباشر بل ينفجر على مسافة محسوبة منه، مُطلقًا سحابة كثيفة من الشظايا تُدمر الهدف"
لكنه في المقابل أقل تخصصا من أسلوب الاصطدام المباشر عندما يتعلق الأمر ببعض الصواريخ الباليستية فائقة السرعة والمناورة، حيث تصبح الدقة المطلقة عاملا حاسما. وقد لخَّص الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الفارق بقوله: "إن هذه الأنظمة، رغم تطورها وكفاءتها، لا ترقى إلى مستوى باتريوت في مواجهة التهديدات الأكثر تعقيدًا".
فضلاً عن ذلك، تواجه أوروبا أيضا قيودا واضحة في قدرتها على الإنتاج الكمي، إذ لا تختلف في ذلك كثيرا عن الولايات المتحدة، فبينما تعاني واشنطن من ضغط الاستهلاك وتسارع وتيرة استنزاف المخزونات، ظهرت مؤشرات عام 2025 على نقص في صواريخ "أستر 30" الاعتراضية التي يطلقها نظام "سامب/تي"، ما يكشف أن التحدي لا يزال يتعلق أيضا بالقدرة على تغذية المنظومة واستدامتها، في سياق حرب طويلة تعتمد على الإغراق والاستنزاف.
ومع كل هذا الزخم الأوروبي، يبقى من الضروري الحذر من المبالغة في تقدير التحول الجاري، فالقارة لا تزال بعيدة عن تحقيق استقلال كامل في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، وما يحدث فعليًا أقرب إلى إعادة موازنة للمخاطر أكثر منه قطيعة استراتيجية مع منظومات الدفاع الأمريكية. بمعنى أدق، تسعى الدول الأوروبية اليوم إلى تقليل الاعتماد المفرط على واشنطن وبناء قدرات موازية، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستغناء عنها، وفي ظل القيود الصناعية، وتشابك سلاسل التوريد، وتعقيدات التكامل داخل الناتو، يبدو هذا المسار -في المدى المنظور- أقرب إلى تنويع المحفظة الدفاعية منه إلى فك الارتباط الكامل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة