في 26 أبريل/نيسان 2026، عقدت محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل في دمشق جلسة تمهيدية فيما يعد أهم إجراء جنائي تشهده سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
مثلَ عاطف نجيب، العميد وابن خالة بشار الأسد، في قفص الاتهام مكبل اليدين. وحضر الجلسة النائب العام للجمهورية، إلى جانب عائلات ضحايا بشكل أساسي من محافظة درعا.
لم يجرَ أي استجواب، ولم تسمع أي شهادات، ولم يقدم أي دفع بالذنب أو البراءة؛ إذ رُفعت الجلسة إلى 10 مايو/أيار 2026، حيث يفترض أن تبدأ الإجراءات الموضوعية. لقد كان ما جرى اعتياديا من الناحية الإجرائية، غير أن دلالته بالنسبة إلى بنية المساءلة في سوريا مختلفة تماما.
شغل نجيب منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، واعتُقل في اللاذقية في يناير/كانون الثاني 2025.
وهو متهم- بصفته عضوا في اللجنة الأمنية في محافظة درعا- بالإشراف على عمليات الاعتقال والاستجواب، وبإصدار أوامر بالرد الوحشي على المظاهرات في مارس/آذار 2011، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، واعتقال آلاف السوريين وتعذيبهم وإخفائهم.
والرمزية التي تحملها هذه التهم واضحة: فدرعا هي مهد الانتفاضة السورية، ونجيب هو الحلقة الفردية الأكثر مباشرة بين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، وتلك اللحظة التأسيسية.
تشمل التهم الرسمية، بحسب ما ورد، جرائم ضد الشعب السوري، تتضمن القتل، والتعذيب، والإشراف على انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين. كما تشمل التهم الإضافية الموجهة إلى متهمين آخرين، الابتزاز والاتجار بالمخدرات.
غير أن الإطار القانوني الذي تسير بموجبه هذه التهم يفرض قيدا هيكليا يمس ما يمكن أن تحققه المحاكمة. فقانون العقوبات السوري رقم (148) لعام 1949 لا يتضمن نصوصا تجرم صراحة جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة.
وبدلا من ذلك، فإن السلوك الذي قد يستوفي العناصر التعريفية للمادة (7) من نظام روما الأساسي- والمتمثلة في ارتكاب أي هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، أي جرائم ضد الإنسانية- سيلاحَق بموجب نصوص القانون الجنائي العادي، كالقتل، والتعذيب. والنتيجة ليست مجرد مسألة مصطلحات.
فالإدانة بموجب هذه النصوص، مهما بلغت شدة العقوبة، لن تشكل اعترافا قضائيا بالطابع المنهجي والمؤسسي للجرائم؛ إذ ستسجل أفعالا إجرامية فردية، لكنها لن تسجِل السياسة التي أنتجتها.
بعبارة أخرى، تتحرك المحاكمة ضمن معجم قانوني قاصر- من الناحية الهيكلية- عن استيعاب طبيعة الجرائم التي تسعى إلى معالجتها.
ويتفاقم هذا القصور بفعل الفجوة بين الإطار القضائي الحالي وبنية العدالة الانتقالية التي يجري إنشاؤها. فقد أنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم (20) الصادر في مايو/أيار 2025، وشكلت لجنتها بموجب المرسوم رقم (149) الصادر في أغسطس/آب 2025.
ويجري إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية، لكنها لم تقر بعد. والهيئة كيان معني بالحقيقة والمساءلة والتعويضات، ولا تملك صلاحية إجراء محاكمات جنائية.
أما مسودة القانون التي يفترض أن تنشئ غرفا جنائية متخصصة قادرة على تطبيق فئات القانون الجنائي الدولي، فلم تمرر بعد. وإلى أن يحدث ذلك، ستستمر الإجراءات الجنائية بموجب قانون العقوبات العادي.
وُجهت في المحكمة ذاتها تهم غيابية إلى بشار الأسد، وماهر الأسد، ومسؤولين كبار سابقين آخرين. وصدرت مذكرة توقيف قضائية بحق بشار الأسد في 25 أبريل/نيسان 2026. ويواجه ماهر الأسد، الذي كان يقود الفرقة الرابعة المدرعة، تهما بالقتل، والتعذيب، والابتزاز، والاتجار بالمخدرات.
وقابلية تنفيذ هذه التهم ضئيلة في الوقت الحاضر؛ فبشار الأسد موجود في روسيا، التي لا تملك اتفاقية لتسليم المجرمين مع سوريا، وقد دأبت تاريخيا على حماية مسؤولي عهد الأسد من المساءلة.
كما أن الإجراءات الغيابية لا توفر آلية تنفيذ فورية. غير أن أهميتها تكمن في موضع آخر: قطع الطريق أمام ادعاءات الإفلات من العقاب مستقبلا، وإرساء تحديد قضائي محلي للمسؤولية الجنائية.
ويضاف إلى ذلك أن بناء ملف قضائي متماسك، مستند إلى أدلة جنائية لا إلى دوافع سياسية، هو شرط مسبق لأي طلب تعاون مع الإنتربول؛ إذ تحظر المادة (3) من دستور المنظمة التدخل في قضايا ذات طابع سياسي.
وبالتالي، فإن صرامة الملف القضائي المحلي، وتأسيسه على وقائع جنائية موثقة هما اللذان يفصلان بين إمكانية إصدار نشرة حمراء دولية بحق الأسد، والاصطدام بقيود المنظمة التي تمنعها من التدخل في الملاحقات ذات الطابع السياسي.
وبهذا المعنى، فإن التهم الغيابية أدوات لبناء الهيكل القانوني للمساءلة، لا أدوات للاحتجاز الفوري.
وتضيف مسألة عقوبة الإعدام طبقة أخرى من التحديات. فسوريا ما زالت تبقي على عقوبة الإعدام، وقد أعربت عائلات الضحايا علنا عن أملها في أن ينال نجيب العقوبة القصوى. ويبرز هنا اعتراضان متمايزان.
الأول يستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان: فسوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تقصر المادة 6 (2) منه عقوبة الإعدام على «أشد الجرائم خطورة»، وتفسر لجنة حقوق الإنسان هذه الفئة بأنها تقتصر على القتل العمد.
أما القانون المحلي السوري فيطبق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع، مما يضعه خارج نطاق الامتثال للعهد الدولي. وإن صدور حكم بالإعدام وتنفيذه في هذه المحاكمة من شأنه أن يعرض الحكومة الحالية لانتقادات دولية في وقت تسعى فيه إلى نيل الشرعية، وإعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.
وبصرف النظر عن مآل عقوبة الإعدام في التشريع السوري مستقبلا، فإن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تلتزم به الحكومة الانتقالية هو حظر تنفيذ أحكام الإعدام في الساحات العامة؛ فهذه الممارسة تتعارض مع حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب المادة (7) من العهد الدولي، وتحول العقوبة من إجراء قضائي إلى مشهد عقابي يقوض مشروعية العملية القضائية ذاتها.
أما الاعتراض الثاني فيستند إلى منطق العدالة الانتقالية: فإعدام نجيب قبل تثبيت السجل المؤسسي الكامل، بما يشمل سلسلة القيادة، ومواقع المقابر الجماعية، ومصير عشرات الآلاف من المختفين قسريا، سيشكل خسارة إثباتية لا يمكن تعويضها.
وتظهر السجلات المقارنة لعمليات المساءلة في مراحل ما بعد الصراعات أن كشف الحقائق، لا الإعدام، هو ما يخدم المصالح طويلة الأمد للمجتمعات المتضررة.
إن استعجال العقاب، وإن كان مفهوما، لا يلغي ضرورة المعرفة.
يتبع التسلسل المعلن للملاحقات القضائية- نجيب أولا، ثم وسيم الأسد، ثم أمجد يوسف، وكذلك الطيارون العسكريون الذين قصفوا المدن السورية- منطقا يتصاعد في الأهمية السياسية، بدءا بشخصية يحمل ارتباطها بالمرحلة الأولى من الانتفاضة ثقلا خاصا.
وستكون الجلسة الموضوعية في 10 مايو/أيار أول اختبار حقيقي لنزاهة الإجراءات.
والمعايير المرجعية محددة ويمكن التعرف إليها: ما إذا كان نجيب ممثلا بمحامي دفاع؛ وما إذا كانت التهم الواردة في لائحة الاتهام ترسي نظرية للمسؤولية القيادية تتجاوز الأفعال الفردية إلى الهياكل المؤسسية التي أتاحت وقوعها؛ وما إذا كانت المحكمة تطبق معايير للأدلة تتفق مع ضمانات المحاكمة العادلة بموجب القانونين السوري والدولي؛ وما إذا كانت الجلسة ستظل علنية مع استمرار وصول الضحايا والصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان؟
إن قاعة المحكمة في دمشق ليست مجهزة حاليا بالأدوات القانونية التي تتطلبها جسامة الفظائع السورية.
لكن ما يمكنها فعله، وما سيختبر في 10 مايو/أيار، هو إظهار ما إذا كانت العملية الجارية محكومة بالمبادئ القانونية أم بالمصلحة السياسية؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه المحاكمة ستصبح حجر أساس لبنية المساءلة التي تحتاجها سوريا. اليوم نحاكم نجيب الأصغر ويد العدالة تنتظر نجيب الأكبر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة