آخر الأخبار

كيف كشفت الدماء المرئية من الفضاء فظائع الحرب في السودان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، واجهت التغطية الصحفية -خاصة المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع عند اجتياحها لمدينة الفاشر– حالة من التعتيم الشامل، وهو حال معظم الفظائع التي وقعت في مناطق عديدة بالبلاد، وفي ظل انقطاع الاتصالات واستهداف الصحفيين، تراجعت التغطية الميدانية، ليبرز دور تكنولوجيا الفضاء والتحليل عن بُعد بصفته النافذة الوحيدة لكشف الانتهاكات.

حلت صور الأقمار الصناعية محل الصحفيين الميدانيين، لتعمل بمثابة عين لا تنام توثق تفاصيل عمليات القتل الجماعي التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وتنقل مشاهد الدماء والمقابر الجماعية وحملات التجويع إلى العالم، وتسد الفراغ الذي تركه انهيار بيئة العمل الإعلامي بفعل الحرب المدمرة.

مصدر الصورة لقطة فضائية تظهر أعمدة دخان وحرائق بمطار الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (شركة فانتور)

أرض مشبعة بالدماء

لم يكن كشف حجم المجازر في الفاشر من الأمور المتاحة لولا صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، ففي أعقاب سقوط المدينة، وفّر "مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية" أدلة بصرية عبر الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) تثبت وقوع عمليات تصفية جسدية استهدفت السكان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 السودان من السماء.. خريطة التشظي والتعافي بعد 1100 يوم من الحرب
* list 2 of 2 السودان.. الحرب الأكثر دموية التي يواصل العالم تجاهلها end of list

لم تركز التحليلات على روايات الشهود من الخارج، بل استندت إلى رصد تغير واضح في لون الأرض إلى اللون المحمر قرب مركبات الدعم السريع، إلى جانب رصد أجسام تتطابق في أحجامها مع الجثث البشرية.

هذه البقع الدموية التي تشبعت بها التربة وباتت مرئية من الفضاء، أسقطت أي ذريعة لادعاء الجهل بما يحدث، وهو ما توافق مع تقارير صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية التي أشارت إلى مقتل نحو 500 شخص في مستشفى واحد، مع مقارنة سرعة القتل في الفاشر بما حدث في أول 24 ساعة من إبادة رواندا.

وقد حظي التقرير الأول للمختبر، الذي نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، باهتمام وسائل الإعلام العالمية عندما كشف عن أجسام تتسق مع حجم أجساد البشر على الأرض، مع رصد 5 حالات في الحد الأدنى لتغير لون التربة إلى الأحمر الداكن.

إعلان

ويعد سقوط الفاشر حلقة في سلسلة الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الحرب التي اندلعت منذ أبريل/نيسان 2023، وقد أكدت بعثة أممية في فبراير/شباط 2026 أن هذه الانتهاكات تحمل سمات الإبادة الجماعية.

رصد المقابر الجماعية

وقد تجاوز دور الأقمار الصناعية مجرد توثيق لحظة المجزرة، ليمتد إلى تتبع مسرح الجريمة ورصد محاولات إخفاء معالمها، ومن خلال التحليل المستمر ضمن تنبيهات الفظائع الجماعية، حلل الخبراء التغيرات الطبوغرافية في المدينة، ليرصدوا غياب مئات الجثث التي كانت ملقاة في الشوارع، بالتزامن مع ظهور آثار حفر أرضية حديثة.

وأكدت الصور الفضائية قيام قوات الدعم السريع بحفر مقبرتين على الأقل للتخلص من جثث الضحايا، وإلى جانب ذلك، قدمت المستشعرات الفضائية قراءة دقيقة للنشاط البشري، إذ رصدت توقف حركة الأسواق بصفة تامة، وتجمعات لنازحين عند نقاط تفتيش على طريق بلدة طويلة غربي الفاشر، مما وفر الإثبات المرئي على استمرار حملات الاحتجاز والتغييب القسري.

سياسة التجويع والأرض المحروقة

أثبتت تقنيات الاستشعار عن بعد قدرتها الفريدة على كشف النوايا العسكرية واستخدام الجوع بوصفه سلاح حرب فتاكا.

فقد استخدمت المنظمات تحليلات الأقمار الصناعية لتوثيق تدمير 41 قرية زراعية تقطنها أغلبية من قبيلة الزغاوة في محيط الفاشر، ووفرت هذه الصور قراءة للتسلسل الزمني تثبت تعمد قوات الدعم السريع إحراق هذه المجتمعات وحرمانها من زراعة المحاصيل.

وقد أظهر التحليل المكاني كيف تم تجريد القرى من سكانها وتدمير البنية التحتية الزراعية بصفة متعمدة، مما قدم الدليل المادي على فرض حصار التجويع على مدار 18 شهرا، وهو تفصيل كان من الصعب إثباته عبر الشهادات الشفهية وحدها.

وتسببت الحرب في السودان في انتشار الجوع ونزوح الملايين، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 28.9 مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

بديل الصحافة الميدانية

جاء هذا الاعتماد المحوري على أدوات المراقبة الفضائية نتيجة لانهيار بيئة العمل الصحفي، فمع انقطاع شبكات الإنترنت واعتقال مراسلين مثل معمر إبراهيم، مراسل قناة الجزيرة مباشر، واختفاء العديد من زملائه، أصبحت تغطية أحداث الفاشر شبه مستحيلة.

مصدر الصورة لقطة جوية توثق تصاعد الدخان الأسود فوق الخرطوم في 28 أبريل/نيسان 2023 (الفرنسية)

وفي هذا السياق، نقلت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة شهادة الصحفية نادية طه أمام الكونغرس، إذ تحدثت عن العجز الذي تواجهه التغطية الإعلامية بعد تسريح الصحفيين في مؤسسات كبرى، وهو ما جعل الاستخبارات مفتوحة المصدر طوق النجاة لكشف الحقيقة.

وكما أوضح مدير مختبر ييل، فإن تقنيات المراقبة الفضائية تذهب إلى الأماكن التي يُمنع الصحفيون من دخولها؛ وبفضل هذه التكنولوجيا، تحولت الفاشر من حرب منسية إلى ملف مدعم بالأدلة المرئية التي اعتمدت عليها الأمم المتحدة لإقرار حدوث إبادة جماعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا